الأردن واقتصاده الذكي
الأردن واقتصاده الذكي
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
لا يتحرك الاقتصاد الأردني في فراغ، ولا يمكن قراءة سلوكه بمنطق الأرقام المجردة بعيدًا عن بيئة إقليمية ضاغطة تؤثر في التجارة والسياحة والاستثمار وسلاسل الإمداد. ففي ظل محيط مضطرب، يواصل الأردن تقديم نموذج اقتصادي يقوم على الصمود المنضبط لا على الطفرات السريعة، وهو ما تعكسه بيانات البنك المركزي الأردني التي تشير إلى نمو الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تقارب 2.7% في النصف الأول من عام 2025 مقارنة بنحو 2.3% في الفترة نفسها من العام السابق. هذه الأرقام لا تعبّر عن قفزة نوعية بقدر ما تعكس تحسنًا تدريجيًا محسوبًا، يؤكد أن الاقتصاد يسير بخطى ثابتة، وإن كانت دون مستوى الطموح التنموي.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن الاقتصاد الأردني لا يعاني ركودًا بالمعنى التقليدي، لكنه في الوقت ذاته لم يبلغ بعد مرحلة الانطلاق القادرة على إحداث أثر عميق في سوق العمل ومستويات الدخل. فمعدل البطالة، وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة، انخفض إلى نحو 16.1% في الربع الرابع من عام 2025، وهو تحسن لافت من حيث الاتجاه، لكنه لا يزال يعكس فجوة قائمة بين النمو الاقتصادي وقدرته على توليد فرص عمل كافية، خصوصًا في ظل التدفق المستمر للشباب إلى سوق العمل.
وفي هذا السياق، تتكشف إشكالية جوهرية مفادها أن التحدي لم يعد مرتبطًا بقدرة الاقتصاد على الصمود، بل بقدرته على التحول. فالنمو القائم على الاستقرار المالي والإنفاق الحذر وبعض القطاعات التقليدية يوفّر مظلة حماية مهمة، لكنه لا يكفي لبناء اقتصاد منتج عالي القيمة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة توجيه بوصلة النمو نحو قطاعات أكثر إنتاجية، مثل الصناعات المتقدمة، والتكنولوجيا، والزراعة الذكية، والسياحة ذات القيمة المضافة، والخدمات الرقمية العابرة للحدود.
وتعزز هذه القراءة ما تشير إليه تقديرات البنك الدولي، التي تضع نمو الاقتصاد الأردني عند نحو 2.8% خلال عام 2025، مدفوعًا بأداء متوازن نسبيًا في قطاعات الصناعة والخدمات والزراعة. ورغم أهمية هذا التوازن، إلا أنه يظل ضمن نطاق نمو معتدل يحتاج إلى دفع إضافي ليتحول إلى نمو نوعي قادر على إحداث تغيير هيكلي في الاقتصاد.
وفي مقابل ذلك، يظهر الاستقرار النقدي كأحد أبرز نقاط القوة في المشهد الاقتصادي، إذ بلغ احتياطي العملات الأجنبية لدى البنك المركزي نحو 24.6 مليار دولار مع نهاية عام 2025، بما يغطي قرابة 8.8 أشهر من مستوردات المملكة من السلع والخدمات. ويعكس هذا المستوى من الاحتياطي قدرة واضحة على امتصاص الصدمات الخارجية، والحفاظ على استقرار سعر الصرف، وتعزيز ثقة المستثمرين، وهو ما يشكّل ركيزة أساسية لأي مسار تنموي مستدام.
غير أن القراءة العلمية المتكاملة تفرض التمييز بين مفهومَي الاستقرار والتحول؛ فالأول شرط ضروري لضمان التوازن الاقتصادي، لكنه لا يمثل غاية بحد ذاته. وإذا ما استمر النمو ضمن حدود 3% تقريبًا، فإن أثره الاجتماعي سيبقى محدودًا، خاصة في ما يتعلق بخفض البطالة وتحسين مستويات المعيشة. ومن هنا، يتحول السؤال من “كم نما الاقتصاد؟” إلى “كيف نما؟ ولصالح من؟ وبأي أثر إنتاجي وتشغيلي؟”.
وفي ضوء ذلك، يصبح واضحًا أن مستقبل الاقتصاد الأردني لا يمكن أن يُبنى على الإنفاق وحده، بل يتطلب إعادة هندسة العلاقة بين التعليم وسوق العمل، وبين الاستثمار والإنتاج، وبين المحافظات وسلاسل القيمة. فكل استثمار لا يخلق معرفة أو وظيفة أو قدرة تصديرية يبقى أثره محدودًا، في حين أن الاستثمار الموجّه نحو القطاعات الإنتاجية والتقنية يملك القدرة على توليد قيمة مضافة مستدامة.
وعليه، يقف الأردن اليوم أمام لحظة مفصلية تتيح له تحويل استقراره السياسي والنقدي والمؤسسي إلى منصة انطلاق نحو اقتصاد أكثر ديناميكية. فالاقتصاد الذي أثبت قدرته على الصمود في وجه الأزمات، يمتلك المقومات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا، شرط أن يتحول من إدارة الضغوط إلى صناعة الفرص. وفي هذه النقطة تحديدًا تكمن الخلاصة؛ إذ إن الأردن لا يحتاج إلى اقتصاد ينجو فحسب، بل إلى اقتصاد يصنع مستقبله بثقة واقتدار.
هذا المحتوى الأردن واقتصاده الذكي ظهر أولاً في سواليف.




