في هذا المدخل، يوضح مانغويل أيضا أن الفن يولد لأن اللغة محكومة بالفشل، وأن كل نص أدبي ينوجد لحظة خلقه، ثم يهبط إلى نوع من السبات، إلى أن يأتي قارئ يعيده إلى الحياة، لكنها حياة تعكس تجربة ذلك القارئ وتأويله الخاص.
وبما أن الكلمات داخل اللغة الواحدة تحمل من المعاني ما يفوق قدرة أي قارئ على استيعابها دفعة واحدة، فإن على المترجم، وهو ينقل نصا، أن يختار من هذا التعدد الدلالي المطروح أمامه. وهذه الخيارات تمليها حساسيته وتجربته، مما يجعل عمله تأويلا خالصا.
فعل انتقال واغتراب
في النص الأول من الكتاب، يذكر مانغويل بأن كلمة "translatio" في العصور الوسطى كانت تشير إلى مراسيم نقل رفات قديس من مكان إلى آخر. ومن هذا المنطلق، تتجلى الترجمة بوصفها انتقالا، فعلا يعيد للعلامة طبيعتها الترحالية، ويقتلع شيئا مقدسا من موقعه الأصلي لإعادة توطينه في أرض أخرى، أي الترجمة بوصفها حركة واغترابا.
فمثل حملة الرفات، يجرد المترجمون النص من مظهره الخارجي ويزرعونه في تربة لغتهم الخاصة. وهذا السياق الجديد يحول النص ويحفظه في آن واحد، إذ يمنحه جلدا جديدا. هكذا، تصبح الترجمة استعارة. والمفارقة أن كلمة "استعارة" في اليونانية وكلمة "ترجمة" في اللاتينية ليستا سوى لفظ واحد لمعنى واحد.
في النص الثاني، يطرح مانغويل السؤال التالي: هل يزعزع المترجم سكون النص؟ ويجيب: "إن النص في حالة صخب دائم. فالمحصور بين هوامش الصفحة يحرره القراء ويمنحونه مطلق الحرية ليجوب فضاءات مخيلتهم، حيث لا يحده سوى منطق كل قارئ ورجاحة عقله".
في ضوء ذلك، "يستبدل المترجم حالة من الصخب بأخرى". (…) ولا يمكن النص أن ينعم بحالة سكون إلا بين قراءتين. فبعد أن يفرغ المؤلف من هياج مخاضه ويوقع منجزه، وقبل أن يفتح المترجم الكتاب في حركة إيروسية لإثارة الكلمات داخل عاصفة جديدة من الشغف، يرقد النص في حالة من الحياة المعلقة، غافيا بسلام في نعشه الزجاجي مثل الأميرة النائمة، وعلى مثال الأمير، تتمثل مهمة المترجم في إيقاظه".
في النص الثالث، يستحضر مانغويل أسطورة "الأندروجينوس" (الكائن المزدوج) كما وردت في محاورة "المأدبة" لأفلاطون، ليبين أن كل نص هو في البدء كائن واحد فريد، منطو على ذاته، ومسؤول عن اتساقه الخاص. لكن بمجرد مواجهته القارئ، يبدأ في الوجود على الضفة الأخرى من الصفحة، منقسما شطرين: الأصل من جهة، والنص المقروء والمؤول والمترجم من جهة أخرى.

ومثل تلك الكائنات المشطورة في الأسطورة المذكورة، يظل النصان المنفصلان يتوقان إلى الاتحاد، فتبحث الكلمات المكتوبة عن الكلمات المقروءة، ويستدعى معجم الأشياء بصوت، ومعجم آخر بصوت مغاير.
النص الخالص
في النص الرابع، يستحضر مانغويل الطريقة التي أملي بها القرآن الكريم على النبي محمد، بما يجعله نصا نقيا معجزا، لا يمكن استنساخه في أي لغة أو قالب آخر، للإشارة إلى أن النص الخالص لا يمكن أن ينوجد بصفته تلك في أي لغة أخرى، إذ لا يمكن في الصيغ الأجنبية إلا تأويله أو شرحه، حيث تمنح مفردات الأصل دلالات مختلفة.

ومن القرآن ينتقل مانغويل إلى سفر الخروج، في الفصل الخامس، ليلفت إلى أن المترجمين يرجون، مثل النبي موسى حين تذرع أمام الله بالجهل وافتقار البيان، إشراقا يهديهم إلى بصيص من معنى النص الذي يعملون عليه، شيء يستطيعون، بفضل مواهبهم المتواضعة، تحويله إلى كلمات مقنعة تلامس وجدان القراء.








