الأزمة الحاليَّة... والمعضلة النظريَّة
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
من الطبيعي أن يسيطر التحليل العسكري والسياسي على المشهد الحالي؛ وأن يأخذ حقَّه الأساسي في المحتوى المطروح، ولكنِّي أظنُّ أن التحليل الفكري والآيديولوجي للحدث ضروري؛ بل يجب أن يضارع التحليل السياسي، وهذا فشل فيه العديد من مكثري الظهور وأسخياء الكلام. نعم؛ من السهل إطلاق وصف «الأزمة» بالمعنى الصحافي واللحظي على الذي يجري الآن. لكن القصَّة أن الحدث بقدر ما يتطوَّر يتحوَّل إلى موضوع اعتياد إعلامي وأممي يومي، كما حدث مع بدء موجات العنف الديني من قبل في أوروبا، أو مع بدء تصدير الإرهاب عبر المكائن الفضائية في بدئها منذ الثلث الأخير من القرن العشرين، ولكن الحدث بمفهومه الأشمل جزء كبير منه ذو مشكل فلسفي. مثلاً؛ في أثناء حرب الخليج، كتب الفيلسوف اليساري العتيد بودريار نصَّه الشهير: «حرب الخليج لم تقع»، وهو فيلسوفٌ متشعِّبٌ في يساريته وطرحه. من هنا اتفق مع الأستاذ عبد الله بن بجاد، حين كتب قبل أيام أن: «فلسفة (اليسار) وفكره ونماذجه السياسية موجَّهة بشكلٍ كاملٍ ضد (الدول الملكية) حول العالم. وفي عالمنا العربي تشكَّلت التيارات اليسارية بناءً على عداوة (الملكيات العربية)، وعلى رأسها دول الخليج العربية. ومن هنا فاليسار بكل أشكاله وأنواعه ونماذجه السياسية هو عدوٌّ أساسي لدول الخليج العربية، لا فرق في ذلك بين يسارية ماركس ويسارية لينين، ولا بين يسارية ستالين ويسارية ماو، فالكل أعداءٌ على طول الطريق، وهي عداوة فلسفية وفكرية، لا سياسية فحسب». أما على مستوى التاريخ، فبعد موجات العنف الديني، كتب هوبزباوم عن الإرهاب، ووصفه بـ«الظاهرة». وبعد ذروته في أحداث 11 سبتمبر (أيلول) كتب عن مفهوم «الحدَث» جاك دريدا الذي سُئِل عن سرِّ اهتمامه به، فأجاب: «كل شيء موجود في الحاضر؛ يتم الإعلان عن الماضي والمستقبل بطرق دائماً ما تكون من الحاضر. هذا هو الدليل الذي حاولتُ تعقيده قليلاً. ظلَّت مسألة الزمن هذه تعمل طوال عملي. ومع ذلك، ما تقوله عن الاهتمام الخاص بالحدث صحيح». وبالمناسبة، قبل كل ذلك، وفي عام 1981، ألَّف إدوارد سعيد كتابه «تغطية الإسلام». المفارقة أنه انتشر بين العرب والمسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر؛ لأنه يعارض الحجة الغربية في فهم الإسلام. الخلاصة أن الحدث الكبير - سواءٌ منه السياسي، أو الحربي، أو الاقتصادي - ينتج أزمته، حتى العواصف الإيجابية الكبرى تُحدث تأزيمات ضد المعترضين عليها. من هنا، فإن مفهوم الحدث - ومنه بالتأكيد الحدث السياسي - ينتج أزماته الكبرى؛ لا اللحظية التي تُرصد صحافياً فقط، وإنما على المدى البعيد. ثمة مفاهيم مدوِّية، منها ما طرحه هيغل حول الاستلاب أو الاغتراب. إن الغربة عن الشيء حضورٌ معه؛ لكن من دون أن تكون فيه. نعم، هذه الحرب الحاليَّة لن تشبه سابقاتها على كل المستويات، ولكن المؤسف فشل كثيرين في تمتين تحليلهم السياسي بالنقد الآيديولوجي للخصوم، وهذا يعبِّر عن خلل أو ارتطامٍ بحدثٍ ضخم يصعب عليهم تحليله نظرياً بالتوازي مع التحليل الحدَثي. إن الأصول التي بُنيت عليها العداوة لدول الخليج مصحوبة بنظريَّة آيديولوجية خطيرة، وهذا ما يهرب البعض من التأكيد عليه، بسبب الجهل، أو التواطؤ، أو الكسل المعرفي.


