... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
37583 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 7733 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 4 ثواني

الأسرى المحررون في الضفة الغربية: إفراج مع وقف التنفيذ

حبر
2026/02/17 - 12:00 503 مشاهدة

في واحدة من ليالي شهر كانون الأول الماضي، وفي تمام الساعة الثالثة والنصف فجرًا، اقتحمت قوة من جيش الاحتلال الإسرائيلي قرية «جيوس» شرق قلقيلية متجهة إلى منزل الأسير المحرر محمود القدومي البالغ من العمر خمسين عامًا، والذي كان قد أمضى منها ثلاثة وعشرين عامًا في سجون الاحتلال قبل تحريره في صفقات «طوفان الأحرار». عاث الجنود في المنزل خرابًا وتدميرًا ثم أخضعوا الأسير القدومي ونجليه وأخاه المسن لتحقيق ميداني استمر خمس ساعات.

منذ الإفراج عنهم من سجون الاحتلال، يعيش الأسرى المحررون في الضفة الغربية وغزة والمبعدون إلى الخارج حرية منقوصة ومستقبلًا مؤجلًا، وسط حالة من الترقب وعدم اليقين. ففيما يخطو أسرى غزة بين فخاخ موت تنسجها صواريخ الاحتلال وقناصته، يناور محررو الضفة في حركتهم وتفاعلاتهم تحت رقابة مشددة واعتقالات متكررة يتخللها تهديدات بالقتل وإعادة الإعتقال، أما الأسرى المنفيون خارج فلسطين فيعيش معظمهم بحركة تضبطها التصاريح الأمنية بانتظار دولٍ توافق على استقبالهم.

تصدرت عمليات التحقيق الميداني المشهد في الضفة الغربية كواحدة من أبرز أدوات القمع والتنكيل التي يتبعها الاحتلال ضد الفلسطينيين في الضفة، خصوصًا ضد المناضلين وعائلاتهم وبينهم الأسرى المحررون، لتعيد إلى أذهانهم نظام «القمعات» التي كانوا يتعرضون لها داخل السجون، حيث تقوم قوات قمع خاصة تتبع مصلحة السجون الإسرائيلية باقتحام غرف الأسرى وزنازينهم في ساعات الليل المتأخر وينهالون عليهم بالضرب ومصادرة متعلقاتهم الشخصية ثم نقل بعضهم إلى العزل الإنفرادي أو إلى سجون ثانية.

ويتم التحقيق الميداني عادة في الثكنات العسكرية أو في منازل المواطنين أو منازل أخرى يجري تحويلها إلى ثكنات تحقيق، واستهدفت جميع الفئات من نساء وأطفال ومسنين، بتركيز مضاعف على عائلات الشهداء والأسرى والمطاردين، فضلًا عن فئة الشباب والأسرى المحررين الذين يتعرضون خلال جولات التحقيق لتهديدات بالاغتيال وإعادة الاعتقال.

بعد ساعات من التحقيق، نفذ جنود الاحتلال تهديداتهم بإعادة اعتقال القدومي ليقتادوه مع نجله وأخيه إلى أحد معسكرات التوقيف، وقبل مغادرتهم المنزل صادروا كل ما وقع تحت أيديهم من أموال وأجهزة كهربائية وهواتف «حتى رسيفر التلفزيون وراوتر الإنترنت صادروهن»، يقول القدومي. وتتكرر ممارسات مصادرة الممتلكات والمتعلقات الشخصية خصوصًا من عائلات الشهداء والأسرى والمطاردين في الضفة، وهي ممارسات شرعنها الاحتلال بالمصادقة على قانون مصادرة ممتلكات وأموال أهالي الشهداء والأسرى، سيما الممتلكات التي يُعتمد عليها كمصدر دخل مثل السيارات، في إطار سياسات العقاب الجماعي وتدفيع الثمن.

بقي القدومي وأفراد عائلته رهن الاعتقال تسعة أيام تحت الضرب والتنكيل المستمر وسط محاولات لإجباره على الاعتراف بتهم باطلة: «شفتهم أصعب من الـ23 سنة اللي قضيتهم». ليس الضرب والتنكيل والتهديد بإعادة الاعتقال وحده ما كان يشغل بال القدومي، «أنا متعود وبتحمل. بس ولادي وأخوي زلمة كبير مش حمل ضرب».

القدومي واحدٌ من ثمانين أسيرًا تحرروا في الصفقات الأخيرة وجرى إعادة اعتقالهم، ليفرج عن بعضهم بعد أيام أو شهور. ووفق تصريحات رئيس نادي الأسير عبدالله الزغاري لـ«حبر»، أبقى الاحتلال 22 منهم رهن الاعتقال حتى اليوم، بينهم الأسير المحرر وائل الجاغوب والذي قضى في سجون الاحتلال نحو ثلاثة عقود قبل تحريره في الصفقات الأخيرة، ليعيد الاحتلال اعتقاله وتوقيفه إداريًا. وكذلك الأسيرة المحررة رغد الفني المعاد اعتقالها وتوقيفها إداريًا، لينضما إلى 3385 موقوف إداري من أصل 9350 أسيرًا لا زالوا يقبعون في سجون الاحتلال، وفق بيانات هيئة شؤون الأسرى والمحررين، وهي بيانات لا تشمل معتقلي غزة بسبب استمرار حرب الإبادة وعدم توفر البيانات.

وأتى اعتقال القدومي تتويجًا لسلسلة من الاستهدافات منذ إطلاق سراحه في شباط 2025، أبرزها تقييد حركته، إذ يمنعه الاحتلال كباقي الأسرى المحررين في الصفقات الأخيرة من السفر إلى الخارج، حتى حركته في المنطقة التي يسكنها تحكمها الجغرافيا المقطعة بالبوابات الحديدية والحواجز الدائمة والفجائية: «بَحسب ألف حساب لما أطلع من البلد. بتطلع بتلاقي حاجز، وعشانك أسير محرر بصلبوك ثلاث وأربع ساعات». ومنذ الإفراج عنه يداوم جهاز «الشاباك» على استدعائه للمقابلات بمعدل مرة شهريًا «بده يفهمك إنك مراقب وين بتروح. وين بتيجي، شو بتحكي. بده يفهّمك إنه لو بتقول لجارك مرحبا هو بعرف فيها».

في واحدة من المقابلات مع الشاباك، ذكّر المحقق الأسير القدومي بقرب الانتخابات البلدية بالضفة الغربية، محذرًا إياه من التدخل أو لعب أي دور فيها. وفي مقابلة ثانية هدده الضابط بسبب تدخله في مشكلة ثأر عائلي ممتد منذ سنوات في بلدته «جيوس»، وتسببت في حالة من الانقسام والاستقطاب بين عائلات البلدة. جهود الإصلاح هذه كان القدومي قد بدأها من داخل السجن واستأنفها بعد تحريره مباشرة، وهو ما لم يعجب مخابرات الاحتلال: «أجولي. قلي تحلش ولا تصلح بين الناس. لا تتدخل بالناس». وفي مقابلة ثانية عاود الضابط سؤاله عن المشكلة ذاتها، ليرد القدومي بأن «الصلح ماشي إن شاء الله»، فرد عليه الضابط «فشرت يصير صلح في جيوس».

يحاول الاحتلال بإرهابه المستمر هذا إبعاد الأسرى عن الحياة السياسية والاجتماعية، سيما وأن لهم رمزية وتأثيرًا كبيرًا بين الناس الذين يعتبرونهم مرجعيات وضامنين للحلول في كثير من الخلافات الأهلية، ولإبقاء الأسير رهن حالة اعتقال معنوي يصفها القدومي قائلًا «تحررنا من جدران السجن، لكن العقل والروح لا زالت داخل السجن».

كما يهدد الاحتلال الأسرى إذا ما هم علقوا أو شاركوا آراءهم مع الصحافة وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، فقد حدثنا عددٌ من الأسرى عن مداهمة جيش الاحتلال لمنازلهم وتحطيم محتوياتها بسبب منشورات عبر وسائل التواصل.

كما يحاول منع الأسرى المحررين من التواصل فيما بينهم، سيما التواصل مع المبعدين إلى غزة وإلى خارج فلسطين، وهو روتين لا زال المحررون محافظين عليه إذ يبدأ يوم معظمهم باتصالات مع رفاقهم المنفيين: «بنتطمن على بعض. شو أكلتوا، شو لبستوا؟ أخباركم، وضعكم ووضع أهاليكم .. هذا كل حكينا مع بعض». وهو ما يعتبره ضباط مخابرات الاحتلال سببًا كافيًا لاستدعاء الأسير والتنكيل به كما يقول القدومي.

لا يكتفي الاحتلال الإسرائيلي باستهداف الأسرى المحررين، ليستهدف أيضًا عائلاتهم وحواضنهم الاجتماعية التي باتت هي الأخرى تعيش رهن حالة من الترقب والاستعداد للاقتحامات المتكررة لمنازلهم لدرجة أن بعض أفرادها ينامون مستعدين بملابس الخروج تحسبًا لأي اعتقال مفاجئ. وقد رصدنا في بحثنا حالات اعتقال وتوقيف إداري بحق شبان بسبب تواصلهم مع أقاربهم من المحررين المُبعدين إلى غزة، كما حدث مع ذوي الأسير المبعد إلى غزة أحمد رضوان، والذي اعتقل الاحتلال زوج ابنته لأنه تواصل معه عبر الهاتف وهنأه بالحرية، وتم توقيفه إداريًا وما زال رهن الاعتقال حتى اليوم. 

«مرّة السلطة، ومرّة الجيش»

لم تقتصر هذه الممارسات على جيش الاحتلال وحده، فقد انخرطت فيها أيضًا أجهزة أمن السلطة، والتي تستدعي المحررين لمقابلات ينتهي بعضها بإبقائهم رهن الاعتقال، كما حدث مع الأسرى المحررين في الصفقات الأخيرة خالد الجعبري، و فيصل خليفة الموقوف منذ شهر، وكذلك الأسير المحرر ثامر سباعنة، والأسير المحرر مصعب قوزح الموقوف منذ ثلاثة أشهر. 

حصار يُكمِل حلقاته اقتطاع الاحتلال مخصصات الشهداء والجرحى والأسرى من أموال السلطة، وهي مخصصات كانت تضمن لهم ولعائلاتهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة، والتغلب على صعوبات الحياة.

ويجري اليوم الحديث عن تولي مؤسسة «تمكين»، لمسألة المخصصات التي تقدم لعائلات الأسرى والشهداء، وهو ما ترفضه شريحة واسعة من المناضلين وعائلاتهم، معتبرين أن مثل هذه الحلول تتماشى مع رغبة الاحتلال بتصفية رموز النضال الفلسطيني والتنكيل بهم وعائلاتهم بتحويل قضيتهم الوطنية والنضالية إلى قضية اجتماعية: «الشهيد قدم عمره عشان يسألوا ولاده كم مرة أكلتو دجاج ولحمة؟»، يقول أحد المحررين.

في المقابل يرى من قابلناهم من الأسرى أن هنالك ضغوط كبيرة تمارس اليوم على كل ما هو فلسطيني، وهو ما يمكن تفاديه والالتفاف عليه بتفريغ الأسرى ودمجهم في مؤسسات منظمة التحرير واعتبارهم جزءًا من موظفيها، إلا أن إشكالية هذا الدمج تكمن في التمييز ضد أسرى الفصائل الإسلامية، فضلًا عن تعمد السلطة الضغط لتفريغهم في أجهزة أمنها. وهو ما يفتح سؤالًا حول إصرار السلطة على دمج الأسرى في أجهزة الأمن وليس في مؤسسات منظمة التحرير أو حتى في مؤسسات السلطة المدنية مثل التعليم والحكم المحلي وغيرها، سيما وأن شريحة واسعة من المحررين حصلوا خلال سنوات سجنهم على شهادات الماجستير والدكتوراه، فضلًا عن خبرات تمتد عشرات السنوات في العمل الوطني والسياسي.

وفيما يجري الحديث عن دمج الأسرى المحررين في هذه المؤسسات، يبقى مصير مخصصات عائلات الشهداء والجرحى مجهولًا، «إحنا الأسرى روحنا، أم الشهيد ابنها ما روح، في جرحى مشلولين ومقطعين، هاي أشياء ما بترجع». لذا تتحمل لجنة من الأسرى مسؤولية ملفاتهم وتتحدث باسمهم لإيجاد حلول وصيغ ترضيهم وتحفظ كرامتهم. 

وهكذا يمكن القول إن الاحتلال لا زال يطارد الأسرى المحررين بالقتل والسجن والتنكيل، ومن ينجوا من هذا وذاك يُحارب بلقمة عيشه وعيش عائلته. سياسات ممنهجة يوصل الاحتلال من خلالها رسائل داخلية بأنه لا زال يلاحق الأسرى ويستهدفهم وهو ما يظهر جليًا في العبارات المكتوبة على ملابس الأسرى عند تحريرهم وفي تهديدات قادة الاحتلال مثل إيتمار بن غفير وفي إعلانات الإعلام العبري، وأيضًا للشعب الفلسطيني في محاولة لقتل أي مظاهر الفرح بتحرير الأسرى وحرمانهم من تجربة ورصيد نضالي راكمه الأسرى عبر عقود.

ختم المحررون مقابلاتهم بما أصروا على البدء فيه، وهو الأسرى داخل السجون، والذين يعيشون إبادة صامتة تلفها جدران الزنازين، فمن ينجو من عذاب السجانين وبطشهم، قد يموت بالتجويع والإهمال الطبي. «هذول بيت القصيد»، يقول القدومي، الذي ينتظر أن تهدأ الأوضاع لاستكمال دراسة الماجستير التي بدأها في السجن قبل حرب الإبادة بوقت قصير.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤