عنب بلدي – أمير حقوق
مع دوران كاميرات تصوير الأعمال الدرامية للموسم الرمضاني المقبل، تعود الأسئلة حول خيارات الدراما السورية، وما الذي ستقدمه بعد موسم ماضٍ شهد حضورًا لافتًا لأعمال تناولت سنوات الثورة والحرب، وحملت معها نقاشًا واسعًا حول حدود العودة إلى هذه المرحلة وطريقة تقديمها.
تناول عدد من الأعمال خلال الموسم الماضي قضايا المعتقلين والمختفين قسرًا، وما رافق سنوات الحرب من ألم وانتهاكات، لكنها في المقابل واجهت انتقادات واتهامات بـ”تسليع الألم” وتجديد جراح السوريين، بينما رأى قسم آخر أن تناول هذه القصص يظل مهمًا لحفظ ذاكرة السوريين، وتوثيق مرحلة لا تزال آثارها حاضرة.
وبعد انتهاء الموسم وبدء الاستعداد لموسم جديد، لا يبدو السؤال متعلقًا فقط بما إذا كانت الدراما السورية ستواصل تناول سنوات الثورة والحرب، بل بكيفية فعل ذلك، وما إذا كان الجمهور لا يزال راغبًا في مشاهدة هذه المرحلة، أم أصبح يبحث عن موضوعات أخف تمنحه مساحة من الترفيه والابتعاد عن أجواء الحرب والألم.
تناول الأعمال بصورة مدروسة
مع استمرار حضور المرحلة السابقة في الأعمال السورية، لا يتعلق النقاش فقط بضرورة تناولها بالأعمال، بل أيضًا بالوقت والطريقة، خصوصًا أن كثيرًا من أحداثها وقضاياها لا تزال حاضرة في حياة السوريين وجراحهم.
الناقد الفني أنس فرج يرى أن الدراما السورية بحاجة إلى العودة إلى سنوات الثورة، لكن بصورة مدروسة، تقوم على عدم إعادة فتح الجراح التي لا تزال “طرية”، وتقديم الرواية بشكل متوازن، والاستناد إلى الشهادات الحية عندما يكون العمل أقرب إلى التوثيق، “من دون تبني وجهة نظر سياسية لطرف على حساب آخر”.
في المقابل، يرى الصحفي والناقد الفني شارل عبد العزيز أن الدراما السورية لا تزال بحاجة إلى تناول سنوات الثورة والحرب، ولا يمكن القول بضرورة التوقف عن تقديم هذا النوع من الأعمال، مشيرًا إلى استمرار تناول السينما والدراما الأوروبية للحرب العالمية الثانية بعد عقود، لكن من خلال قصص ووجهات نظر مختلفة.
السينما والدراما الأوروبية لا تزال تتناول الحرب العالمية الثانية بعد عقود، لكن من خلال قصص ووجهات نظر مختلفة.
شارل عبد العزيز
ناقد فني
بين توثيق الذاكرة وتجديد الجراح
إذا كان استمرار تناول المرحلة مهمًا لحفظ الذاكرة بالنسبة إلى بعضهم، فإن طبيعة الموضوعات المطروحة تفتح سؤالًا آخر حول قدرة الجمهور على استقبال أعمال تعيد تقديم أحداث مؤلمة لا تزال آثارها حاضرة، ولا سيما القضايا المرتبطة بالمعتقلين والمفقودين والمغيبين قسرًا.
يرى فرج أن هذه القضايا، إلى جانب العدالة الانتقالية، لا تزال معلقة وتحتاج إلى سنوات حتى تجد حلولًا أو تعويضًا للضحايا، ولذلك فهو يميل إلى أن الدراما ليست مطالبة في هذه المرحلة بإعادة عرض جراح الناس وتذكيرهم بها، مع تمسكه في الوقت نفسه بكونها جزءًا من عملية توثيق ذاكرة السوريين.
أما عبد العزيز فيربط تقبل الجمهور بالعمل نفسه وطريقة تقديمه، مشيرًا إلى مسلسل “قيصر لا زمان لا مكان”، الذي يرى أن تناوله المباشر والقاسي للدماء والموت والمعتقلات ومجزرة الكيماوي جعله ثقيلًا على الجمهور، مقابل أعمال اجتماعية مثل “مطبخ المدينة”، قدمت صورة عن واقع البلد من خلال قصة أسرة وحياتها.
الجمهور بين الترفيه واستعادة الحرب
بعد سنوات ارتبطت فيها حياة السوريين بالحرب وتبعاتها، يطرح حضور الأعمال الخفيفة والكوميدية سؤالًا حول تغير أولويات المشاهد، وما إذا كان يريد اليوم أن يرى على الشاشة مساحة مختلفة عن الواقع الذي عاشه.
الجمهور، بحسب فرج، يتجه في فترات معينة إلى أنواع درامية تناسب حالته، وشريحة واسعة منه باتت تبحث عن أعمال أخف وأبعد عن أجواء الحرب، لتكون الدراما نوعًا من المتنفس، من دون أن يعني ذلك أن مشاهدة هذه الأعمال تنسي الواقع.
ويتفق عبد العزيز مع ذلك، مؤكدًا أن الجمهور السوري يبحث عن الترفيه والكوميديا، مستدلًا على ذلك بالرواج الذي تحققه الأعمال المعربة، إلى جانب متابعة الجمهور للأعمال الكوميدية المصرية والأفلام الأجنبية.
ويرى أن على الدراميين الانتباه إلى وجود طلب على هذه النوعية من الأعمال، معتبرًا أن الجمهور أُرهق إلى حد ما من مشاهدة النوعية نفسها وأصبح بحاجة إلى متنفس من الدراما السورية نفسها.
كيف يمكن تناول المرحلة دون تكرار؟
مع دخول الموسم المقبل مرحلة التصوير والتحضير، يبقى السؤال الأهم أمام صناع الدراما: إذا استمرت سنوات الثورة والحرب حاضرة في الأعمال، فكيف يمكن تقديمها من دون الوقوع في تكرار القصص نفسها.
الناقد الفني أنس فرج يعتبر أن الدراما يجب أن تلاحق الواقع والتغيرات والمشكلات الاجتماعية، مع البحث عن النقاط المشتركة والأرضيات التي تجمع السوريين، وإظهار التنوع بدل تعزيز الانقسامات والنعرات الطائفية.
كما شدد على ضرورة تنويع زوايا الطرح وعدم إعادة القصص نفسها بالوتيرة ووجهة النظر ذاتها.
الدراما يجب أن تلاحق الواقع، مع البحث عن النقاط المشتركة والأرضيات التي تجمع السوريين، بدل تعزيز الانقسامات.
أنس فرج
ناقد فني
أما الناقد الفني شارل عبد العزيز فيعتقد أن هناك الكثير من السرديات والقصص ووجهات النظر التي لم تكن تُطرح سابقًا، ولذلك يمكن تقديم هذه المواضيع من زوايا جديدة، والتركيز على الجانب الإنساني والشخصيات بدل نقل الأحداث مباشرة.
واستشهد بمسلسل “حمام القيشاني”، الذي تناول قصة حارة وسكانها وحياتهم، وفي الوقت نفسه عكس الأحداث السياسية والتاريخية التي كانت تجري في تلك المرحلة.
وبحسب عبد العزيز، فإن تعب الجمهور لا يعني أنه لم يعد يريد مشاهدة أعمال عن الثورة والحرب، وإنما تعب من تكرار الموضوعات نفسها، ومن انتقال ما يتابعه طوال العام في نشرات الأخبار إلى الدراما بالطريقة ذاتها.



