البُعد التوراتي في الحرب على غزة: حين تتكلم السياسة بلسان العقيدة
عمر الجيوسي
كيف تُستدعى التوراة لتأطير الحرب؟
منذ اندلاع الحرب، تصاعد الجدل داخل إسرائيل وخارجها حول طبيعة الخطاب الذي يرافق العمليات العسكرية، وحول الحضور اللافت للمفردات الدينية والرموز التوراتية في تصريحات قادة سياسيين وعسكريين وحاخامات نافذين، بما أعاد إلى الواجهة أسئلة قديمة متجددة عن أثر الموروث الديني في تشكيل الرؤية الصهيونية للصراع مع الفلسطينيين.
ولعل ما يزيد هذا الجدل حدة أن استدعاء النصوص التوراتية لم يعد مقتصراً على حلقات الدراسة الدينية أو الأدبيات الفكرية، بل أصبح حاضراً في خطابات رسمية وفتاوى دينية ومواقف سياسية مؤثرة في صناعة القرار الإسرائيلي.
ثلاثة آلاف عام من الخطايا.. قراءة في الجذور الفكرية
في كتابه الشهير “اليهود واليهودية: ثلاثة آلاف عام من الخطايا”، حاول الكاتب اليهودي إسرائيل شاحاك أن ينقب في ما وصفه بالجوانب المعتمة من التراث الديني اليهودي وتوظيفاته التاريخية والسياسية.
ويورد شاحاك نصاً لافتاً يقول فيه: “لما كان حظر قتل غير اليهود في حده الأدنى ينطبق فقط على غير اليهود الذين لا نكون نحن اليهود في حالة حرب معهم، توصل عديد من الشراح الدينيين إلى نتيجة منطقية، وهي أنه في حالة الحرب يمكن أو حتى يجب قتل جميع المنتسبين إلى شعب معادٍ”.
ولا تبرز أهمية هذا الاقتباس في مضمونه فحسب، بل في كونه يفتح نافذة على نقاش أوسع يتعلق بكيفية توظيف بعض التفسيرات الدينية في أزمنة الصراع والحروب، وهو نقاش عاد بقوة إلى الواجهة مع الحرب الحالية على غزة.
وزراء الاحتلال.. لغة الإقصاء والإبادة
خلال السنوات الأخيرة صدرت عن شخصيات مركزية في الحكومة الإسرائيلية تصريحات أثارت عاصفة من الانتقادات الدولية.
فقد قال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في باريس يوم 19 مارس/آذار 2023: “لا يوجد شيء اسمه الشعب الفلسطيني”، وهو تصريح لم يكن معزولاً عن سلسلة مواقف سابقة عبّر فيها عن رؤيته للصراع.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2021 خاطب النواب العرب في الكنيست قائلاً: “من الخطأ أن بن غوريون لم يكمل المهمة ولم يطردكم في 1948”.
كما كتب في تدوينة على حسابه في فيسبوك: “تحدثت في غرفة مليئة بأشخاص من جميع مناحي الحياة الدينية اليهودية، وقلت إننا نود جميعاً أن نعيش في بلد تحكمه التوراة والشريعة اليهودية”.
أما وزير التراث الإسرائيلي عميحاي إلياهو فقد أثار صدمة واسعة عندما دعا في 30 تموز/يوليو 2025 إلى ضرب قطاع غزة بقنبلة نووية، في واحدة من أكثر التصريحات تطرفاً التي صدرت عن مسؤول حكومي إسرائيلي خلال الحرب.
أما بن غفير والذي وصفه الجيش الإسرائيلي بأنه ـ خطير ومتطرف أكثر من اللازم ـ فإنه يتغذى على الإدانات والتطرف ويقدم بن غفير نفسه على أنه الرجل الذي “لا يعتذر ولا يخضع للضغوط الغربية”، وبن غفير يستخدم خطاب القوة والإذلال كجزء من صورته السياسية أمام جمهوره اليميني المتطرف.
وبعد عملية طوفان الأقصى، أصبح بن غفير يقدم نفسه بوصفه “حامي اليهود”، مستفيدا من تصاعد الخوف والغضب داخل المجتمع الإسرائيلي. وتستند شعبيته خصوصا إلى اليهود الشرقيين الفقراء والشباب الإسرائيليين الذين “نشأوا في ظل الحروب والصراع الدائم”.
“عماليق”.. حين يعود التاريخ التوراتي إلى المنصة السياسية
من أكثر المحطات إثارة للجدل خلال الحرب استدعاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لمفهوم “عماليق” التوراتي في خطاباته.
يقول أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية صقر جبالي إن لجوء نتنياهو إلى الاقتباسات التوراتية يهدف إلى “تأجيج الحرب الدينية عبر إثارة مشاعر الجمهور اليهودي”.
ولم تمر هذه الإشارات مروراً عابراً؛ فقد أدرجت جنوب أفريقيا خطابات نتنياهو المليئة بالاستشهادات التوراتية ضمن الأدلة التي قدمتها أمام محكمة العدل الدولية في الدعوى التي رفعتها ضد إسرائيل بتهمة انتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948.
وأشار محامو جنوب أفريقيا إلى أن تصريحات نتنياهو منحت الجنود الإسرائيليين غطاءً معنوياً ونفسياً لارتكاب جرائم بحق الفلسطينيين، بينما اعتبر مراقبون أن استدعاء شخصية “عماليق” في سياق الحرب الحديثة يحمل دلالات تتجاوز اللغة الرمزية إلى فضاءات أكثر خطورة تتعلق بتوصيف العدو وتجريده من إنسانيته.
منابر الحاخامات.. فتاوى الحرب المفتوحة
إذا كان السياسيون يستدعون التوراة في خطاباتهم، فإن بعض الحاخامات يذهبون أبعد من ذلك، عبر إصدار فتاوى تمنح الحرب أبعاداً دينية صريحة.
فقد اعتبر عدد من المتابعين أن فتاوى حاخامات الصهيونية الدينية، وعلى رأسهم الحاخام دوف ليئور والحاخام شموئيل إلياهو، أسهمت بصورة مباشرة في الدفع نحو استمرار العمليات العسكرية ورفض صفقات تبادل الأسرى.
واستند هؤلاء إلى نص توراتي جاء فيه: “ولما سمع الكنعاني ملك عراد الساكن في الجنوب أن اليهود قادمون في طريق أتاريم حاربهم وسبى منهم سبياً، فنذر اليهود نذراً للرب وقالوا إن دفعت هؤلاء القوم إلى يدي لنحرمن مدنهم، فسمع الرب لقولهم ودفع الكنعانيين فحرموهم ومدنهم”، أي – بحسب التفسير الوارد – أنهم أبادوهم واستعادوا أسراهم بالقوة.
وفي فتاوى نُسبت إلى عدد من الحاخامات خلال الحرب جاء ما نصه: “إن الطريق الصحيح أمامنا اليوم هو مواصلة الحرب بكل قوتنا دون توقف، والسعي لإبادة الفلسطينيين وزيادة الضغط عليهم قدر الإمكان للوصول إلى نقطة فرض السيطرة، وحينها سيتم إطلاق سراح جميع الأسرى”.
كما تتواصل فتاوى دينية أخرى تبيح قتل الفلسطينيين المدنيين تحت ذرائع أمنية مختلفة.
وفي هذا السياق، أباح الحاخام باروخ إفراتي إطلاق النار على الفلسطينيين بهدف القتل رداً على إلقاء الحجارة، معرباً عن أسفه لأن القانون الإسرائيلي لا يجيز ذلك رسمياً.
أما الحاخام عوفاديا يوسف، الأب الروحي لحزب شاس المشارك في الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، فقد أصدر سلسلة تصريحات وفتاوى أثارت استنكاراً واسعاً، إذ وصف الفلسطينيين بأنهم “أشرار”، وتمنى “زوالهم من العالم بضربة قاضية”، كما وصفهم بأنهم “حمقى وأغبياء وثعابين وصراصير”، وأن دينهم “مثير للاشمئزاز”.
شهادات من داخل الجيش.. حين يتكلم الجنود
في مقابل الخطاب الرسمي والديني، برزت شهادات إسرائيلية من داخل المؤسسة العسكرية نفسها فقد نشرت وسائل إعلام دولية، بينها CNN وصحيفة هآرتس، شهادات جمعتها منظمة “كسر الصمت” الإسرائيلية من جنود خدموا بعد السابع من أكتوبر.
وتضمنت تلك الشهادات روايات مرتبطة بما جرى في معسكر “سديه تيمان”، إضافة إلى إفادات تحدثت عن استخدام فلسطينيين كدروع بشرية.
وقال المدير التنفيذي للمنظمة نداف وايمان: “لقد أصبح تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم في إسرائيل أمراً شائعاً لدرجة أنه يؤدي أيضاً إلى هذه الممارسات داخل الجيش الإسرائيلي”.
وأضاف: “هذا فشل أخلاقي مروع”، مشيراً إلى المفارقة المتمثلة في إدانة إسرائيل لاستخدام المدنيين كدروع بشرية في الوقت الذي تصف فيه شهادات جنود إسرائيليين ممارسات مشابهة.
أصوات إسرائيلية ويهودية ضد التيار
على الرغم من صعود الخطاب القومي والديني المتشدد، فإن الساحة الإسرائيلية لا تخلو من أصوات ناقدة.
فقد أكدت منظمة بتسيلم الحقوقية أن الواقع القائم في الأراضي الفلسطينية يقوم على نظام تمييز بنيوي ينعكس على الحقوق والحريات والحركة والسيطرة على الموارد.
كما حذر الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي من تنامي ظاهرة نزع الإنسانية عن الفلسطينيين داخل الخطاب العام الإسرائيلي، معتبراً أن الحرب كشفت مستويات غير مسبوقة من الكراهية والتحريض.
وخارج إسرائيل، أعلنت منظمة (الصوت اليهودي من أجل السلام ) رفضها للحرب على غزة، وانتقدت استخدام الدين والهوية اليهودية لتبرير العمليات العسكرية أو منحها شرعية أخلاقية.
خاتمة
لا يمكن النظر لهذا الخطاب الحاخامي بوصفه مجرد رد فعل على أحداث السابع من أكتوبر أو باعتباره انفعالاً سياسياً مؤقتاً فرضته ظروف الحرب. فالنقاش الدائر اليوم يتصل بجذور أعمق تتعلق بالموقع الذي تحتله المرجعيات الدينية في الفكر الصهيوني المعاصر، وبالدور الذي تؤديه في تعبئة المجتمع الإسرائيلي وصياغة نظرته إلى الفلسطينيين.
ومن هنا تبدو فتاوى الحاخامات وتصريحات الوزراء واستدعاءات النصوص التوراتية حلقات في منظومة فكرية واحدة تتداخل فيها العقيدة مع السياسة، ويصبح فيها الخطاب الديني عاملاً فاعلاً في تشكيل القرار والحرب معاً.
وفي ظل غياب مساءلة دولية حاسمة لهذا النوع من الخطابات، يبقى السؤال مفتوحاً حول حجم التأثير الذي تمارسه المرجعيات الدينية في إطالة أمد الصراع، وحول الكلفة الإنسانية والسياسية المترتبة على تحويل حرب معاصرة إلى معركة تُخاض بأدوات القرن الحادي والعشرين، ولكن بمفردات وأساطير تعود إلى آلاف السنين.
The post البُعد التوراتي في الحرب على غزة: حين تتكلم السياسة بلسان العقيدة appeared first on السبيل.




