... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
37970 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7775 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

الدولة الاجتماعية: المنطلقات الفلسفية واسهامات العمل النقابي

العالم
مدار 21
2026/03/27 - 21:19 501 مشاهدة

مقدمة:

ترتبط الدولة الاجتماعية ارتباطا وثيق الصلة بالديمقراطية الاجتماعية، التي تتأسس على العدالة الاجتماعية، باعتبارها قيمة سياسية وأخلاقية كانت وما تزال طموحا لجميع الأمم والشعوب بالرغم من اختلاف نُظمها السياسية والاقتصادية. وتقتضي العدالة الاجتماعية أن تكون المساواة الاجتماعية متأصلة كثقافة مُؤَسَّسِية داخل مفاصل الدولة، وذلك عبر التوزيع المنصف للخيرات الاقتصادية، ذلك أن مهمة الدولة لم تعد تتحدد فقط في حفظ الأمن والاستقرار السياسي وتنظيم انتخابات دورية …، بل من واجبها الحرص على تلبية المتطلبات الاجتماعية للفئات الأكثر تضررا والأشد حاجة، ومحاربة الفوارق الاجتماعية ضمانا للسلم المجتمعي.

هذا، ويشير مفهوم الدولة الاجتماعية، إلى السلطات التي يقع على عاتقها تلبية الحاجيات الاجتماعية، وتقديم المساعدات للفئات المحتاجة، فضلا عن مسؤوليتها عن المخاطر المُستحدثة، بتوفير الحماية الاجتماعية والصحية وتقليص الفجوات والتوزيع المتساوي والمتوازي للثروات الاقتصادية. وقد برز للواجهة مطمح الدولة الاجتماعية، كأحد الرهانات الاستراتيجية التي أفرزتها التقلبات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن جائحة كوفيد 19، حيث تشكلت الرغبة الملحة لأغلب الدول، خاصة النامية لتعزيز شبكة الحماية الاجتماعية وتحسين العرض الصحي العمومي، على النحو الذي يجعلها تصمد في وجه هذه المخاطر ومواجهة آثارها السلبية، وذلك بتبني سياسات عمومية اجتماعية تركز على الحماية الاجتماعية والعدالة في الولوج إلى الخدمات الأساسية، بالشكل الذي يضمن استفادة مختلف الفئات المعوزة من ثمار التنمية.

بيد أن الحديث عن الدولة الاجتماعية، لا يستقيم إلا إذا تمت مقاربتها مقاربة شمولية غير اختزالية، بدءا بالتطرق إلى بعض الأعمال التأسيساتية التي أنجزها مفكرون أجانب من أمثال: جون راولز، أمارتيا صن، سيمور مارتن ليبست، ألكسيس دي طوكفيل وتوماس بيكيتي … حول موضوع الديمقراطية الاجتماعية، تمهيدا للحديث عن أدوار التنظيمات الموازية بما في ذلك النقابات المهنية، التي اضطلعت تاريخيا بدور لا يخلو من أهمية في مسيرة بناء الدولة الاجتماعية، لا سيما من خلال الوساطة التي قامت بها هذه الأخيرة، التي وُلدَت من رحم الاحتقانات المجتمعية والاجتماعية، والأزمات الاقتصادية، باعتبارها نقطة ارتكاز أساسية في العمل النقابي. إذا ما هي الروابط التي تجمع بين الديمقراطية الاجتماعية والدولة الاجتماعية؟ وما هي أهم المنطلقات الفكرية والفلسفية التي تم من خلالها التأسيس لمفهوم الدولة الاجتماعية؟ وأي دور تضطلع به النقابات المهنية في إرساء مرتكزات الدولة الاجتماعية؟

أولا: المنطلقات الفكرية والفلسفية للدولة الاجتماعية

يعتبر الفيلسوف جون راولز في طليعة المفكرين الذين ساهموا بنصيب كبير في التـأسيس الفكري والبناء الفلسفي لنظرية العدالة، على اعتبار أن غايتها الأولى هي ترتيب المؤسسات وفق منطق التعاون والسعي للملاءمة بين مبدأين متعارضين، لكنهما يعتبران عماد الديمقراطية هما :”الحرية والمساواة”. وأوضح كيف أن الليبرالية فَضَّلَت احترام الحريات على حساب المساواة، بينما قَيَّدَت الاشتراكية الحريات باسم المساواة، مما جعله ينادي بتأسيس وبناء العدالة باعتبارها إنصاف على مبادئ الحرية والديمقراطية، وذلك باعتبارهما المهمة الأولى للسلطات السياسية.

ويرى راولز بأن التشريعات حتى وإن كانت جيدة فلا بد من إصلاحها من حين لآخر، خاصة إذا كانت غير قادرة على تحقيق الديمقراطية الاجتماعية واحقاق المساواة، وهذه الفكرة تجد أساسها في أن القانون ليس عادل دائما، فهو شأنه شأن أي نسق إيديولوجي غير بريء بل يحمل في ثناياه تَوجُّهَات النخب التي تُشَرعه قصد الحفاظ على امتيازاتها، وهذا يتناقض مع العدالة الاجتماعية التي يجب أن لا تخضع للمقايضات السياسية أو للحسابات التفاضلية للنخب.

غير أن مدى جاهزية هذه النظرية “المثالية” التي نادى بها راولز للأجرأة الفعلية، كان هو نقطة الاختلاف بينه وبين أمارتيا صن، الذي عارض نظرية جون راولز بحجة أنه قدم لنا نموذجا مثاليا للعدالة الاجتماعية لسنا في حاجة إليه، بقدر حاجتنا للعدالة الحقيقية. لهذا لم يرغب أمارتيا صن أن يكون مؤلفه عن العدالة على غرار كتاب العدالة الذي ألبسه راولز ثوبا مثاليا، ذلك لأن قضية العدالة عند أمارتيا صن لا تستقيم إن لم تكن غايتها إجرائية. فإذا كانت نظرية راولز اتسمت بطابعها المثالي الذي جعله ينجح لحد كبير في الارتقاء بها لمستوى النظرية التي تَشَرَّبَ في سبيلها من مشارب فكرية متعددة استهوت كبار رموز الفلسفة المعاصرة أمثال يورغن هابرماس ومايكل ساندل، فإن أمارتيا صن استثمر نظرية جون راولز حول العدالة وقام بإعادة صياغتها صياغة فلسفية جديدة جعلتها ترتبط به وتُنسب إليه مع أنه ليس أول من قال بها.

فأمارتيا صن علاوة على كونه من جهابذة الفكر الاقتصادي، نجده انخرط في البحث عن متطلبات العدالة بمقاربة فكرية هادئة خصصها لنقد نظرية راولز مما مكنه من بلورة نظريته الخالصة حول العدالة الإجرائية، لكن أبحاث أمارتيا صن لم يكن الغرض منها هدم نظرية راولز أو تقويضها، بقدر ما كانت عبارة عن مساهمة أو مقاربة نقدية لمفهوم العدالة المثالي الذي أسسه راولز، من خلال سعيه الدؤوب لكشف الشوائب التي تعتريها، ذلك أن العدالة عند صن ليست مسألة تفكير فحسب، بل معادلة تقتضي أن تكون للمرء حاسة يشتم بها رائحة الظلم، لأن متطلبات العدالة تقتضي إعمال العقل في تحليل مسببات القهر وهو تصور يطابق رؤيته للتنمية باعتبارها توسيع خيارات الأفراد وتعزيز حقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية .

ومن جانب آخر، فإن الحديث عن الدولة الاجتماعية يقتضي توفير متطلباتها الاقتصادية التي تجعلها أمرا ممكنا، وفي مقدمتها تبني نموذج اقتصادي اجتماعي قادر على إنتاج الثروة، وخلق فرص العمل، ومحاربة كل أشكال عدم المساواة في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. وهنا يبرز اسم عالم الاقتصاد الفرنسي توماس بيكيتي، الذي وضع المنطلقات الفكرية التي تقوم عليها الدولة الاجتماعية، وفي مقدمتها القضاء على التفاوتات وعدم المساواة التي أفرزها النظام الرأسمالي واحقاق المساواة الفعلية، ذلك لأن الديمقراطية التمثيلية، بحسبه، ليست سوى أحد الأشكال غير المكتملة للمشاركة السياسية، وأن المساواة الفعلية تحتاج نظاما من الضرائب “التصاعدية” على الثروات الطائلة لتمويل الإنفاق العمومي على السياسات الاجتماعية.

وفي سياق حديثنا عن متطلبات الدولة الاجتماعية لا يمكن القفز على الأعمال التأسيساتية لسيمور مارتن ليبست، الذي عمل على الربط المنهجي بين المتطلبات الاقتصادية والديمقراطية، ذلك أنه كلما زادت مؤشرات الرفاهية الاقتصادية، زادت فرص تحقيق الديمقراطية المستقرة، وكلما انخفضت نسب الرفاهية الاقتصادية زادت احتمالية السقوط في الديمقراطية غير المستقرة. وهذه الخلاصة دفعته للتأكيد على العلاقة السببية بين المؤشرات الاقتصادية والديمقراطية.

من جانبه، يعتبر ألكسيس دي طوكڤيل من أوائل المفكرين الذين قاموا بدراسة أسس الديمقراطية في أمريكا باستحضار العامل الاجتماعي في تثبيت أسسها. يقول دي طوكڤيل :”إن ما شد انتباهي في أمريكا هو تساوي أفراد الشعب في أحوالهم الاجتماعية”، وأكد صراحة على ما لهذا التساوي في الأوضاع الاجتماعية من تأثير على الديمقراطية يتعدى في تأثيره تأثير القوانين، بل إنه اندهش من واقع المساواة هذا، واندهاشه منه جعله يصفه بكونه هبة من “مشيئة إلاهية مقدسة، وأن أية محاولة لتعطيل الديمقراطية تعد في هذه الحالة معاندة لإرادة الله”.

وعليه، فعدم تدخل الدولة لإحقاق الحقوق الاجتماعية يجعلها تصنف في خانة الدول “الفاشلة أو المنهارة”، التي تعاني بحسب الأمريكي وليام زارتمان من حالة عجز تجعلها غير قادرة على مواجهة المخاطر الداخلية والخارجية، علما بأن مدلول الدولة المنهارة اكتسب مؤشرات مستحدثة خلفتها الأزمة الاجتماعية التي أفرزتها جائحة كورونا، بسبب عدم قدرة بعض الدول على التدبير الفعال لمخلفاتها، خاصة تلك التي بدت عاجزة وغير قادرة على الصمود في وجه المخاطر الاقتصادية والاجتماعية الطارئة للجائحة ومواجهة آثارها السلبية على المجتمع.

ثانيا: اسهامات الفاعل النقابي في إرساء أسس الدولة الاجتماعية

في سياق الحديث عن الدولة الاجتماعية، تبرز أهمية الوساطة التي قامت بها النقابات العمالية، التي وُلدَت من رحم الاحتقانات الاجتماعية والأزمات الاقتصادية، التي شكلت نقطة ارتكاز في العمل والفعل النقابيين، حيث ساهمت هذه الاضطرابات والأزمات في بروز مواجهة دارت أطوارها بين أرباب العمل والأجراء الذين رفعوا شعار: “لسنا شيئا، فلنكن كل شيء”، بيد أن انتزاع الحقوق الاجتماعية والاقتصادية لم يتحقق إلا بعد مخاض شاق من النضالات النقابية.

لقد ارتبط العمل النقابي بالوعي العُمالي المتمثل في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأجراء. وقد أدرك كارل ماركس هذا الأمر عندما ربط نشأة النقابات العمالية ببداية وعي العمال وإدراكهم بأن دورهم في خدمة رأس المال سيصبح أكثر هشاشة بسبب زيادة ساعات العمل وتنمية ثروة أرباب العمل، حيث ستتولد عندهم القناعة بأن قوتهم تكمن في اتحادهم للضغط على أصحاب المصانع الذين يوظفون الطبقة الكادحة في زيادة رأسمالهم بأجر زهيد.

وتشكل اتفاقيات منظمة العمل الدولية ودستورها الصادر سنة 1919، الأساس المعياري لحق النقابات المهنية في الترافع من أجل العدالة الاجتماعية، وهو الدور الذي تمت ترجمته والتنصيص عليه بموجب الدساتير والتشريعات الوطنية. ولتحقيق هذه الغاية يبرز الحوار الاجتماعي ثلاثي الأطراف، كإحدى الآليات العملياتية لإجراء المفاوضة الجماعية بين مختلف الفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين. إذ بموجبه تم التأسيس لمشروعية مشاركة النقابات في جلسات المفاوضة الجماعية. وتعرف أدبيات منظمة العمل الدولية الحوار الاجتماعي بكونه:”كل أنواع التفاوض أو التشاور بين ممثلي الحكومات، والمنظمات المهنية لأرباب العمل، والمنظمات النقابية للأجراء”، كتحسين تشريعات العمل، وحق الأجراء في التغطية الاجتماعية والحفاظ على السلم الاجتماعي وتجنب كل ما من شأنه أن يخلق بؤرا للتوتر والاحتقان الاجتماعي.

لهذا شكلت الديمقراطية الاجتماعية داخل مقرات العمل محور اهتمام النقابات المهنية، التي سعت لتوفير فضاء مهني يساهم في خلق التوازن بين مصالح المشغلين ووجود تنظيمات تمثيلية لها من القوة ما يجعلها قادرة على ترجمة التمثيل النقابي لسلطة فعالة قادرة على ترجمة الدور الذي يُفترض أن تلعبه النقابات المهنية في تمثيل العمال والدفاع عن مطالبهم ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعية. وهذا الأمر يجد مبرراته في كون الديمقراطية لم تعد تقتصر على المؤشرات السياسية والتقنية فحسب، بل أضحت تقاس أيضا في بعض جوانبها بفِعلِيَّة تمتع المواطنين بحقوقهم الاجتماعية والاقتصادية في إطار سياسة التمكين الاقتصادي للفئات المستضعفة.

وبالتالي، فقياس منسوب الديمقراطية داخل بلد ما أصبح يتم وفق مقاربة شمولية غير اختزالية وغير تجزيئية، لأن القانون وحده، بحسب ميشيل كروزييه ليس كافيا لإحداث التغييرات المرجوة في المجتمع. وعليه، فإن التفكير في أسس الدولة الاجتماعية ينبغي أن لا ينصب على الجوانب الدستورية والسياسية فقط، بل لا بد من إعطاء المؤشرات غير القانونية الأهمية التي تستحقها، خاصة الديمقراطية الاجتماعية، لأن العديد من المجالات الاجتماعية تتعثر فيها التدابير القانونية والسياسية مما جعلها تفقد مراميها بعد أن أصبحت عاجزة عن القضاء على التفاوتات.

فإذا كانت اتفاقية مونتيفيديو لحقوق وواجبات الدول لعام 1933 وضعت عدة معايير وشروط لتكون الدولة شخصا من أشخاص القانون الدولي، ومن ضمنها التوفر على حكومة “البند 3 المادة 1″، فإن هذا الشرط ليس القصد منه التواجد الشكلي للحكومة، بل لا بد أن يكون لها تواجد فعال يمنحها القدرة على ممارسة السلطة التنفيذية، بالشكل الذي يجعلها قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للأفراد الاجتماعية والاقتصادية، باعتبارها أساس كرامتهم ووجودهم.

وبالنسبة للتجربة المغربية، نجد بأن المشهد النقابي المغربي يضم العديد من المركزيات النقابية منها ما هو تابع لأحزاب سياسية وأخرى مستقلة، وقد حدد الدستور وباقي النصوص القانونية المهام الاجتماعية والاقتصادية للنقابات المهنية. وإذا كانت الأخيرة في مغرب اليوم أمرا مسلما به وضرورة لابد منها للدفاع عن حقوق الأجراء، فإن الأمر لم يَكُن كذلك قبل سنة 1955، ذلك أن السلطات الاستعمارية كانت تمنع المغاربة من ممارسة الحق النقابي ورفضت أن تعترف بتأسيسها، لأنها كانت ترى فيها أداة من أدوات النضال الاجتماعي والسياسي والتحرر من التبعية السياسية والاقتصادية للمستعمر، لهذا كان يُسمح للفرنسيين فقط بالعمل داخل المركزية النقابية الكونفدرالية العامة للشغل، ولم يتم السماح للمغاربة بممارسة هذا الحق إلا لاحقا.

وبعد حصول المغرب على استقلاله، صدر ظهير 16 يوليوز 1957 الذي أقر الحق النقابي للعمال والمشغلين المغاربة، كما صدر ظهير 15 نونبر 1958 الذي ينظم حق تأسيس الجمعيات، بما فيها إمكانية تأسيس جمعيات مهنية. وبعد ذلك عرف المشهد النقابي ميلاد وظهور تنظيمات نقابية جديدة، وقد تأسس فعلا عدد كبير من التنظيمات النقابية والجمعوية التي ساهمت في دعم الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للأجراء والمهنيين والمجتمع المدني. وتعتبر مرحلة التسعينات محطة مُؤَسِّسَة لبداية شيوع ثقافة الحوار الاجتماعي، والتي تم تدشينها فعليا بإعلان التصريح المشترك في فاتح غشت 1996، والذي نص على الحريات النقابية، والحماية الاجتماعية، وتحسين الدخل والأجور، وبعده انطلقت جولات الحوار الاجتماعي ثلاثي الأطراف.

وبالرجوع لحصيلة الحوار الاجتماعي ثلاثي الأطراف منذ 1996 حتى 22 أبريل 2025 نجد أن التجربة المغربية أفرزت ثمان حوارات اجتماعية مركزية ثلاثية الأطراف: اتفاق فاتح غشت 1996؛ اتفاق 23 أبريل 2000؛ اتفاق 30 أبريل 2003؛ اتفاق 26 أبريل 2011؛ اتفاق 25 أبريل 2019؛ اتفاق 30 أبريل 2022؛ اتفاق 29 أبريل 2024، ثم اتفاق 22 أبريل 2025.

وبخصوص كل الحوارات الاجتماعية منذ 1996 حتى 22 أبريل 2025، فقد شكل مطلب الزيادة العامة في الأجور، وإخراج التشريعات الاجتماعية لحيز الوجود، خاصة القانون التنظيمي للإضراب، الذي صدر مؤخرا بالجريدة الرسمية عدد 7389 بتاريخ (24 مارس 2025)، بعد قرار المحكمة الدستورية رقـم 251/25، بتاريخ 12 مارس 2025، وتبني مدونة للشغل، واحترام الحريات النقابية، والمصادقة على الاتفاقية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية وبحق التنظيم القاسم المشترك بينها، غير أن حدود التفاعل الحكومي مع هذه المطالب اختلف من حكومة لأخرى. وهذا الاختلاف في التجاوب مع الملفات المطلبية للمركزيات النقابية أملته عدة اعتبارات فرضتها السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي طُرح فيها. أما بخصوص الجهة المشرفة عليه، فقد شكلت سنة 2011 بداية للتحول الفعلي في الإشراف الحكومي، وذلك بجعل سلطة الإشراف عليه تحت المسؤولية المباشرة للوزير الأول سابقا، كما حدث سابقا بالنسبة لـ (اتفاق 26 أبريل 2011)، أو رئيس الحكومة حاليا بالنسبة لـ (اتفاق 25 أبريل 2019، اتفاق 30 أبريل 2022، اتفاق 29 أبريل 2024، ثم أخيرا (اتفاق 22 أبريل 2025).

وقبل سنة 2011، كانت ممارسة الحوار الاجتماعي غير منتظمة، كما كانت تشرف عليها بعض القطاعات الوزارية، كالسلطة الحكومية المكلفة بالداخلية (اتفاق غشت 1996)، أو السلطة الحكومية المكلفة بالتنمية الاجتماعية (اتفاق 23 أبريل 2000)، وأحيانا تمت بشكل مشترك بين السلطات الحكومية المكلفة بالداخلية والسلطة الحكومية المكلفة بتحديث القطاعات العامة والسلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية والشباب (اتفاق 30 أبريل 2003)، أما من حيث التجاوب مع بعض المطالب، سيما المتعلقة بالزيادة العامة في الأجور بالقطاعين العام والخاص، باعتبارها المطلب الذي يحظى باهتمام الموظفين والأجراء، فقد لوحظ أن هناك تحسن ملحوظ مقارنة مع السابق وهو أمر فرضته الرغبة في مواكبة التحولات الاقتصادية والمجتمعية، كالزيادات المتتالية في أسعار المواد الأساسية التي لها ارتباط بالمعيش اليومي للمواطن.

بيد أن ما يلاحظ على مخرجات الحوار الاجتماعي، هو كونها تأتي دوما في سياق اقتصادي يتميز بالزيادة المتتالية في أسعار الغذائية الأساسية، وهذا الأمر تكشفه الاحصائيات الرسمية، مثلا فقد عرفت سنة 2025 زيادة بنسبة 3,7%، في أسعار المواد الغذائية، وأسعار المنتجات غير الغذائية بنسبة 1,1%، حيث تمس هذه الزيادات التي تبقى مدفوعة بشكل أساسي بارتفاع أسعار الطاقة، ثمن المواد الغذائية التي تعتبر ضرورية للمعيش اليومي للفرد، وهذا الأمر ساهم في تسريع ارتفاع معدل التضخم إلى 2,2 % خلال الفصل الأول من سنة 2025.

 كما أن مخرجات الحوار الاجتماعي، تأتي خالية من أية تدابير موازية تحمي الفئات التي لا تتوفر على أجر منتظم ولا تنتمي للوظيفة العمومية أو القطاع الخاص، كالأرامل وكبار السن وذوي الإعاقات، والعاطلون…، وهذه الإشكالية كشف بعض من جوانبها تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي سنة 2024، الذي رسم صورة مقلقة عن مشكلة إدماج الشباب في سوق الشغل، إذ حوالي 70.4% منهم يعاني من بطالة طويلة الأمد تمتد أكثر من سنة، في حين تبلغ بطالة النساء 19.4%، كما أن 33.5% منهن بدون عمل، أما في القطاع الخاص 58.9% منهن يتقاضين أجرا دون الحد الأدنى مما جعل تمثيليتهن ضعيفة في النسيج الاقتصادي.

ختاما:

تاريخيا لقد ارتبط الفعل النقابي بثقافة المواجهة مع السلطة السياسية، ذلك أن الميدان الاقتصادي يشكل المجال الرئيسي والأساسي للنشاط السياسي، وهذا ما يفسر ميل العديد من القادة السياسيين لاستغلال العمل النقابي بتجنيد العمال عبر الدعم السياسي الذي يُقدموه لمطالبهم الاجتماعية والاقتصادية، مما ساهم في طمس الحدود الفاصلة بين المجال المهني “مجال الفعل النقابي” والمجال السياسي “مجال الفعل السياسي”، بالشكل الذي أدى لتوسيع دائرة تسييس النشاط النقابي، الذي بموجبه يجد أمر لا سياسي نفسه ضمن خانة الأمور والقضايا السياسية.

فإذا كان العمل النقابي يندرج في إطار الصراع المجتمعي العام من أجل احترام الحقوق والحريات الاقتصادية والاجتماعية، فإنه وهو في مسعاه للدفاع عن متطلبات الدولة الاجتماعية، قد يلتقي إراديا أو ومن حيث لا يدري مع الفعل السياسي للأحزاب السياسية، التي ترفع مطلب مجتمع العدالة الاجتماعية والديمقراطية الاجتماعية، مما جعل نضالات القوى النقابية المغربية تسقط في أحضان العمل الحزبي الذي أفقدها أحيانا الاستقلالية التنظيمية والذاتية.

بحيث تحولت بعض المركزيات النقابية لأداة بيد بعض الأحزاب توظفها متى شاءت للضغط على الحكومة، مما ساهم في تشكل مشهد نقابي هجين يفتقد للصلابة والمناعة التي تجعله يقف صامدا مستقلا في مواجهة إغراءات وامتيازات العمل السياسي، إكراهات موضوعية تنضاف لمشكلة خُلود الزعامات والمشاكل التنظيمية التي تتخبط فيها بعض المركزيات النقابية كالصراع على الزعامة، كانت سببا مباشرا في فقدان الثقة في العمل النقابي، إذ تؤكد احصائيات نشرتها المندوبية السامية للتخطيط، أن نسبة الانتماء والانخراط النقابيين لا تتجاوز (4,0%) على الصعيد الوطني مسجلة تراجعا عن سنة 2023 حيث كانت محددة في (4,7%).

إن هذا النفور من الانخراط في العمل النقابي إما بشكل طوعي أو بفعل تقاعس النقابات، كانت له نتائج عكسية في عدة مناسبات وجدت الدولة نفسها في مواجهة مباشرة مع بؤر الاحتقان الاجتماعي، التي دعت إليها تنسيقيات افتراضية متنوعة إيديولوجيا وفكريا، وترفض أي تأطير نقابي لسلوكها الاحتجاجي، بل حتى بعض الحوارات التي أجرتها بعض القطاعات الحكومية مع ممثلين نقابين، قُوبلت بالرفض من قبل الفئات المعنية (كقطاع التعليم والصحة).

والحالة هذه فإنه لا يمكن للنقابات المغربية، أن تحمل رهان الدولة الاجتماعية، وهي تعاني قصورا تنظيميا وذاتيا، جعلها تابعة تبعية مطلقة لبعض الأحزاب السياسية، ذلك لأن هناك علاقة وطيدة بين تحقيق العدالة الاجتماعية ووجود نقابات تتمتع بمناعة كافية، كما لا يمكن للنقابات المهنية أن تطمح لتطوير المجتمع وإصلاح المؤسسات وهي ذاتها في حاجة لإصلاح هيكلي، وهذه الفرضية تزكيها نسب تدني الانتماء النقابي في صفوف الأجراء والموظفين.

أستاذ علم السياسة بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة.

ظهرت المقالة الدولة الاجتماعية: المنطلقات الفلسفية واسهامات العمل النقابي أولاً على مدار21.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤