"البوليساريو" في حضن إيران من جديد
مشاركة ممثل البوليساريو في البرازيل في لقاء مؤيد لإيران ليست خبرا عابرا ولا تفصيلا هامشيا. فحين يظهر ممثل الكيان الانفصالي في فضاء رُفعت فيه أعلام إيران إلى جانب أعلام البوليساريو وفلسطين وكوبا وفنزويلا، والذي تمحور أساسا حول تمجيد ما سُمي بـ “صمود إيران” و”دور الثورة الإسلامية” وهاجم الولايات المتحدة وإسرائيل، فإننا لا نكون أمام مجرد حضور بروتوكولي في نشاط تضامني، بل أمام اصطفاف سياسي وأيديولوجي واضح.
وكالة “برنسا لاتينا” الكوبية كشفت أن لقاءً نُظم مساء 23 مارس 2026 في مدرج معهد العلوم الإنسانية بجامعة برازيليا، في إطار حملة تحضيرية للقاء وطني لطلبة البيداغوجيا، عرف مشاركة المدعو أحمد مولاي علي بصفته ممثلا للبوليساريو في البرازيل، إلى جانب روغيريو باسالي، وبيدرو باتيستا من فرع البرازيل لـ”الأممية المناهضة للفاشية”، وسايد ماركوس تينوريو نائب رئيس معهد البرازيل-فلسطين، ثم الفنزويلي فريدي ميريغوتي من لجنة تدافع عن نيكولاس مادورو وسيليا فلوريس. وتضمنت المداخلات إشادة بـ”صمود إيران” و”دور الثورة الإسلامية” وتنديدا بواشنطن وتل أبيب، قبل صدور بيان ختامي يرفض ما سُمّي أشكال التدخل الأجنبي ويعلن دعم “نضالات الشعوب”.
والأخطر أن هذه المشاركة جاءت، وفق المعطيات المتداولة حول الواقعة، رغم دعوات من داخل الكيان نفسه إلى تجنب الانخراط في أنشطة تضامنية مع إيران بدعوى عدم الإضرار بما يسمى “القضية الوطنية”. هذه التفصيلة ليست ثانوية، لأنها تعني أن قيادة البوليساريو تدرك مسبقا أن الظهور في هذا النوع من الفضاءات يضر صورتها ويغذي ما تعتبره هي نفسها اتهامات محرجة. بعبارة أوضح، نحن لا نكون فقط أمام دليل على الارتباك، بل أمام إقرار ضمني بأن الكيان الانفصالي يعلم حساسية صلته المؤكدة بإيران، ويخاف انكشافها، لكنه يعجز في الآن نفسه عن ضبطها بالكامل.
والمهم هنا أن المغرب لم يكن أصلا في حاجة إلى هذا اللقاء حتى يثبت وجود صلات بين البوليساريو وإيران. هذا الملف طُرح رسميا منذ سنوات، وبدلائل أخطر بكثير من مجرد مشاركة في منصة سياسية. حين قطع المغرب علاقاته مع طهران سنة 2018، كشف أدلة على دعم عسكري ولوجستي وتدريب وفره حزب الله، بدعم إيراني، لعناصر من البوليساريو عبر السفارة الإيرانية في الجزائر.
يومها تحدثت السلطات المغربية -عبر كل من وزير الخارجية ناصر بوريطة والناطق الرسمي بإسم الحكومة آنذاك، مصطفى الخلفي- عن صواريخ مضادة للطائرات ومسارات دعم واتصال دقيقة. هذا يعني أن أصل القضية، بالنسبة إلى المغرب، لم يبدأ في البرازيل ولم يكن محتاجا إلى “صورة إضافية” حتى يصبح مقنعا.
لكن ما وقع في برازيليا مهم لسبب آخر. فهو لا يضيف دليلا عسكريا جديدا، بل يؤكد في العلن ما سبق أن قاله المغرب في مستوى أخطر، أي مستوى التسليح والتدريب والدعم اللوجستي. وهذا بالضبط هو المعنى الذي ينبغي الانتباه إليه. فالمشكلة ليست فقط في من حضر، بل في طبيعة المكان والرسالة. اللقاء لم يكن ندوة جامعية محايدة عن القانون الدولي أو عن تسوية النزاعات. بل كان فضاءً سياسيا يجمع بين اليسار الراديكالي، والدفاع عن مادورو، والتعاطف مع إيران، وإدراج البوليساريو داخل هذا المعسكر نفسه.
وهذا ما يجعل الحدث محرجا أكثر للبوليساريو، لأنه يأتي في توقيت أمريكي حساس. ففي مارس 2026 طُرحت في الكونغرس الأمريكي مشاريع تدفع نحو فحص مدى استيفاء البوليساريو لشروط التصنيف كمنظمة إرهابية، مع ربط واضح بين الكيان وإيران والجماعات المرتبطة بها.
مشروع مجلس الشيوخ الذي قدمه تيد كروز وتوم كوتون وريك سكوت طلب من وزير الخارجية الأمريكي النظر في التصنيف إذا ثبت تعاون البوليساريو مع جماعات إيرانية مصنفة إرهابية، فيما كان مشروع H.R. 4119 في مجلس النواب قد دعا أيضا إلى تقرير رسمي حول علاقات الجبهة ورعاتها الأجانب، بما في ذلك إيران وحزب الله.
المسألة إذن ليست أن لقاء البرازيل “أثبت” وحده العلاقة العسكرية. العلاقة العسكرية أخطر وأسبق، والمغرب سبق أن عرض بشأنها ما هو أقوى من هذا بكثير. لكن هذه الواقعة الجديدة تجعل ما كان يُنفى أو يُشكك فيه يبدو أكثر انسجاما مع سلوك الجبهة نفسها. وهذا عنصر مهم جدا. لأن قوة أي ملف لا تأتي فقط من المعطيات السرية أو الرسمية، بل أيضا من الوقائع العلنية التي تؤكد الروابط القوية بين طهران والكيان الانفصالي.
ومن الطبيعي أن ينعكس هذا على الجزائر أيضا. فالجزائر ليست طرفا بعيدا عن البوليساريو، بل هي حاضنتها السياسية والعسكرية والدبلوماسية. وكلما ظهرت الجبهة في اصطفافات من هذا النوع، ارتفعت الكلفة على الجزائر. لأن الصورة هنا لا تعود فقط صورة “نزاع إقليمي” أو دعم لما يسمى بـ “حق تقرير المصير” كما تحاول الجزائر أن تقدمه، بل تصبح صورة تنظيم تدور حوله شبهات أمنية متزايدة، ويظهر في العلن داخل فضاءات قريبة من المحور الإيراني. وهذا فرق كبير في التوصيف، وفرق أكبر في العواقب.
وهنا لا بد من قول شيء بوضوح داخل المغرب أيضا. هناك أصوات، كلما ظهرت واقعة من هذا النوع، تفضل البحث عن المبررات للخصوم بدل مواجهة المعطيات كما هي. مرة يقال إن الأمر واقعة معزولة، ومرة يقال إن الدولة تضخم، ومرة يُطلب من المغرب أن يكشف للرأي العام كل ما لديه من ملفات استخباراتية حتى يقتنع المشككون.
هذا المنطق لم يعد مقبولا. ليس لأن المطلوب هو الإجبار على الاقتناع بالرواية الرسمية، بل لأن الوقائع موثقة وتتحدث عن نفسها بشكل واضح. وعندما تحذر الدولة المغربية منذ سنوات من صلات عسكرية ولوجستية بين البوليساريو وإيران عبر حزب الله، ثم تظهر لاحقا وقائع علنية من هذا النوع، ثم يتحرك الكونغرس الأمريكي نفسه في الاتجاه ذاته، فإن الاستمرار في التشكيك الممنهج والمريب لا يعود نقاشا صحيا تحت ذريعة حرية الرأي والتعبير، بل يتحول إلى اصطفاف مشبوه (حتى لا نقول تواطؤ) يمس الأمن القومي المغربي.
خلاصة الأمر أن ما جرى في البرازيل ليس مجرد واقعة تواصلية سيئة بالنسبة إلى البوليساريو، بل حلقة جديدة تؤكد أن هذا الكيان لم يعد قادرا حتى على إخفاء طبيعة اصطفافاته الحقيقية. فحين تتقاطع المؤشرات العلنية مع ما سبق أن كشفه المغرب من معطيات أخطر على مستوى التسليح والتدريب والدعم اللوجستي، يصبح الحديث عن روابط البوليساريو بإيران أقرب إلى حقيقة سياسية وأمنية مكتملة الملامح، لا إلى مجرد اتهام قابل للأخذ والرد.
ومن هنا، فإن الرهان اليوم لم يعد فقط على فضح هذه الروابط، بل أيضا على وعي داخلي مغربي يرقى إلى خطورة المرحلة، ويتعامل مع هذه الوقائع بما تستحقه من وضوح ومسؤولية، لأن الأمر لا يتعلق بسجال دعائي عابر، بل بملف يمس بصورة مباشرة الأمن القومي المغربي ومصالحه الاستراتيجية.
The post "البوليساريو" في حضن إيران من جديد appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.




