الإيمان وأثقل أنواع الحرّيّة في كتاب "قائد المئة ولص الشمال" لملحم الرياشي
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
نتلمّس في كتاب "قائد المئة ولص الشمال" لملحم الرياشي الحقيقة التي تحكم الأرض، وتفتح أبواب السماء. فالقارئ يدرك أنّ الرياشي لم يغفل عن الحقيقة المجرّدة، إلى حين وصوله إلى الحقيقة الحقيقيّة المطلقة، التي تترجّح بين ديكتاتوريّة هذه الفانية، وبين الرحمة بعد طلب الغفران. فكم هو أمر صعب ونادر، التأكّد من الحقيقة التي تغيّر دواخلنا قبل تغيير الكون؟
رفع الرياشي الصمت أعلى من الصوت، وأنزل القول إلى طبقات الإدراك الأشّد عمقاً، فأصبح الصمت صرخة بوجه الإلحاد. ولم يكن كلامه صرخة وحسب بل منطقاً لاهوتيّاً، فكّك التجربة القصوى التي جعلت التناقض في كيان الإنسان، قابلاً للحياة.
الكتاب محاولتان كما أطلق عليهما الرياشي، فهما تكملة لمحاولة أولى صدرت قبل أيّام ليست ببعيدة، تحت عنوان "سمعان القيرواني". ولم تكن هذه المحاولات نادرة، فقد سبقتها قصّة على النمط نفسه بعنوان "يهوذا الإسخريوطي الخائن البار" في مجلّد "العتب" للكاتب نفسه. ونتمنى ألّا تكون هذه القصص يتيمة، وأن يستمرّ الرياشي بالمحاولة تلوى الأخرى، للوقوف على حيثيّات القصص التي رافقت الخلاص الإلهيّ. ولجمع ما لا يُجمع، من عادات وتقاليد، لدى الجماعات، والقبائل والطوائف في زمن السيّد المسيح. ففي العمق، كلّ إيمان يصغي إلى المحجوب عندما يتحوّل يقيناً في قصص شخصيّات، سُطّرت بجهد باحث في الدين المقارن كالرياشي، وقد حفر الإنجيليّون الأربعة ذكراهم على صفحات الزمن.
من بين الشخصيات الكثيرة التي رافقت السيد المسيح، وكتب عنها الرسل في الأناجيل، اختار الرياشي الكتابة عن قائد المئة. فهل السبب عائد لحضوره الدائم، الظاهر حيناً والمستتر أحياناً في مسيرة الخلاص؟ فهو من ألقى القبض على يسوع في بستان الزيتون، بعد قبلة الإسخريوطيّ. وهو من اختار سمعان القيرواني للمشاركة في حمل الصليب، وهذا القائد نفسه نفّذ الأمر الأمبراطوريّ بالصلب بحق السيد المسيح ولصي اليمين والشمال.
ولأنّ قائد المئة عشق الهيبة منذ الصغر، فقد كان طائعاً العائلة والأوامر الأمبراطوريّة: "لم يكن رجلاً كثير الكلام. كان يؤمن أنّ الكلمات تُضعف الهيبة، وأنّ الهيبة أساس الطاعة" (صفحة 7). لكن والدته شدّدت عزمه ولم تحط من هيبته، بل ذهبت إلى حقائق تتوالى في الوجود على مرّ الدهور: ("كيف؟ روما تحكم العالم". تقول وقد ابتسمت ابتسامة حزينة، "تحكمه الآن يا بنّي؛ لكنّ الآلهة لا تحبّ من يظنّ نفسه خالداً.") (صفحة 8).
بين السقوط والخلاص، سؤالٌ سأله كلّ من عبر من الباب الضيّق، إلى رحب السماء. فقد أكّد الرياشي هذه المسيرة التي تبدأ بالسقوط وتنتهي بالخلاص، خلال قصّة قائد المئة، إشارة إلى إيمان هذا القائد، بعد إشرافه على تنفيذ حكم الصلب بملك اليهود، ويقينه أنّ السلطة التي أعطيت له آنذاك لم تكن من علٍ: "وفي الليل حين جلس ماركوس وحده؛ تذكّر سؤالاً لم يسأله من قبل: ماذا لو كانت هناك سلطة... لا تحتاج إلى سيف؟ كان لا يعلم أنّ هذا السؤال هو بداية سقوطه... أو خلاصه." (صفحة 20)
هل السؤال كان بداية ترسيخ الإيمان في اليقين؟ فالبحث عن الحقيقة الإيمانيّة يحمل نكهة التقوى، خلال التساؤل والحيرة التي يقف حاملهما على الحد الرهيف بين الحقيقة والباطل. وها أنّ مصابيح النور الإيمانيّ، أشرقت في مدى رؤية ماركوس قائد المئة، وحطّت رحالها في فيض السؤال: "أدار ماركوس وجهه، لم يحتمل السخرية. حين صرخ يسوع: يا ابتاه، اِغفر لهم.. اِرتجف جسد ماركوس. يغفر؟ لنا نحن القتلة؟!." (صفحة 33)
شهوة اليقين من زفرة روح في الصلاة إيماناً، تختلف عن اهتزاز اليقين بقوة السلطة المطلقة. فكيف لم يأكل الصبر لهفة قائد المئة على مائدة الإنتظار؟ فهو قد آمن بعد قيامة الربّ. وقد جعلنا الرياشي ننظر إلى وله ماركوس القائد، بعد طلبه الشفاء لعبده، وأصبح الإنسان من دون صفة القيادة النابعة من الأمبراطور ومن الذات، فهل بعد الآية التي حصلت معه، أصبح ينفّذ الأوامر عن واجب وليس عن إيمان بروما؟ فأحيا في ملكوت فكره بذار الإيمان، وفتح نافذة سلام للروح في أيقونة الرجاء قبل الإستشهاد: "بعد ذلك اليوم، صار ماركوس يراقب يسوع كإنسان يختبر اهتزاز يقينه. كان يسمع عنه في الساحات، في المجامع، في همسات الجنود، يُثير الشعب، لا يخالف روما، بل يدع ما لقيصر لقيصر؛ لكنّه يُغضب الكهنة. " (صفحة 29: 30). "وقع على الأرض، قائداً وإنساناً معًا... وأسلم الروح!" (صفحة 44)
القصّة الثانية في الكتاب بعنوان "لص الشمال". يحتار القارئ بأمر الرياشي، لماذا لم يعنون هذه القصة بـ"لص اليمين" الذي لقي المسيح في الفردوس بعد طلب الغفران؟ من يقرأ للرياشي يتيقن السبب، هو الذي عنوَن قصّته في مجلد العتب بـ"يهوذا الإسخريوطي الخائن البار" وقد غمر الخائن بالشك المقدّس. وأين القداسة في رجل تأصل في جيناته الندم الأليم بعد الخيانة، لو أنّه لم يكن ضرورة لتضحية الحمل من أجل إتمام الخلاص؟.
ها هنا في الكتاب جعل ملحم الرياشي القارئ يدرك أنّ المسيح كلّم الشعب من خلال الواقع، بعدما كلّمهم بالأمثال. فأثقل أنواع الحرّية التي هرب إليها جسْمَع لص الشمال، لم تكن لا طريقاً ولا باباً إلى الحياة الأبديّة. خلافاً للندم الذي خرق إدراك دِسْمَا لص اليمين، وجعله يؤمن بالمسيح المصلوب، فهذا الندم أوصله إلى طلب المغفرة التي أدّت به إلى الخلاص.
هل كان عنوان القصّة "لص الشمال" نابعاً من إدراك الرياشي لامتحان الضمير الإنساني في أنويته وابتدائه كما منتهاه. فلا عجب إن ظلّت الإنسانيّة قاصرة عن فهم التراكيب الإنسانيّة التي وُضعت بتدبير محكم من إله قدير، وكأنّنا نشهد بذلك على قصور معرفي حاد بين دالّة الإيمان ومدلول أنظمة البشر لسبل عيشتها، هرباً من واقع الفقر والذّل. فصفات طالب الغفران لا تحتاج إلى تفسير، لأنها صُهرت بالتجربة. لذلك كان وصف الرياشي لحياة لص الشمال مأسسة وعي على قواعد راسخة في منهج علم النفس اللاهوتي، الذي يصنف من لا يؤمن بتغيير المصير المحتوم بعد الموت، في خانة العناد الصلب الذي لا تكسره الرحمة: "جسْمَع شعر فجأة أنّ السقوط ليس نهاية السرقة، ولا موت الجسد، بل إعلان الحقيقة الوجوديّة الوحيدة: أنّ الحرّية حقيقية فقط حين تعرف أنّك محاصر، وأنّ الاختيار، مهما كان، لا يغيّر المصير المحتوم." (صفحة 72)
أعاد ملحم الرياشي صياغة تاريخ الكنيسة بمفهوم الإبتكار، وولج سبل الإيمان باقتدار العالِم ذي البصيرة الرشيدة، بعيداً من أوهام معلّقة في تاريخ قديم. فكتب قصصاً مترابطة وفق معايير الدُرْبة القائمة على منهج الإيمان القويم والأصالة المنتقاة. فرفع منسوب إيماننا فوق كلّ شكٍّ، إلى تطلعات القدّيسين في حياتهم الأولى، لسلوك طريق الخلاص، إذا استطعنا لذلك سبيلاً.





