الاستثمار في المحافظات… الحوافز وحدها لا تكفي
بقلم: الدكتور قاسم محمد نزال الحموري خبير اقتصادي
يشكل الاستثمار أحد أهم محركات التنمية الاقتصادية، فهو الوسيلة الأكثر فاعلية لرفع معدلات النمو، وخلق فرص العمل، والحد من مشكلتي البطالة والفقر. ومن هذا المنطلق، تتسابق الدول إلى تقديم حوافز متنوعة لاستقطاب المستثمرين، تشمل الإعفاءات الضريبية والجمركية، وتسهيل الإجراءات، بل إن بعض الدول تلجأ إلى منح الجنسية أو الإقامة الدائمة للمستثمرين وفق ضوابط محددة.
وفي الأردن، يأتي تعديل قانون منح الجنسية للمستثمر غير الأردني ضمن حزمة من الحوافز الرامية إلى تحسين البيئة الاستثمارية وتعزيز جاذبية المملكة للاستثمارات الأجنبية. ورغم أهمية هذه الخطوة، فإن تأثيرها يبقى محدودًا إذا لم تترافق مع إصلاحات أعمق تمس جوهر البيئة الاستثمارية.
فمنح الجنسية قد يمثل عامل جذب لفئة معينة من المستثمرين، إلا أنه ليس العامل الحاسم في قرار الاستثمار. فالمستثمر، قبل أن ينظر إلى الامتيازات الإضافية، يبحث عن بيئة مستقرة، وتشريعات واضحة لا تتغير باستمرار، وإجراءات سهلة، وكلف إنتاج تنافسية. ولهذا، فإن تخفيض كلف التمويل والطاقة والنقل سيكون، في تقديري، أكثر تأثيرًا في جذب الاستثمارات من منح الجنسية وحده.
كما أن الحوافز الموجهة للاستثمار في المحافظات أسهمت بالفعل في استقطاب عدد من المشاريع، إلا أن النتائج ما تزال دون المستوى المأمول. فالاستثمار لا ينتقل إلى المحافظات بمجرد وجود حوافز تشريعية، بل يحتاج إلى بنية تحتية متطورة، وخدمات لوجستية، وبيئة أعمال قادرة على دعم المستثمر منذ لحظة اتخاذ القرار وحتى بدء الإنتاج.
وتتمتع العديد من المحافظات الأردنية بميزات نسبية تؤهلها لاستقطاب استثمارات نوعية. ففي شمال المملكة، تمتلك محافظتا جرش وعجلون فرصًا واعدة في السياحة البيئية والسياحة الثقافية، غير أن استثمار هذه المقومات يتطلب تطوير البنية التحتية والخدمات المساندة، بما يجعل هذه المناطق أكثر قدرة على استقطاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
ولا يقل التكامل بين المؤسسات الوطنية أهمية عن الحوافز المالية. فالجامعات يمكن أن تتحول إلى بيوت خبرة وحاضنات للمشاريع، تقدم الدراسات والاستشارات والابتكار للمستثمرين، فيما تستطيع البلديات أن تؤدي دورًا محوريًا في تبسيط الإجراءات، وتوفير المواقع المناسبة، وتحسين البنية التحتية والخدمات المحلية. وعندما تعمل هذه الجهات ضمن رؤية واحدة، تصبح الحوافز أكثر قدرة على تحقيق أهدافها.
ولا شك أن نجاح الأردن في جذب المزيد من الاستثمارات سينعكس مباشرة على سوق العمل، من خلال خلق فرص تشغيل جديدة وتحريك القطاعات الاقتصادية المختلفة. كما أن ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي سيعزز فرص تحقيق التنمية، شريطة أن تقترن هذه الزيادة بسياسات تحقق قدرًا أكبر من العدالة في توزيع الدخل، بما يضمن وصول ثمار النمو إلى مختلف فئات المجتمع.
وأرى أن محافظة إربد تمتلك المقومات التي تؤهلها لتكون العاصمة الاقتصادية الثانية للأردن خلال السنوات المقبلة، إذا ما حظيت بالمشاريع التنموية المناسبة. فالاستثمار في مشاريع النقل الحضري، مثل إنشاء خط نقل حديث يربط المدينة بجامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية ومستشفى الملك المؤسس عبد الله الجامعي، إلى جانب التوسع في الصناعات الزراعية، وصناعة الأعلاف، والاستثمار في القطاع السياحي، سيعزز من مكانة المحافظة كمركز اقتصادي وإنتاجي متقدم، مستفيدًا من ميزتها النسبية في الزراعة والتعليم والخدمات.
إن جذب الاستثمار لا يتحقق بقرار واحد أو بحافز منفرد، بل بمنظومة متكاملة تجمع بين التشريعات المستقرة، والبنية التحتية الحديثة، وانخفاض كلف الإنتاج، وسهولة الإجراءات، والشراكة الحقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والجامعات والبلديات. وعندما تتكامل هذه العناصر، يصبح الاستثمار أداة فاعلة لتحقيق تنمية اقتصادية متوازنة ومستدامة في مختلف محافظات المملكة، وليس في العاصمة وحدها.
هذا المحتوى الاستثمار في المحافظات… الحوافز وحدها لا تكفي ظهر أولاً في سواليف.




