الدبلوماسية الصينية مقابل نظيرتها الأمريكية في سياق الحرب على إيران
لمى قنوت
في 1 من نيسان الحالي، كتبت مجلة “الإيكونوميست” على غلافها، وبجانب صورتي الرئيسين، الأمريكي دونالد ترامب، والصيني شي جين بينغ، مقولة مفادها “لا تقاطع (حديث أو عمل) عدوك عندما يرتكب خطأ”، كإطار تفسيري لرؤية الصين تجاه الحرب التي شنتها كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران، فالحرب التي وصفها ترامب في بدايتها بـ”النزهة القصيرة” هي خطأ تاريخي ستسرع من انحدار واشنطن، بينما ستوفر للصين فرصة استراتيجية، بحسب المجلة.
بعد مرور أكثر من شهر على هذه الحرب، فإن الصورة التي كرسها ترامب وإدارته بالمقارنة مع السياسة الصينية، أظهرت نمطين مختلفين في إدارة القوة، حيث دعمت الصين بدبلوماسية هادئة مع باكستان، وجهود دول أخرى، مبادرة من خمس نقاط بداية نيسان الحالي، كوقف إطلاق النار، وعودة حرية الملاحة في مضيق “هرمز”، والدعوة للحوار بين واشنطن وطهران. ومارست حق النقض في مجلس الأمن، مع روسيا، ضد قرار قدمته البحرين يجيز استخدام القوة في مضيق “هرمز” والخليج وخليج عمان لضمان المرور ومنع التدخل في الملاحة الدولية، بعد أن عدلت مسودته الأولى التي كانت تحت الفصل السابع، إلى نسخة، أدرجت فيها إمكانية استخدام “جميع الوسائل اللازمة“، والتي سعت فيها كل من الصين وروسيا، حليفتي إيران، إلى كبح جماح التصعيد العسكري، وبحسب السفير الصيني فو كونغ، فإن مشروع القرار فشل في التقاط الأسباب الجذرية للصراع، وتقديم رؤية شاملة متوازنة.
بالمقابل، فإن ترامب ورط المنطقة والاقتصاد العالمي في حرب أرادها نتنياهو، وعبّر عنها رئيس الكيان، إسحاق هريتسوغ، بأن هدفها ليس تغيير النظام الإيراني وحسب، وإنما تغير كامل في منطقة الشرق الأوسط، وهو هدف يتسق أيضًا مع نهم نتنياهو وحكومته لحروب لا تنتهي، ورغبة شاملة في تدمير إيران، وإيذاء دول مجلس التعاون الخليجي، واحتلال المزيد من الأراضي في لبنان وسوريا. وقد تطال حروب إسرائيل التي لا تنتهي تركيا لاحقًا، كما عبّر عن ذلك عدد من قادة الكيان في سلسلة تصريحات، كرئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت، بأن “تركيا هي إيران الجديدة” باعتبارها “تهديدًا استراتيجيًا” لهم، وخاصة بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، بالإضافة إلى رغبة نتنياهو بتأسيس محور يواجه “المحور الشيعي المتداعي والمحور السني الآخذ بالتشكل”.
تدفع الأبعاد التوسعية لإسرائيل، وسعيها المتواصل للهيمنة، الحكومة التركية إلى المزيد من العسكرة تحت شعار الردع، فهي تدرك مخاطر السياسة الإسرائيلية التي عبّر عنها وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، بأن “إسرائيل تجر المنطقة إلى داخل لعبة تديرها وتتحكم بها”، ما دفع تركيا إلى تعزيز دفاعاتها الجوية، والسعي لبناء نظام دفاعي صارخي أطلقت عليه “القبة الفولاذية” على غرار “القبة الحديدية” الإسرائيلية.
وبينما تسعى الصين لتعزيز حضورها على الساحة الدولية، وتدعم حليفتها إيران، لا ينكفئ ترامب عن مهاجمة حلفائه والتنمر على قادتهم مثل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ويستخدم تعابير مبتذلة في خطابه ومنشوراته على صفحته عبر منصة “تروث سوشال”، كمنشوره الذي طالب فيه الإيرانيين بفتح مضيق “هرمز”.
ويتسق خطاب ترامب في نزع الأنسنة عن الإيرانيين، والقول بأنهم “ليسوا بشرًا” و”حيوانات” مع التهديد الإبادي لإيران بإعادتها إلى “العصر الحجري” و”محو حضارتها”، مع التبرير الاستعماري الذي سبق واستخدمه قادة إسرائيل مع الفلسطينيين بعد “7 من أكتوبر” لتسويق حرب الإبادة على قطاع غزة، والتطهير العرقي في الضفة. وفي واقع الحال، لقد قام الحليفان، ترامب ونتنياهو، بترجمة التهديدات الإبادية فعليًا عبر تدمير الاقتصاد والبنى التحتية المدنية، ومنها منشآت طبية وتعليمية، كعقاب جماعي شامل، يفكك قدرة الدولة على القيام بدورها، ويطمس الحد الفاصل بين ما هو عسكري ومدني لتسويق تدميره، كإعادة تعريف أكبر جسر مدني في إيران، يربط بين طهران والكرك، كهدف عسكري.
وفي إطار العلاقات الدولية، فقد أعاد ترامب صياغة علاقته مع حلفاء واشنطن، من التزامات إلى صفقات مشروطة، ورسخ دور واشنطن كفاعل انتقائي أعاد تسعير الأمن والنفوذ، وتوزيع الأعباء بشكل أحادي، الأمر أدى إلى فقدان ثقة بعض حلفاء الأمس بواشنطن، والبحث عن خيارات بديلة.
ويعد تصريح ترامب التالي نموذجًا لخطابه مع الدول التي رفضت الانخراط معه في هذه الحرب: “الدول التي لا تستطيع الحصول على وقود الطائرات بسبب مضيق هرمز، مثل المملكة المتحدة، والتي رفضت الانخراط في قطع رأس إيران” عليها “أولًا، اشتروا من الولايات المتحدة، فلدينا الكثير. وثانيًا، تحلّوا بشيء من الشجاعة المتأخرة، واذهبوا إلى المضيق، وانتزعوه ببساطة. سيتعين عليكم أن تبدؤوا تعلّم كيف تقاتلون دفاعًا عن أنفسكم. الولايات المتحدة لن تكون هناك لمساعدتكم بعد الآن، تمامًا كما أنكم لم تكونوا هناك لمساعدتنا. لقد جرى، عمليًا، تدمير إيران. والجزء الأصعب قد أُنجز. اذهبوا واحصلوا على نفطكم بأنفسكم”.
وهو نموذج تبسيطي لخطاب استعماري شعبوي، واستغلال لتداعيات الحرب التي أشعلها وحليفه للترويج لصادرات الطاقة الأمريكية، واستثمار الأزمات الجيوسياسية كسوق تجارية، ودعوة لانتزاع المضيق كفعل إمبريالي مباشر، بدل الدبلوماسية والحوار، في حين أن ترامب أبدى سعادته مع فكرة إنشاء “مشروع مشترك” بين الولايات المتحدة وإيران يضمن فرض رسوم عبور للمرور عبر مضيق “هرمز” قائلًا، إنه “أمر جميل” وذلك بعد إعلانه عن هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين.
يواجه ترامب وإدارته مأزقًا استراتيجيًا في حربهم ضد إيران، فجميع السيناريوهات المطروحة، كالتي نشرتها “THE ATLANTIC” في نهاية آذار الماضي، لا توفر له مخرجًا منخفض التكلفة، وخاصة مع زوال أوهام إسقاط النظام بعد “قطع الرأس”، فهذه الحرب التي تجنبها رؤساء سابقون للولايات المتحدة، يخوضها اليوم ترامب وإسرائيل، وهي حرب غطرسة هوجاء تتسبب بأكبر صدمة طاقة في التاريخ، وتسهم في إنتاج كوارث إنسانية وبيئية ومناخية آنية وطويلة الأمد.





