الأرض.. التي تعرف أبناءها
شادي منصور
في كل مرة تشتد فيها الأزمات في لبنان، يخرج علينا من يرفع فزاعة “التغيير الديمغرافي”، وكأن البلاد رقعة شطرنج تُنقل فيها الجماعات من مربع إلى آخر بقرار سياسي أو بخطاب إعلامي.
يتكاثر الكلام عن المخيمات والخيم والنازحين، وتُنسج حولها روايات مليئة بالريبة والاتهامات، لكنها في جوهرها لا تحمل معنى حقيقيًا سوى التحريض الطائفي الرخيص.
فهؤلاء الذين يتحدثون عن “خطر ديمغرافي” يتناسون الحقيقة البسيطة: أن الناس الذين تركوا بيوتهم لم يتركوها طمعًا بمكان آخر، بل فرارًا من نار الحرب.
فلنتخيل معًا صباح اليوم التالي لانتهاء الحرب، أو حتى لحظة إعلان وقف إطلاق النار. المشهد لن يكون غامضًا أو معقدًا. الطرقات المؤدية إلى الجنوب ستمتلئ بالسيارات والحافلات، بعائلات تحمل ما تبقى من حياتها في حقائب بسيطة. مئات الآلاف سيتجهون إلى قراهم، إلى البيوت التي ربما لم يبقَ منها سوى جدار أو شجرة تين في الفناء.
سيصلون، وسينظرون إلى الركام، ولن ينتظروا أحدًا. لن ينتظروا مؤتمرات دولية ولا خطط إعمار طويلة. سيغرسون أعمدة الخيم إلى جانب بيوتهم المهدمة، كما فعلوا في كل مرة. وفي اليوم نفسه ستبدأ المعاول في العمل. سيُرفع الحجر الأول، وتُزال الأنقاض، وتُرسم في العقول خرائط البيوت الجديدة التي ستقوم فوق الذاكرة والجذور.
هكذا هو الجنوب، ليس مجرد جغرافيا، بل علاقة عضوية بين الإنسان والأرض. ابن الجنوب لا يرى أرضه عقارًا يمكن بيعه أو استبداله، بل يراها امتدادًا لروحه.
هناك قبور الأجداد، وحقول التبغ والزيتون، وأسماء الشهداء المنقوشة في الذاكرة قبل الحجر. لذلك فإن الحديث عن اقتلاع الجنوبي من أرضه ليس فقط جهلًا بالتاريخ، بل جهل بطبيعة هذا الشعب.
ابن الجنوب لا يقايض أرضه، حتى لو عرضت عليه قطعة من الجنة نفسها. لأن الجنة بالنسبة له ليست وعدًا بعيدًا، بل هذه التلال التي حفظت خطوات طفولته، وهذه الحقول التي ارتوت بعرق الفلاحين ودماء المقاومين.
لهذا تبدو كل حملات التخويف والتجييش مجرد ضجيج عابر. فالذي صمد تحت القصف، ودفن أبناءه في تراب هذه الأرض، لن يتركها بسبب خطاب أو إشاعة. الأرض التي احتضنت أجساد أبنائها، وسُقيت بدمائهم، لا تتحول إلى أرض مهجورة.
مهما قلتم، ومهما حيكت المؤامرات، ومهما حاول البعض أن يرسم لنا مصيرًا آخر، ستبقى الحقيقة واحدة: سنبقى هنا. في هذه الأرض التي زرعنا فيها أبناءنا شهداء، وسقيناها بدمائهم، لتعود وتنبت نصرًا وكرامة وحياة.
The post الأرض.. التي تعرف أبناءها appeared first on أنباء إكسبريس.


