البطريرك يونان موجّهًا رسالة عيد القيامة: قيامة المسيح أساس الإيمان
وجّه بطريرك السريان الكاثوليك الأنطاكي مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان
رسالة عيد القيامة لعام 2026، بعنوان: "السلام لكم"، تناول فيها الأوضاع العامّة في لبنان والشرق الأوسط والعالم، والحضور المسيحي.
وقال البطريرك يونان : "يجتاز العالم عامّةً، ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاصّ، مرحلة خطيرة من جراء الحرب التي تعصف بها، بين الولايات المتّحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بحيث يغيب السلام ليحلّ مكانه ضجيج الأسحلة وأزيز الرصاص ودويّ المدافع والصواريخ، ويسود الدمار والخراب، ويعمّ القتل والتشريد. لكن في وسط هذه العاصفة الهوجاء، يلوح في الأفق بريق الأمل والرجاء المنبعث من القبر الفارغ، من يسوع القائم والحامل بشرى السلام، ليشدِّد ضعفنا ويعزّينا في محنتنا".
وأضاف: "يشهد لبنان في المرحلة الراهنة أزمة معقَّدة وخطيرة للغاية، تتداخل فيها الأبعاد السياسية والإقتصادية والإجتماعية. فمؤسَّسات الدولة تعاني من ضعف في الفاعلية وشلل في اتّخاذ القرار نتيجة الإنقسامات الداخلية، ما ينعكس سلباً على الإستقرار العام. بسبب الأزمة المالية التي لم تنتهِ فصولها بعد، يعيش اللبنانيون واحدة من أشدّ الأزمات في تاريخهم، فضلاً عن الحرب التي ورّطهم فيها فريقٌ رغماً عن إرادة الدولة وسائر أبناء الوطن، فارتفعت معدَّلات الفقر والنزوح والهجرة، وبخاصّة في صفوف الشباب وذوي الكفاءات. وسرعان ما جاءت تداعيات هذه الحرب العبثية لتفاقِم هذا الواقع، عبر سقوط عدد كبير من الضحايا التي تعتصر عليها قلوبنا ألماً، مع تدمير لبنى تحتية وقرى بأكملها، وتعطيل لقطاعات إنتاجية حملت آمالاً. كما أدّت إلى موجات تشرُّد ونزوح داخلية أثقلت كاهل المجتمعات المحلّية ذات الخدمات المحدودة أصلاً".
وتابع: "أمّا سياسيًا، فإنّ الحرب الهمجية بين حزب الله وإسرائيل، والمفروضة على البلد والمرفوضة من قِبَل الشعب والدولة، أدّت إلى طرح مسألة السيادة والسلاح ودور الدولة في حماية أراضيها، وتفاقمت الإنقسامات بين اللبنانيين حول خيارات الحرب والسلم، بالرغم من القرارات الجريئة والإستثنائية التي اتّخذتها الحكومة بحصر السلاح بيد الشرعية اللبنانية وحدها دون سواها، ممّا أدّى إلى النزاع بين منطقين متناقضين، منطق سيادة القانون، ومنطق الدويلة. ومع ذلك، لا تزال إرادة الصمود قائمة، مدفوعة بإيمان الغالبية الساحقة من اللبنانيين بقدرتهم على النهضة ببلدهم. وفي هذا الظرف بالذات، نثني على هذه الخطوات غير المسبوقة، والتي اتّخذها فخامة رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، والتي لا بدّ منها لقيام دولة سيّدة وديمقراطية. ونشدِّد على أنّ رجاءنا راسخ بالقيامة المنبعثة من ملك السلام، لتعود للدولة هيبتها وللمواطن كرامته".
وأردف: "أمّا سوريا، فهي تعيش مرحلة انتقالية، إذ يحاول النظام الجديد إعادة تصحيح العلاقات مع مختلف الدول العربية ومع المجتمع الدولي، لا سيّما بعد رفع العقوبات عنها وحصولها على دعم لإعادة الإعمار. كما أنّ هناك تحدّيات كبرى يجابهها المواطنون على مستويات عدّة، وبخاصّة أمنياً واقتصادياً. أمّا أبناء الوطن من المسيحيين، فلا يزال وجودهم مرتبطاً بمستوى الإستقرار الأمني في مناطقهم، وهذا ما يجعلهم في حالة ترقُّب للمسار الذي ستؤول إليه الأمور في سوريا، إلا أنّهم متجذّرون في أرضهم وثابتون في تمسُّكهم بالبقاء فيها مع كلّ ما يواجهونه من صعوبات، فهم مكوِّن أصيل ومؤسِّس في نسيج الوطن وحضارته".
وقال: "من هنا، نطالب السلطة السياسية بالعمل على سنّ دستور جديد وقوانين تضمن المساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات، والمشاركة الفاعلة في الدولة والخدمة العامّة".
وأضاف: "في العراق، يتطلّع جميع مكوّنات الوطن إلى اكتمال السلطة السياسية الجديدة التي ينتظرون منها أن تقود شؤون الوطن بالنزاهة والحكمة والفطنة والحياد التامّ عن الصراعات الإقليمية والدولية، لا سيّما في هذه الظروف الدقيقة التي تمرّ بها منطقة الشرق الأوسط، مؤكّدين على تجذُّر المكوِّن المسيحي في أرضه رغم الأوضاع الصعبة والخوف على المستقبل والمصير. فالمسيحيون المتأصِّلون في أرض الرافدين الحضارية، جُلّ همّهم أن يبقوا في وطنهم ويخدموه بالمساواة الكاملة مع شركائهم، وبروح المواطنة الحقّة التي تجعل الجميع يشعرون بالكرامة والإستقرار والطمأنينة".
وتابع: "الأراضي المقدسة التي شهدت ميلاد الرب يسوع وتدبيره الخلاصي وآلامه وموته وقيامته، لا تزال تعاني من حرب ضروس تهدّدها بمكوّناتها كافّةً، ممّا يضاعف المعاناة ويعمّق الآلام، وليس آخرها منع المؤمنين من إحياء الإحتفالات الكنسية بالأعياد الفصحية في كنيسة القيامة، إلا أنّ هذا لن يثنيهم عن البقاء راسخين في أرضهم. نسأل الله أن يبسط أمنه وسلامه في أرضه التي عليها حلّت بشرى السلام وانتشرت إلى العالم بأسره، لتستمرّ فيها الشهادة الحيّة لاسمه القدوس".
وأردف: "في مصر والأردن، نثمِّن الجهود التي تقوم بها الدولة في كلٍّ من هذين البلدين لتعزيز حضور أبنائنا، بتوفير الحياة الكريمة والآمنة لهم أسوةً بإخوتهم في الوطن".
وتابع: "في بلدان الخليج العربي، والتي نثني على احتضان السلطات الرسمية فيها لأبناء المكوِّن المسيحي والحرص على صون حرّيتهم في عيش إيمانهم بروح الإنفتاح والتآخي، نستنكر ما تتعرّض له مناطق ومدن عدّة في هذه البلدان من هجمات عبثية متأتّية من الحرب الدائرة، والتي ألحقت الأضرار الجسيمة بأمن المواطنين واقتصادهم وعيشهم، ونضرع إلى الرب من أجل استتباب الأمن والسلام فيها".
وأضاف: "في تركيا، نعرب عن اعتزازنا بأبنائنا الذين يتابعون تأدية الشهادة للرب والمحافظة على وديعة الإيمان واللغة والتراث في أرض الآباء والأجداد، رغم التحدّيات الكثيرة، فهم الشهود على إرث آبائنا الميامين والحماة لهذا الكنز الثمين".
وقال: "أمّا أبناؤنا وبناتنا في بلاد الإنتشار، في أوروبا والأميركتين وأستراليا، فيطيب لنا أن نتوجّه إليهم بمحبّة أبوية، مقدّرين الجهود التي يبذلونها وهم يسعون للمحافظة على الإيمان بالرب يسوع، والإلتزام بكنيستهم الأمّ وطقوسها وتقاليدها السامية، والتمسُّك باللغة السريانية، والغيرة على المبادئ والقِيَم الأصيلة التي نشأوا عليها وحملوها معهم من الشرق، وفي طليعتها صيانة العائلة وقدسيتها، وتربية أولادهم تربية مسيحية صالحة ووطنية أصيلة، لكي يغدوا صانعي مستقبل زاهر، مع الإخلاص للأوطان الجديدة التي احتضنتهم وفتحت الآفاق أمامهم. ولا يغيب عن بالنا أن نكرّر المطالبة بحلّ كلّ نزاع في العالم بالحوار والتفاوض والتفاهم، وخاصّةً من أجل انتهاء الحرب بين أوكرانيا وروسيا، وقد طال أمدها، وخلّفت الدمار، بشرا وحجرا".
وأضاف: "نجدّد مطالبتنا بالإفراج عن جميع المخطوفين، من أساقفةٍ وكهنةٍ وعلمانيين، سائلين الله أن يرحم الشهداء، ويمنّ على الجرحى والمصابين بالشفاء التامّ. ونعرب عن مشاركتنا وتضامننا مع آلام ومعاناة المرضى والمعوَزين والمهمَّشين والمستضعَفين، والعائلات التي يغيب عنها فرح العيد لفقدان أحد أفرادها، ضارعين إلى الله أن يفيض عليهم نِعَمَه وبركاته وتعزياته السماوية".
وفي كلمته الختامية الروحية، أكّد البطريرك يونان أنّ "قيامة الرب يسوع المسيح هي أساس إيماننا ومحوره وعربون رجائنا"، مشيراً إلى أنّ "القيامة حقّقت السلام، سلام المصالحة والغلبة على الخوف وسط الألم والمعاناة والحرب والاضطهاد"، لافتًا إلى أنّ القيامة تمثّل مبعث الفرح الحقيقي، مؤكدًا بفخر: "المسيح قام حقّاً، وأقامنا معه".
The post البطريرك يونان موجّهًا رسالة عيد القيامة: قيامة المسيح أساس الإيمان appeared first on أخبار الساعة من لبنان والعالم بشكل مباشر | Lebanonfiles | ليبانون فايلز.





