... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
119855 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 9640 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

الاستقلالية المغتصبة : إشكالية تبعية منظمات المجتمع المدني للأحزاب السياسية في العراق

سياسة
المدى
2026/04/06 - 21:01 501 مشاهدة

جورج منصور

وُلدت منظمات المجتمع المدني في جوهرها النظري لتكون صوت المجتمع المستقل ومساحةً حرة بين الدولة والمواطن. وظيفتها الأساسية هي الدفاع عن الحقوق، وتعزيز المشاركة، ونشر قيم المواطنة والعدالة، ومراقبة أداء السلطة. لكن هذه الفكرة النبوية تعرضت في العراق، خلال السنوات الماضية لتشوهات عميقة، تمثلت في تحول بعض هذه المنظمات تدريجياً إلى امتدادات غير معلنة للأحزاب السياسية، تعمل ضمن حساباتها وتتحرك وفق مصالحها الضيقة.
شهد العراق بعد عام 2003 طفرة كبيرة في أعداد منظمات المجتمع المدني، مستفيداً من الانفتاح السياسي والدعم الدولي السخي. سُجِّلت آلاف المنظمات التي تنوعت مجالات عملها بين حقوق الإنسان والتنمية وتمكين المرأة والإغاثة ومراقبة الانتخابات. وكان يُفترض بهذا الانتشار أن يعكس حيوية المجتمع ورغبته في بناء فضاء مدني مستقل. إلا أن الواقع كشف لاحقاً أن جزءاً غير قليل من هذه المنظمات إما نشأ برعاية أحزاب سياسية أو وقع تحت تأثير شخصيات حزبية نافذة، مستغلة ضعف الخبرة المؤسسية وهشاشة مصادر التمويل المستقلة.
عندما تدخل الأحزاب إلى فضاء العمل المدني، فإنها غالباً ما تحاول توجيهه بما يخدم أهدافها. فتتحول المنظمة من إطار يمثل المجتمع إلى أداة للدعاية السياسية، أو وسيلة لبناء نفوذ اجتماعي، أو قناة للحصول على التمويل المحلي والدولي. وفي مثل هذه الحالات، يصبح نشاط المنظمة مرتبطاً بمواقف الحزب الذي يقف خلفها: تدافع عن قضاياه، وتتجنب نقده، وقد تشارك في حملاته الانتخابية بشكل مباشر أو غير مباشر.
هذه الظاهرة تخلق عدداً من الإشكالات الخطيرة. أولها إضعاف ثقة المجتمع بمنظمات المجتمع المدني. فحين يشعر المواطن بأن المنظمة ليست مستقلة بل مرتبطة بحزب معين، فإنه يتعامل معها بوصفها جزءاً من الصراع السياسي لا جزءاً من المجتمع. وهنا تفقد المنظمة أهم رأسمال تملكه، وهو المصداقية.
أما الإشكال الثاني فيكمن في تشويه مفهوم العمل المدني نفسه. فالمجتمع المدني يفترض أن يكون مساحة جامعة تتجاوز الانقسامات السياسية والطائفية، لكن عندما تخضع المنظمات لهيمنة الأحزاب فإنها تصبح جزءاً من منظومة الاستقطاب ذاتها التي يعاني منها المجتمع.
وثالث هذه الإشكالات هو إقصاء المبادرات المدنية الحقيقية. فالمنظمات المرتبطة بالأحزاب غالباً ما تمتلك موارد أكبر، وعلاقات أوسع، وقدرة أعلى على الوصول إلى التمويل أو المؤسسات الرسمية. وهذا يضع المنظمات المستقلة، التي تعتمد على جهود تطوعية صادقة، في موقع ضعيف وغير متكافئ.
إن استقلال المجتمع المدني ليس ترفاً فكرياً، بل شرطاً أساسياً لبناء دولة ديمقراطية سليمة. فالمجتمع المدني المستقل يستطيع أن يراقب السلطة، وينتقدها، ويدافع عن حقوق المواطنين دون خوف أو حسابات حزبية. أما حين يتحول إلى تابع للأحزاب، فإنه يفقد دوره الرقابي ويتحول إلى جزء من منظومة النفوذ نفسها.
لذلك فإن حماية العمل المدني في العراق تتطلب تعزيز الشفافية في تمويل المنظمات، ووضع معايير واضحة للفصل بين النشاط الحزبي والعمل المدني، وتشجيع المبادرات المستقلة التي تنبع فعلاً من احتياجات المجتمع لا من حسابات السياسة.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للمجتمع المدني أن يكون صوت المجتمع إذا كان صدىً للأحزاب؟ إن الجواب عن هذا السؤال يحدد إلى حد بعيد مستقبل الحياة المدنية والديمقراطية في العراق.
لكن مبدئياً، يُفترض بمنظمات المجتمع المدني أن تكون مرآةً للمجتمع، تعكس همومه وتطلعاته، وتدافع عن مصالحه بعيداً عن ضغوط السلطة وتقلبات السياسة. فهي في الأصل مساحة مستقلة بين الدولة والمجتمع، تعمل على تمكين المواطنين، ومراقبة الأداء الحكومي، والمساهمة في ترسيخ قيم المشاركة والشفافية. لكن هذا الدور يفقد معناه عندما تتحول هذه المنظمات إلى امتداد غير معلن للأحزاب السياسية.
في كثير من الأحيان، لا يكون الخلل في فكرة المجتمع المدني نفسها، بل في الطريقة التي تُدار بها بعض منظماته. فعندما تتسلل الأحزاب إلى هذه المنظمات عبر التمويل أو النفوذ أو التعيينات، تصبح برامجها وأنشطتها انعكاساً لأجندات حزبية أكثر مما هي استجابة لحاجات المجتمع. عندها لا يعود المجتمع المدني صوتاً للمواطنين، بل يتحول إلى صدىً لخطاب سياسي مُعدّ سلفاً.
تكمن خطورة هذا التحول في أنه يفرغ مفهوم المجتمع المدني من جوهره. فالمجتمع يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تمثيله والدفاع عن مصالحه بمعزل عن الصراع الحزبي، خصوصاً في المجتمعات التي تعاني من انقسامات سياسية أو طائفية. أما إذا أصبحت منظمات المجتمع المدني جزءاً من هذا الصراع، فإنها تفقد ثقة الناس بها، وتتحول إلى أداة إضافية لتعميق الانقسام بدلاً من أن تكون جسراً للحوار.
ولا يعني هذا أن المجتمع المدني يجب أن يكون معزولاً تماماً عن السياسة، فالقضايا التي يتناولها – مثل الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية – هي بطبيعتها قضايا سياسية. لكن الفرق كبير بين الانخراط في الشأن العام من موقع الاستقلال، وبين العمل كواجهة أو ذراع غير رسمية لحزب أو تيار سياسي.
إن استقلالية المجتمع المدني هي الشرط الأساسي لصدقيته. وهذه الاستقلالية لا تتحقق بالشعارات، بل عبر الشفافية في التمويل، والديمقراطية في إدارة المنظمات، ووضوح الأهداف والبرامج. كما أن المجتمع نفسه مطالب بمتابعة أداء هذه المنظمات ومساءلتها، حتى لا تتحول إلى كيانات مغلقة تخدم مصالح ضيقة.
في النهاية، لا يمكن للمجتمع المدني أن يكون صوت المجتمع إذا كان صدىً للأحزاب. فالصوت الحقيقي هو الذي ينطلق من الناس ويعود إليهم، يعبر عن احتياجاتهم ويستمد شرعيته من ثقتهم. أما الصدى، فهو مجرد تكرار لصوت آخر، مهما حاول أن يبدو مستقلاً. وبين الصوت والصدى يكمن الفرق بين مجتمع مدني حيّ، وآخر فقد دوره ومعناه.
كيف تتمكن بعض الأحزاب السياسية في العراق إستمالة منظمات المجتمع المدني لكي تعمل لصالحها ووفق أجنداتها الحزبية؟
تتمكّن بعض الأحزاب السياسية في العراق من استمالة منظمات المجتمع المدني والعمل من خلالها بطرق متعددة، بعضها مباشر وبعضها غير مباشر. يعود ذلك غالبًا إلى طبيعة البيئة السياسية والاجتماعية بعد عام 2003، حيث نشأت آلاف المنظمات بسرعة كبيرة، أحيانًا دون خبرة مؤسسية أو مصادر تمويل مستقلة. وفيما يلي أبرز الآليات التي تُستخدم عادة:
اولاً- التمويل والسيطرة المالية: أن الكثير من منظمات المجتمع المدني تعتمد على التمويل للبقاء، فتستغل ذلك بعض الأحزاب عبر تقديم دعم مالي مباشر للمنظمة أو لمشاريعها، أوتسهيل الحصول على منح أو عقود حكومية من خلال نفوذها السياسي، أوتمويل غير معلن مقابل تبني مواقف أو نشاطات تخدم الحزب.
وعندما تصبح المنظمة معتمدة مالياً على جهة حزبية، يتشكل نوع من الارتباط غير المعلن الذي يؤثر على قراراتها ونشاطها.
ثانياً- إنشاء منظمة واجهة: إذ بعض الأحزاب تقوم اساساً بتأسيس منظمات مجتمع مدني تابعة لها، لكنها تُقدّم للجمهور كمنظمات مستقلة؛ هذه المنظمات قد تنظم فعاليات تبدو مدنية أو ثقافية، أو تصدر بيانات أو تقارير تدعم مواقف الحزب، أو تعمل على تحسين صورة الحزب في المجتمع.
ثالثاً- اختراق الهيئات الإدارية: أحياناً تسعى الأحزاب إلى إدخال أعضاء موالين لها إلى مجالس إدارة المنظمات أو مواقع قيادية فيها، وبمرور الوقت يمكن أن تتغير توجهات المنظمة، أو تتحول أنشطتها تدريجياً لخدمة أجندة سياسية معينة.
رابعاً- استغلال النفوذ الحكومي: أن الأحزاب التي تملك نفوذاً في مؤسسات الدولة قد تستخدمه؛ لتسهيل تسجيل المنظمات القريبة منها، وتقديم امتيازات (مقرات، تصاريح، دعم لوجستي)، والضغط غير المباشر على المنظمات المستقلة.
خامساً- توظيف الخطاب المدني لخدمة أهداف سياسية عبر تشجيع المنظمات على تنظيم ندوات أو حملات إعلامية تدعم سياسات محددة، أو التأثير على الرأي العام تحت عنوان الدفاع عن حقوق أو قضايا اجتماعية، أو المشاركة في مراقبة الانتخابات بطريقة منحازة.
سادساً- العلاقة الشخصية والشبكات الاجتماعية، وفي كثير من الأحيان يتم الأمر عبر علاقات شخصية بين ناشطين وقادة حزبيين، أو تقديم فرص عمل أو مناصب، أو إدماج ناشطين مدنيين في مشاريع سياسية أو انتخابية.
سابعاً- ضعف الإطار التنظيمي والرقابي، ويتمثل في ضعف قوانين الشفافية الخاصة بالمنظمات، أو محدودية الرقابة على مصادر التمويل، أو عدم وضوح الحدود بين النشاط المدني والنشاط الحزبي.
وعندما يحدث هذا التداخل بين الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، قد يؤدي إلى تسييس العمل المدني، وفقدان ثقة الجمهور بالمنظمات، وإضعاف الدور الرقابي الحقيقي للمجتمع المدني على السلطة.
في التجربة العراقية بعد 2003 لم يكن المجتمع المدني دائماً فضاءا مستقلاً تماماً، بل أصبح في بعض الأحيان ساحة صراع وتأثير بين القوى السياسية. ومع ذلك يبقى وجود مجتمع مدني حقيقي ومستقل عنصراص أساسياً لأي عملية ديمقراطية.
جدير بالكر، توجد في العراق أيضاً منظمات مستقلة فعلاً تحاول الحفاظ على حيادها والعمل وفق مبادئ المجتمع المدني، لكنها تواجه تحديات كبيرة في التمويل والبيئة السياسية.

The post الاستقلالية المغتصبة : إشكالية تبعية منظمات المجتمع المدني للأحزاب السياسية في العراق appeared first on جريدة المدى.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤