مثّلت اللحظة التي كنا نجتاز فيها الطريق نحو الدار البيضاء، عتبة خفية لا يراها العابر، لكنها تفصل بين زمنين اثنين: زمنٌ عشتُ فيه محفوفا بإيقاع القرية الهادئ ودفء المدينة الصغيرة التي تعلمت فيها دروسي الأولى، وزمن آخر ظلّ، إلى تلك اللحظة بالذات، مجرد أصداء حكايات متناثرة، تُروى فتترك في مخيلتي صورا مبهمة عن مدينة لم أطأ ترابها قط. كانت الدار البيضاء بالنسبة إليّ، مجرد اسمٍ يتردد في الأحاديث، ووعد غامضٍ بعالم آخر، وقد أوشكت الآن أن تتحول، في غضون ساعات، من خيالٍ بعيد إلى واقعٍ أعيشه بكل حواسي. شعرت أنني أمضي نحو عالم شاسعٍ، ومختلف في كل شيء عما ألفتُ: في ضجيجه، وفي إيقاعه، وفي ملامح الوجوه التي ستملأ أيامي القادمة.
وصلت إليها في ذات صباح. شعرت لأول وهلة، أن اليوم هنا لا يبدأ بهدوء. يستيقظ الناس في وقت مبكر، وتضج الحركة بالمدينة. يتدافع الجميع في اتجاهات متعددة. لما نزلت من حافلة “كاطلا” العابرة بين المدن، وجدت نفسي وسط عالم مغاير. تتلاحق السيارات في الشوارع، وتتوقف الحافلات الحضرية الكبيرة لحظات قصيرة لتفتح أبوابها، فيصعد إليها بعض الناس وينزل آخرون، ثم تنطلق من جديد قبل أن يستقر الركاب في أماكنهم. تشق سيارات الأجرة طريقها بين العربات، فيما تتعالى أصوات الأبواق من كل جانب، وتختلط بها أصوات الباعة والمارة، حتى بدا لي أن المدينة كلها تتحدث في وقت واحد، لكن بلغة استطعت فهم بعض أجزائها المتناثرة فقط.
وقفتُ على الرصيف، أشدّ قبضتي على حقيبتي كأنها كنزٌ يُخشى عليه من عابري السبيل. كانت وصايا الأهل لا تزال ترنّ في أذني: “احترس، فالمدينة لا ترحم الغرباء، وثمة من يتربصون بكل قادمٍ تبدو عليه ملامح الدهشة والحيرة، يقرؤون في عينيه أنه من بلدٍ آخر، فيسارعون إليه كما يسارع الذئب إلى فريسته الوحيدة”. وأخذتُ أتأمل ما حولي في صمتٍ مشوبٍ بالترقب، تجول عيناي بين الوجوه والجدران، ويخفق قلبي بين إحساسين متناقضين: انبهار بهذا العالم الجديد الصاخب، وخوف خفيّ من أن أُبتلع في زحامه دون أن يلحظني أحد. كان أول ما شد انتباهي هو اتساع المكان وكثرة الناس.
شعرت، للمرة الأولى في تلك اللحظة، بأنني بعيد عن هذا العالم.
أقف وحدي هنا، وسط هذا الزحام الهادر، بين وجوه عابرة.
ترافقني الغربة كظل ملازم، تسكن خطواتي وتهمس في أذني.
تمر ملامح الناس من حولي كلها غامضة، تعبر بسرعة كسحابة صيفية.
تعلو حولي أصوات كثيرة، لكنها أصوات غير مألوفة لديّ، تحمل أسماء سواي، ونداءات تخصّ غيري.
أصغي بلهفة إلى صوت معروف، فأجد فقط صدى الزحام وضجيج الغرباء.
كنت أحاول أن أخفي ارتباكي، بينما يمضي كل من حولي في طريقه بثقة. يعرفون أين يذهبون، وأي حافلة يركبون، وأين ينزلون، أما أنا فكنت أحاول فقط أن أفهم هذا الإيقاع الجديد وأن أجد لنفسي مكانا داخله.
صعدتُ الحافلة بخطوات مترددة. دفعتُ جسدي إلى الداخل. التفتُّ حولي سريعا. لمحتُ مقعدا قرب النافذة. جلستُ عليه، كأنني أحجز مقعدا في مسرح واسع، فضاؤه المدينة، وأنا المتفرج الذي ينتظر بداية العرض. تحركت الحافلة. وانسابت الدار البيضاء أمام عيني دفعة واحدة. انظر من النافذة فأرى المدينة تمر مسرعة. تتبدل ملامحها في كل لحظة. ظهرت المحلات واختفت. امتلأت الأرصفة بالمارة. خرج رواد المقاهي إلى الشوارع. ارتفعت العمارات في الأفق. اتسعت الطرق ثم ضاقت. اندفعت السيارات في سباق لا ينتهي. أضاءت إشارات المرور ثم انطفأت. تسللت الدراجات بين العربات بخفة. ومضى الناس في كل اتجاه، كأن لكل واحد منهم موعدا غير قابل للتأجيل.
حاولتُ أن أحتفظ بصورة واحدة في ذهني. لم أستطع. كلما استقرت عيناي على مشهد، ابتلعته الحركة. وكلما هممتُ بفهم شيء، ظهر غيره. بدت المدينة أسرع من دهشتي، وأوسع من قدرتي على الاستيعاب. أسندتُ رأسي إلى زجاج النافذة. وتركتُ بصري يلاحق الشوارع.
عندها فتحت الذاكرة بابها بهدوء. حضرت مدينتي الصغيرة دون استئذان. بدت أقرب إليّ من كل ما أراه، رغم أنني فارقتها منذ ساعات فقط.
تذكرت شوارعها الهادئة. استحضرت البيوت المتجاورة كأنها تتعانق. استرجعت تفاصيل الطريق إلى المدرسة.
أما هنا، فكل شيء كان يظهر أمامي لأول مرة. بما في ذلك الطريق الذي تسلكه الحافلة التي تقودني إلى الثانوية.
ظللت أفكر في ذلك وأنا أقترب من وجهتي. شعرت بحماس يدفعني إلى الأمام. وشعرت بخوف يشدني إلى الخلف. تنازعني الإحساسان في صمت. كنت أعرف أنني جئت لأواصل دراستي الثانوية. لأبحث عن باب جديد للحياة. حملت في حقيبتي الكتب والدفاتر، وحملت في داخلي رغبة في التعلم، وفي اكتشاف العالم الذي ظل بعيدا عني، أسمع عنه دون أن أعرفه.
توقفت الحافلة أخيرا. نزلت منها بحذر.
وقفت لحظة أستعيد أنفاسي. لمحني أحد التلاميذ. ابتسم ابتسامة سريعة. مضى في طريقه. فهمت ابتسامته دون كلمات. كأنها تقول: هكذا يبدأ اليوم الأول دائما.
رفعت بصري إلى بوابة الثانوية. بدت عالية وثابتة. كانت الساحة تضج بالحركة. دخل التلاميذ جماعات صغيرة. تبادلوا الضحكات والأحاديث. نادى بعضهم بعضا بأسماء وألقاب يعرفونها. سار القدامى بثقة من اعتاد المكان. أما القادمون الجدد، فوقفوا هنا وهناك. راحوا يفتشون في الوجوه عن صديق يبدد وحشة البداية.
لمحت بين ذلك الزحام، بعض زملائي الذين درسوا معي في ثانوية ابن ياسين بخريبكة، واختاروا التوجيه نفسه. اقتربنا من بعضنا تلقائيا. تبادلنا كلمات قليلة. كانت كافية لتبدد شيئا من شعور الغربة، وتمنحني الطمأنينة.
وقفت أمام البوابة مرة أخرى. شعرت أنها تمثل بالنسبة إليّ حدا يفصل بين مرحلتين من حياتي. بقيت مدينتي الصغيرة خلفي، بكل ما فيها من ألفة وذكريات. وتلتها دهشتي الأولى أمام الدار البيضاء. وامتد أمامي عالم جديد، ثانوية الاستقبال.
شددت على مقبض حقيبتي. ألقيت نظرة أخيرة إلى الساحة من حولي. ثم تقدمت بخطوات هادئة. دخلت.
فتح لي عبور البوابة صفحة جديدة من حياتي. ستمنحني هذه الثانوية، إلى جانب ما سأتعلمه في الفصول، تجارب وصداقات وذكريات ستظل ترافقني سنوات طويلة. سأكتشف داخل أسوارها عالما آخر، أكثر تنوعا واتساعا، وسألتقي فيها بتلاميذ جاؤوا، مثلما أتيت أنا، من أماكن مختلفة، وحمل كل واحد منهم حكايته الخاصة إلى هذا المكان.
قدمت إلى الدار البيضاء لأتابع دراستي، دون أن أدرك أنني سأتعلم فيها كيف أخرج من حدود عالمي الصغير، وأرى العالم بأعين مختلفة، وأجد لنفسي مكانا في مدينة كبيرة، وفي مدرسة حجمها صغير، لكنها تختلف عن تلك التي تركتها ورائي.
سلمني الموظف في الإدارة ورقة، ثم أرشدني إلى القسم الداخلي. سرير. خزانة. رقم. كان ذلك كل ما أملك الآن.
يضمّ المرقد صفّين من الأسرّة ذات طابقين، تتراصّ في صمت. ومنذ اللحظة التي وطئت فيها قدمي أرض المكان، وقع بصري على الحقائب مفتوحة، والملابس متناثرة، بينما كان أصحابها منهمكين في محاولة صامتة لترتيب فوضاهم، وكأنهم يخشون أن يوقظوا بحركاتهم سكونا هشا يخيّم على المكان. تبادلنا نظرات سريعة، ثم عاد كل واحد إلى ما يقوم به. يسود الصمت المكان. تبدو مظاهر الدهشة واضحة على الجميع.
أطفئت الأنوار فجأة في الليل. عم الظلام، وفتح المجال لعالم آخر. بدأ أحدهم يشخر، آخر يتقلب، وثالث يهمس بكلمات غير مفهومة. بقيت مستيقظا. أحدق في السقف. أبيض، صامت، بعيد. اشتقت لليل قريتي.
هناك، كان الظلام يحتويني. هنا، يضغط علي.
بدأت الأيام تتشكل وفق نظام صارم. يقطع جرس الاستيقاظ النوم بلا رحمة. يتم الخضوع لنظام الصفوف، والوجبات، والحصص، في أوقات محددة. لا يحق لأحد أن يرتبك، أو يتأخر. حاولت أن أندمج، أن أتماشى مع هذا النسق، لكنني كنت أتعثر في بعض التفاصيل الصغيرة.
أنسى، أتردد، أراقب.
جلست في مكاني داخل القسم، كنت أتابع، أدون. أرفع رأسي أحيانا. أرى زملاء يجيبون بثقة، يناقشون، يضحكون. كلماتهم تخرج بسهولة. أما أنا، فكنت أختبر كل جملة قبل أن أنطقها… وغالبا أحتفظ بها.
في الساحة، بدأ الجليد يذوب ببطء. تعرفت عليهم واحدا واحدا. جاءوا من مدن بعيدة، من قرى أشبه بقريتي، من أماكن لم أسمع بها من قبل. كنا نتقاسم الخبز والنكات والصمت. في بعض اللحظات، كنا نبدو كأننا نعرف بعضنا منذ زمن. وفي لحظات أخرى، يعود كل واحد إلى وحدته دون سبب واضح. صرت أستمع أكثر مما أتكلم. فتحت قصصهم نوافذ في داخلي، لكنها أيضا تركت أسئلة معلقة. شعرت أنني أتغير… دون أن أعرف في أي اتجاه.
قررت التوجه إلى المدينة وحدي، في أول فرصة للخروج. مشيت بلا هدف. تمتد الشوارع بلا نهاية، وترتفع المباني كأنها لا ترى الأرض. توقفت أمام واجهات محلات تجارية، تأملت وجوها تمر دون أن تتوقف. كل شيء هنا مؤقت… وسريع.
دخلت مكتبة صدفة. بمجرد أن أغلقت الباب خلفي، خف الضجيج. الهواء مختلف. تملأ رائحة الورق المكان. تقدمت ببطء بين الرفوف. اصطفت أمامي عناوين كثيرة. مددت يدي إلى كتاب. قلبت صفحاته.
كانت الكلمات واضحة. من هنا ستنطلق الرغبة في البحث.
جلست في مقهى قريب بعد ذلك. طلبت شايا. وضعت الكأس أمامي، وتركت البخار يتصاعد. لاحظت حولي طلابا يتحدثون بحماس. نقاشات عن السياسة، عن الفكر، عن أشياء كانت بعيدة من عالمي السابق. يتكلمون بثقة، كأنهم يملكون مفاتيح الفهم. أصغيت طويلا. شعرت بأنني قريب… وبعيد في الوقت نفسه.
هل يمكن أن أكون واحدا منهم؟ أم أنني أحاول فقط أن أهرب مما كنت عليه؟
عدت إلى الداخلية مع بداية الغروب. كان الضوء ينكسر على الجدران، يترك ظلالا طويلة. جلست على الدرج. أراقب حركة الدخول دون أن أفكر.
تذكرت البيت. استرجعت الطريق. خطرت ببالي الوجوه التي تعرفني. ثم نظرت حولي. بدأت أءلف المكان الجديد، بأصواته، ووجوهه.
بدا في الأيام الأولى، كل شيء غريبا، حتى الأشياء البسيطة تثير في النفس شعورا بالغرابة؛ السرير الذي أنام عليه، والخزانة التي أضع فيها ملابسي، والأجراس التي تعلن بداية كل مرحلة من مراحل اليوم، والممرات الطويلة التي تعبرها عشرات الأقدام، والوجوه الكثيرة التي تمر أمامي دون أن أعرف أسماء أصحابها أو شيئا عن حكاياتهم. كنت أعيش بينهم، لكنني دون أن أشعر في البداية أنني واحد منهم.
شكلت داخلية ثانوية الإمام مالك عالما قائما بذاته، له نظامه الخاص وإيقاعه اليومي وقوانينه التي تحكم تفاصيل الحياة الصغيرة والكبيرة.
كان علينا أن نتعلم منذ الأيام الأولى أن لكل شيء وقته ومكانه؛ للاستيقاظ موعد، وللدراسة موعد، وللوجبات أوقات محددة، وللراحة حدود لا ينبغي تجاوزها، وحتى أوقات الفراغ كانت تخضع لنظام واضح يجعل الحياة داخل المؤسسة تسير في انتظام لا يسمح بالفوضى.
يعد ترتيب الفراش جزءا من ذلك النظام اليومي الذي لا يسمح بالإهمال. نقوم بترتيب أسرّتنا كل صباح، نطوي أغطيتنا بعناية، ونضع ملابسنا وأغراضنا في أماكنها، حتى بدا لنا، مع مرور الوقت، أن ترتيب السرير يعد عملا نؤديه كل يوم، ودرسا صامتا في الانضباط وتحمل المسؤولية واحترام المكان الذي نعيش فيه.
وحظيت النظافة بالعناية نفسها، تخضع الممرات والقاعات والمرافق للمراقبة والتنظيف باستمرار. وكان مطلوبا منا أن نساهم في الحفاظ على نظافة الفضاء الذي نتقاسم العيش فيه، حتى بدأنا نفهم، أن الحياة في الداخلية، تجربة تعلمنا كيف نعيش مع الآخرين، وكيف نحترم المكان، وكيف ندرك أن راحتنا الشخصية، تساهم في راحة الجماعة.
يخضع الطعام بدوره لنظام دقيق. تقدم الوجبات في أوقات محددة، وفي قاعة مخصصة لذلك، ضمن شروط من التنظيم والنظافة والعناية بالتغذية. ترتب الموائد بعناية، وتقدم الوجبات بطريقة تراعي التوازن الغذائي والسلامة الصحية، فنلتقي حولها في مجموعات، ونتناول طعامنا في جو من الانضباط الذي سرعان ما كان يتحول إلى لحظات من الألفة والحديث والضحك.
بدأت المسافات تضيق بيننا حينما نجتمع حول موائد الأكل؛ يحدث أحدنا الآخرين عن مدينته، ويتحدث آخر عن قريته، ويحكي ثالث عن موقف طريف وقع له في القسم، فنضحك جميعا، ثم نواصل حديثنا وكأننا نعرف بعضنا منذ زمن طويل. بدأت تتشكل صداقات دون أن نخطط لها، نمت بهدوء مع الأيام، حتى أصبح بعضنا ينتظر بعضا عند باب القسم، ويتقاسم معه الكتب والواجبات والأسرار الصغيرة التي يستدعي البوح بها لمن يشعر بالقرب منه.
كانت الحياة في الداخلية صارمة، وغير مفتوحة للرغبات الفردية. حدد نظامها الداخلي لكل مخالفة عقوبتها، وكان من أقساها أن يُمنع التلميذ من الخروج في نهاية الأسبوع، إذ كان يوم المغادرة يحمل معه شعورا خاصا؛ تبدأ الحركة منذ الصباح، يستعد التلاميذ الذين سيسافرون إلى بيوتهم. يحملون حقائبهم الصغيرة، ويتجمعون قرب بوابة الخروج، بينما يبقى من صدر في حقه قرار المنع خلف الأسوار، يتابع زملاءه وهم يغادرون واحدا بعد الآخر، ويعود إلى الداخل في صمت، وهو يشعر بثقل ذلك الحرمان الذي يجعل الطريق مفتوحا أمام الآخرين ومغلقا أمامه.
توخت صرامة النظام تقويم السلوك، وتعويدنا على المسؤولية واحترام القواعد. تعلمنا، بمرور الوقت، أن للحرية ضوابط، وأن الحياة الجماعية تتطلب احترام الآخرين، ومهما قست العقوبة، فهي تعتمد وسيلة للانضباط في تصور المسؤولين.
عرف الأساتذة والمربون بهذه المؤسسة بالجدية في أداء مهمتهم.
عندما يدخل الأستاذ القسم، تسكت الأصوات وتتجه الأنظار إليه، ويبدأ الدرس في جو من التركيز والانضباط. يفرض احترامه بهدوئه أكثر مما يفرضه بالصوت المرتفع. ينتظم التلاميذ بمجرد ظهوره عند باب القسم. ويعود كل شيء إلى مكانه. يحمل هيبة المعرفة وسلطة التجربة.
اقترب المربون من حياتنا اليومية، يراقبوننا ويوجهوننا وينبهوننا ويتدخلون حين تقتضي الضرورة. يدركون أن التلميذ يحتاج إلى شخص يفهمه ويستمع إليه ويعرف كيف يرشده.
تعلمنا في القسم الداخلي، كيف نعيش مع الآخرين؛ فقد كنا مختلفين في طباعنا وبيئاتنا وطرق تفكيرنا، لكننا كنا نتقاسم المكان نفسه، ونلتقي كل يوم في القسم والمطعم والساحة والممرات، فنتخاصم أحيانا ثم نتصالح، ونختلف ثم نعود إلى الجلوس معا. ويساعد أحدنا الآخر في فهم درس استعصى عليه، أو يعيره كتابا، أو يحتفظ له بمكان في قاعة المطالعة. ومن خلال تلك التفاصيل الصغيرة ولدت صداقات ستظل، رغم مرور السنوات، عالقة في الذاكرة.
وفرت لنا المؤسسة في أوقات الفراغ، بعض اللحظات التي نبتعد فيها عن صرامة الدراسة والنظام، فنجد فسحة للعب والحديث وممارسة بعض الأنشطة والترفيه، ونلتقي في الساحات أو في فضاءات المؤسسة، فنضحك ونتحدث عن الدراسة والرياضة والمستقبل، وننسى لبعض الوقت أننا نعيش تحت نظام صارم، لنعود مجرد تلاميذ في مقتبل العمر، يحمل كل واحد منا أحلامه الصغيرة وأسئلته الكبيرة عن الحياة.
وفتحت لنا مدينة الدار البيضاء بدورها أبوابا أخرى. آمن بعض الأساتذة بأن التربية والمعرفة يمكن أن توجد في المكتبات والمراكز الثقافية والمسارح والمعارض والندوات، مثلما توجد في المؤسسة. ولذلك كانوا يوجهوننا أو يرافقوننا إلى مختلف الأنشطة الثقافية والفنية التي تقام في المدينة.
نخرج من أسوار الثانوية ونشعر أننا نعبر إلى عالم أوسع من الكتب المدرسية. نزور المكتبات العمومية، ونحضر بعض الندوات والمحاضرات، ونشارك في أنشطة ثقافية وفنية. يدلنا الأستاذ الذي يرافقنا على المكان، ويوجه أنظارنا إلى ما ينبغي أن نراه، ويقترح علينا كتابا نقرأه، أو معرضا نزوره، أو محاضرة نستمع إليها، وكأنه يعلمنا، كيف ننظر إلى المدينة باعتبارها فضاءً حيا للمعرفة والثقافة والاكتشاف.
أشعر، في كل مرة نخرج فيها من المؤسسة، أن شيئا جديدا يتشكل في دواخلي، وبدأ يتسع أمام عيني، ذلك العالم الذي كنت أراه من قبل محدودا وضيقا. وأصبحت الأنشطة التي تبدو بسيطة في ظاهرها، تفتح لنا نوافذ جديدة على الحياة، وتمنحنا فرصة لكي نكتشف أنفسنا من خلال اكتشاف الآخرين.
وجدت مع مرور الأيام، مكاني بين هؤلاء الذين تقاسمت معهم الطعام والدراسة واللعب والعقوبات والضحك والأحلام، وبين أولئك الأساتذة الذين فتحوا أمامنا أبواب المعرفة، وبين مدينة خرجنا إليها ذات يوم تلاميذ يبحثون عن شيء لا نعرفه، ثم عدنا منها في كل مرة ونحن نحمل في داخلنا شيئا جديدا.
The post الدار البيضاء (1970) appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.




