الأردن ليس دولة بلا تاريخ: قراءة في مقولات النشأة والحدود
•تتكرر بين الحين والآخر مقولات تزعم أنه «لم يكن هناك شيء اسمه الأردن»، أو أن الأردن أُنشئ ليكون دولة عازلة تخدم ترتيبات إقليمية مرتبطة بفلسطين وإسرائيل، أو أنه أُقيم لفصل سوريا عن الخليج والعراق عن فلس...
•وقد نُسبت بعض هذه الآراء إلى شخصيات فكرية وسياسية عربية، ومن حق أي مفكر أن يقدم قراءته السياسية للتاريخ، إلا أن مثل هذه المقولات تحتاج إلى مراجعة علمية؛ لأنها تختزل عملية تاريخية معقدة في تفسير واحد،...
•الدولة الحديثة ليست بداية التاريخ من الضروري أولاً التمييز بين عدة أمور مختلفة: •تاريخ الأرض وسكانها؛ •الاسم الجغرافي والتاريخي للأردن؛ •تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921؛ •استقلال المملكة الأردنية الها...
هذا الخبر من jo24. خبر يقدم أدوات ذكاء اصطناعي للتلخيص والترجمة والاستماع.
المصدر: jo24 | Source: jo24![]()
تتكرر بين الحين والآخر مقولات تزعم أنه «لم يكن هناك شيء اسمه الأردن»، أو أن الأردن أُنشئ ليكون دولة عازلة تخدم ترتيبات إقليمية مرتبطة بفلسطين وإسرائيل، أو أنه أُقيم لفصل سوريا عن الخليج والعراق عن فلسطين.
وقد نُسبت بعض هذه الآراء إلى شخصيات فكرية وسياسية عربية، ومن حق أي مفكر أن يقدم قراءته السياسية للتاريخ، إلا أن مثل هذه المقولات تحتاج إلى مراجعة علمية؛ لأنها تختزل عملية تاريخية معقدة في تفسير واحد، وتخلط بين نشأة الدولة الحديثة وبين تاريخ الأرض والمجتمع والهوية.
الدولة الحديثة ليست بداية التاريخمن الضروري أولاً التمييز بين عدة أمور مختلفة:•تاريخ الأرض وسكانها؛•الاسم الجغرافي والتاريخي للأردن؛•تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921؛•استقلال المملكة الأردنية الهاشمية عام 1946.
لم تكن المملكة الأردنية الهاشمية، بحدودها ومؤسساتها الحالية، قائمة قبل القرن العشرين. وهذه حقيقة لا ينتقص الاعتراف بها من شرعية الأردن أو مكانته. فمعظم الدول العربية الحديثة، ومنها سوريا والعراق ولبنان والكويت والسعودية، أخذت أشكالها السياسية وحدودها المعاصرة خلال القرن العشرين أو في فترات قريبة منه.لذلك فإن القول إن الدولة الحديثة لم تكن قائمة بصورتها الحالية لا يعني أن الأرض لم يكن لها اسم، أو سكان، أو تاريخ، أو حياة سياسية واجتماعية.إن الخلط بين «حداثة الدولة» و«غياب التاريخ» خطأ منهجي واضح.
اسم الأردن أقدم من الدولة الحديثةالقول إنه لم يكن هناك شيء اسمه الأردن غير دقيق تاريخياً، إلا إذا كان المقصود حصراً أنه لم تكن هناك دولة مستقلة تحمل الحدود نفسها والنظام السياسي نفسه قبل عام 1921.اسم الأردن مرتبط منذ القدم بنهر الأردن والمنطقة المحيطة به، كما عُرف في التاريخ الإسلامي اسم «جند الأردن»، وهو أحد الأجناد الإدارية في بلاد الشام.صحيح أن حدود جند الأردن لم تكن مطابقة لحدود المملكة الحالية، لكن وجود الاسم في التاريخ ينفي القول المطلق بأن الأردن اسم مستحدث لا جذور له.كما استُخدم تعبير «شرق الأردن» للدلالة على المنطقة الواقعة شرقي نهر الأردن قبل تأسيس الإمارة الحديثة. وهذا يؤكد أن المنطقة كانت معروفة جغرافياً وسياسياً، ولم تظهر فجأة بقرار إداري في عشرينيات القرن الماضي.
أرض الأردن لم تكن فراغاً سياسياً أو حضارياًأرض المملكة الأردنية الحالية شهدت قيام حضارات وممالك ومراكز سياسية مهمة، من بينها:•مملكة عمون؛•مملكة مؤاب؛•مملكة أدوم؛•المملكة النبطية؛•مدن الديكا بولس؛•المراكز الرومانية والبيزنطية والإسلامية.ولا يجوز بالطبع الادعاء بأن هذه الممالك القديمة هي ذاتها المملكة الأردنية الهاشمية الحديثة، فذلك سيكون إسقاطاً غير علمي للحاضر على الماضي.لكن وجود هذه الكيانات يؤكد أن أرض الأردن لم تكن صحراء بلا تاريخ، ولا مساحة خالية تنتظر القوى الاستعمارية لكي تمنحها اسماً ووجوداً.إن تاريخ الأردن ليس فقط تاريخ الدولة التي تأسست عام 1921، بل هو أيضاً تاريخ الأرض والمدن والمجتمعات والطرق التجارية والتحالفات والقبائل والحضارات التي تعاقبت عليها.
السكان لم يكونوا مجرد متلقين لقرار أجنبيمن أبرز أوجه الضعف في نظرية «الدولة المصطنعة» أنها تتجاهل إرادة السكان والقوى المحلية.بعد سقوط الحكومة العربية في دمشق عام 1920، ظهرت في شرق الأردن إدارات محلية في عدد من المناطق. كما اجتمع وجهاء وممثلون محليون في مؤتمر أم قيس في سبتمبر 1920، وطالبوا بتأسيس حكومة عربية في شرق الأردن، برئاسة أمير عربي، وبوجود مجلس تمثيلي، وبحماية المنطقة من التوسع الصهيوني.وقد سبقت هذه التحركات الإعلان الرسمي عن تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921.وهذا يعني أن السكان لم يكونوا مجرد أدوات صامتة في يد بريطانيا، بل كانت لديهم مطالب سياسية ومصالح محلية ورؤية لمستقبل منطقتهم.لا يمكن إنكار الدور البريطاني الكبير في صياغة الترتيبات السياسية، لكن لا يجوز أيضاً إلغاء دور الأردنيين والقيادة الهاشمية والقوى الاجتماعية المحلية.
هل أُنشئ الأردن ليكون حاجزاً لإسرائيل؟القول إن الأردن أُنشئ ليكون حاجزاً يحمي إسرائيل يتضمن مشكلة زمنية واضحة.إمارة شرق الأردن تأسست عام 1921، بينما أُعلنت دولة إسرائيل عام 1948، أي بعد سبعة وعشرين عاماً.ومن ثم لا يصح القول حرفياً إن الأردن أُنشئ ليحمي دولة لم تكن قد قامت بعد.قد يقال إن المشروع الصهيوني وإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين كانا عاملين حاضرين في السياسة البريطانية منذ وعد بلفور عام 1917. وهذا صحيح، لكن وجود العامل الصهيوني لا يعني أن جميع السياسات البريطانية في المنطقة كانت تهدف حصراً إلى خدمة دولة إسرائيل المستقبلية.لقد كانت لبريطانيا اعتبارات أخرى عديدة، منها:•تثبيت الأمن بعد انهيار الدولة العثمانية؛•التعامل مع الأمير عبدالله والقيادة الهاشمية؛•منع مواجهة عسكرية مع الفرنسيين في سوريا؛•حماية الطرق والمصالح البريطانية بين فلسطين والعراق؛•إنشاء إدارة عربية مستقرة شرقي نهر الأردن؛•احتواء حالة الفراغ السياسي في المنطقة.كما أن الترتيبات الخاصة بشرق الأردن أدت إلى استثناء المنطقة الواقعة شرقي النهر من تطبيق الأحكام المتعلقة بالوطن القومي اليهودي، وهو ما يناقض التفسير القائل إن تأسيس الإمارة كان مجرد خطوة لتوسيع المشروع الصهيوني.قد تكون بريطانيا أرادت منطقة مستقرة تفصل بين بؤر الصراع وتحمي طرقها ومصالحها، لكن هذا يختلف جذرياً عن القول إن الأردن لم يكن إلا حاجزاً أنشئ لحماية إسرائيل.فالفرق كبير بين أن تكون للدولة وظيفة استراتيجية ضمن حسابات قوة أجنبية، وبين اختزال وجودها كله في تلك الوظيفة.هل أُنشئ الأردن لفصل سوريا عن الخليج والعراق عن فلسطين؟أما القول إن الأردن أُنشئ لفصل سوريا عن الخليج والعراق عن فلسطين، فهو يقدم وصفاً جغرافياً لنتيجة الحدود، لكنه لا يقدم بالضرورة دليلاً على النية الأصلية التي أنتجتها.وجود الأردن بين سوريا وشبه الجزيرة العربية، وبين العراق وفلسطين، حقيقة جغرافية. لكن الحقيقة الجغرافية وحدها لا تثبت أن الغرض الأساسي من تأسيس الدولة كان الفصل بين هذه الأقاليم.
وهنا يجب التمييز بين أمرين:1.النتيجة التي ترتبت على رسم الحدود؛2.الهدف الذي كان يقصده صانعو القرار عند رسمها.قد تؤدي الحدود إلى فصل مناطق عن بعضها، لكن إثبات أن هذا الفصل كان الهدف الرئيسي يحتاج إلى وثائق تاريخية صريحة، وليس إلى استنتاج قائم فقط على النظر إلى الخريطة.كما أن بريطانيا لم تكن تسعى دائماً إلى الفصل، بل كانت تعمل أيضاً على ربط فلسطين وشرق الأردن والعراق من خلال الطرق والمواصلات والترتيبات العسكرية وخطوط التجارة والمصالح النفطية.ومن ثم فإن الحديث عن الفصل وحده يتجاهل أن المنطق الإمبراطوري البريطاني كان يقوم أحياناً على الربط والسيطرة على الممرات، وليس فقط على تقسيم الأقاليم.كذلك فإن الحدود الأردنية لم تُرسم في لحظة واحدة وفق مخطط هندسي بسيط، بل تشكلت تدريجياً من خلال مفاوضات وترتيبات مع فلسطين وسوريا والعراق والحجاز ونجد.وعليه، فإن مقولة «فصل سوريا عن الخليج والعراق عن فلسطين» يمكن اعتبارها قراءة جيوسياسية، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير تأسيس الأردن.
الأردن نتاج تفاعل محلي وإقليمي ودوليالقراءة التاريخية الأكثر توازناً هي أن نشأة الأردن الحديث كانت نتيجة تفاعل عدة عوامل، من بينها:•سقوط الدولة العثمانية؛•انهيار الحكومة العربية في دمشق؛•الحركة العربية والقيادة الهاشمية؛•المصالح البريطانية؛•المطالب المحلية في شرق الأردن؛•التنافس الفرنسي البريطاني؛•التطورات المرتبطة بفلسطين والمشروع الصهيوني؛•الحاجة إلى إدارة سياسية مستقرة في المنطقة.
اختزال هذه العوامل كلها في سبب واحد، سواء كان حماية إسرائيل أو فصل الأقاليم العربية، لا يعكس تعقيد المرحلة.التاريخ لا يتحرك عادة بسبب عامل واحد، والدول لا تنشأ بقرار منفرد معزول عن المجتمع والجغرافيا والقيادة والظروف الدولية.لماذا تُستخدم حجة «الدولة المصطنعة» ضد الأردن؟من المشروع أن ننتقد الاستعمار والانتداب ورسم الحدود، لكن من غير المنطقي استخدام هذه الحقيقة للطعن الانتقائي في شرعية الأردن وحده.معظم حدود دول المنطقة تأثرت بالقوى الاستعمارية والتسويات الدولية. ولو اعتبرنا كل دولة تشكلت حدودها في القرن العشرين دولة بلا شرعية أو بلا تاريخ، لاضطررنا إلى إنكار شرعية معظم النظام الدولي المعاصر.الدولة لا تستمد شرعيتها فقط من قدم حدودها، بل من عوامل أخرى، منها:•وجود شعب ومجتمع سياسي؛•ممارسة السيادة؛•بناء المؤسسات؛•الاعتراف الدولي؛•الاستمرارية القانونية؛•قدرة الدولة على حماية مواطنيها؛•تضحيات أبنائها وإنجازاتهم.الأردن لم يستمر أكثر من قرن بسبب قرار بريطاني صدر عام 1921، بل لأنه نجح في بناء دولة ومؤسسات وجيش وإدارة وهوية وطنية، واستطاع أن يتجاوز حروباً وأزمات وتحولات إقليمية كبرى.لو كان الأردن مجرد خط مصطنع بلا مجتمع أو شرعية، لما استطاع الصمود في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً.
الهوية الوطنية لا يشترط أن تكون أزليةكل الهويات الوطنية الحديثة مرت بعملية تشكل وتطور. الهوية الإيطالية الحديثة لم تكن قائمة دائماً بصورتها الحالية، وكذلك الهوية الألمانية والعراقية، والسورية، والسعودية، وغيرها.تطور الهوية لا يعني أنها زائفة.الهوية الأردنية تشكلت من تفاعل طويل بين سكان البلاد، والقبائل والعشائر، والمدن والأرياف والبادية، والقيادة الهاشمية، والجيش العربي، والمؤسسات الوطنية، إضافة إلى أبناء فلسطين والشركس والشيشان والمسيحيين والمسلمين وغيرهم من مكونات المجتمع.هذه الهوية لم تُكتب على ورقة في مكتب استعماري، بل بُنيت من خلال التعليم والخدمة العامة والجيش والعمل والتضحية والعلاقات الاجتماعية والتجارب المشتركة.
الاعتراف بالدور البريطاني لا يعني إنكار الأردنليس مطلوباً للدفاع عن الأردن أن ننكر الدور البريطاني أو أن نقدم رواية مثالية عن تأسيس الدولة.القوة الحقيقية في النقد التاريخي تأتي من الاعتراف بالحقائق، ثم وضعها في سياقها الصحيح.نعم، كان لبريطانيا دور حاسم في ترتيب المنطقة.نعم، تأثرت حدود الأردن بالمصالح الدولية.نعم، نشأت الدولة الحديثة في ظل الانتداب والنفوذ البريطاني.لكن هذه الحقائق لا تؤدي منطقياً إلى القول إن الأردن بلا تاريخ، أو إن شعبه بلا إرادة، أو إن الدولة تأسست لغرض واحد، أو إنها لا تمتلك شرعية وطنية مستقلة.الدولة التي تنشأ ضمن ظروف دولية لا تبقى أسيرة لتلك الظروف إلى الأبد. وقد أثبت الأردن عبر تاريخه أنه لم يكن مجرد أداة بيد قوة أجنبية، بل دولة ذات مصالح وقرارات ومواقف وتضحيات، اختلفت في كثير من الأحيان مع القوى الكبرى وتحملت نتائج مواقفها.
الخلاصةالنقد العلمي للمقولات التي تنكر الأردن لا يكون بالغضب أو بالمبالغة المضادة، بل بالتفريق بين تاريخ الدولة الحديثة وتاريخ الأرض والمجتمع.يمكن القول بكل ثقة:الأردن الحديث تأسس عام 1921 ضمن ظروف عربية ودولية معقدة، وكان للمصالح البريطانية دور كبير في نشأته، لكن الأردن لم يُخلق من فراغ، ولم يكن مجرد حاجز جغرافي أو مشروع مؤقت لخدمة إسرائيل أو لفصل الأقاليم العربية.الأردن امتداد لأرض ذات تاريخ عميق، ولمجتمع كان موجوداً وفاعلاً قبل تأسيس الإمارة. كما أن نشأة الدولة كانت نتيجة تفاعل بين الإرادة المحلية والقيادة الهاشمية والظروف الإقليمية والمصالح الدولية.قد ترسم القوى الكبرى الحدود، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وطناً يستمر أكثر من قرن.الأوطان لا تقوم فقط بقرارات المؤتمرات، بل بإرادة شعوبها، وبالمؤسسات التي تبنيها، وبالتضحيات التي تقدمها، وبالهوية التي تتشكل في وجدان أبنائها.وهذا ما فعله الأردنيون: حوّلوا الأرض إلى وطن، والإمارة إلى دولة، والدولة إلى هوية راسخة لا يمكن اختزالها في خط على خريطة أو في تفسير سياسي عابر.
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة jo24. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by jo24. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.

