وكما حضر في ألمانيا المستشرق ماكس فون أوبناهايم الذي عمل إلى جانب الأتراك ونظّر للامتداد الألماني في الشرق الأوسط أوائل القرن العشرين، نشط أيضا عالم الآثار الألماني إرنست هيرتزفلد (1879-1948) الذي اهتم بآثار إيران والعراق ووضع الكثير من المؤلفات عنها ومنها: "زاردشت وعالمه"، و"إيران في الشرق القديم"، و"النقوش البارزة على الصخور في إيران"، والأهم دراسته المعنونة بـ"الإمبراطورية الفارسية: دراسات في الجغرافيا والإثنوجرافيا في الشرق الأدنى القديم". وقد ساجل هيرتزفدر عن مفهوم إيران الإخمينية الآرية الجيوسياسي، وأنها كانت أمة إيرانية.
وانبثقت في العهد الأخميني الذي بلغ ذروته في عهد الملك قورش/كورش العظيم، وامتدت بدءاً من البلقان وأوروبا الشرقية في الغرب إلى وادي السند في الشرق، وكانت من أكبر إمبراطوريات التاريخ وأُسست على نموذج بيروقراطي مركزي ناجح. وفي عهد الأسرة البهلوية اعتبرت الحضارة الأخمينية نموذجا للهوية الإيرانية وصارت الأيديولوجيا الآرية واحدة من أكثر السمات تمييزا لإيران في عهد رضا بهلوي، وكجزء من برنامجه التحديثي اصطدم رضا شاه البهلوي مع العقيدة الإسلامية في إيران، فقد حظر طقوس عاشوراء وارتداء النساء الشادور ولاحقا فرض على النساء قانونيا الظهور علنا دون حجاب.
بدا رضا بهلوي أنه ضد الهوية الإسلامية، لكنه في السياسات الداخلية حاول تشكيل الإسلام بصبغة قومية، شارك في الزيارات الدينية ورعى الشعائر الإسلامية وكان على علاقة وثيقة برجال الدين، وهذا ما ظهر في تأييد رجال الدين له ضد رئيس الوزراء محمد مصدق عام 1953، حيث أيدوه تأييدا تاما، ضد أفكار الماركسية التي روج لها مصدق.
ومن أوجه التحالف بين رضا شاه ورجال الدين أنه منح العالم مرتضى مطهري عضوية الأكاديمية الإمبراطورية الإيرانية للفلسفة، وقلده جائزة كبيرة هي الجائزة الملكية لكتاب العام، وعينه محاضرا في جامعة طهران.
وهنا يمكن تتبع مظاهر التحالف الديني بين رجال الدين والشاه من خلال دراسة "شرقية وغربية معا: تاريخ فكري للحداثة الإيرانية"، لمؤلفه أمين متين أصغري. الذي كشف عن آلية استيعاب البلاط الملكي الإيراني للحملات الدينية المناهضة للماركسية.
وظهرت جهود إيرانية أخرى إضافة إلى جهود مرتضى مطهري سعت إلى بناء ثقافة وطنية إيرانية أصيلة ركزت على الإسلام الشيعي وعلى انتقاد جذري للغرب، وهذا ما ظهر في أعمال أحمد فرديد وجلال آل حمد وسيد حسين نصر وغيرهم. والأخير (سيد حسين نصر) برز كعالم إسلامي محافظ عينه الشاه في منصب السكرتير الشخصي لزوجته فرح بهلوي، وأوكل إليه مهمة إنشاء الأكاديمية الإيرانية الملكية للفلسفة.
ارتبط سيد نصر بعلاقة مباشرة مع زوجة الشاه سيدة إيران الأولى التي كانت تزرع الحداثة بقلب البيروقراطية المركزية الإيرانية بعدة أوجه، بينما كان مرتضى مطهري على علاقة مباشرة مع آية الله الخميني الذي كان يعيش بالمنفي في النجف، وقد أدت تلك الأفكار إلى صياغة النسخة القومية الإيرانية للجمهورية الإيرانية مع التركيز على ثقافة إسلامية أصيلة، والتي بدأت بالظهور قبيل الثورة عام 1979، من قبل البلاط الملكي.
استمرت إيران الثورة بتطبيق سياسات الحقبة البهلوية في التعليم باللغة الفارسية حصرا، وفي الخدمة العسكرية، وروجت الأفكار حول الماضي الإيراني المجيد، وبالتالي لم يكن مشروع الدولة في زمن الثورة حصرا على الأفكار الإسلامية، بل أدمجت به الأفكار القومية الصرفة وهذا ما أوجد وصفة جديدة هي الإسلام الإيراني مقابل الإسلام العربي. وهي سمات شكلت مكونا هاما في بناء مجالات الإمبراطورية الزاردشتيه والأجنبية في تاريخ إيران.
تقوم الاستثنائية الإيرانية على استحضار الرموز والماضي داخل الإسلام الشيعي، وهذا ما ظهر في الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، في التلفزيون الإيراني حيث صور المقاتلون باعتبارهم مبشرين بطريق جديد ينتظره العالم وهذا ما حملته سلسلة وثائقية بعنوان "سيرة انتصار". وذلك بحسب تحقيق لقناة "بي بي سي" بعنوان: "فن بلاد فارس" صدر عام 2020.



