على النقيض من ذلك تماما في العراق قادة الميليشيات و"الحشد الشعبي" يتم استهدافهم وتصفيتهم واحدا تلو الآخر في عمليات دقيقة تشير إلى اختراق أمني واستخباراتي كبير، لكن مروجي هذه الرواية لا يغيرون لهجتهم، وكل جنازة تتحول إلى عرس "شهيد" في الطريق إلى النصر المؤزر.
في اليمن كذلك يروج الحوثي لانتصاراته المزعومة وهو محاصر في رقعة جغرافية محدودة، معزول دوليا، لا يملك أي علاقة طبيعية مع العالم الخارجي، وبنيته التحتية متهالكة، والشعب يعاني، لكنه في عالمه الإعلامي الخاص هو البطل الذي "أذل قوى الاستكبار العالمي" وأرعب البحرية الأميركية، بينما الواقع يقول إنه لا يستطيع إطعام من يحتلهم ولا توفير أبسط مقومات الحياة لهم.
إذا كانت هذه هي انتصارات الأذرع... فماذا عن النظام الأم في طهران؟
ليس مستغربا أن تحاول إيران في هذه الأيام الترويج لرواية الانتصار في حربها مع أميركا وإسرائيل، وتستخدم السياسة الإعلامية المضللة ذاتها التي تبيعها لأتباعها في كل ساحة، وتغذي بها بعض جمهورها المحلي الذي قد لا يملك- مؤقتا- مصادر بديلة للمعلومة، لكن أي انتصار هذا و"المرشد الأعلى" نفسه تم اغتياله في عقر داره؟ وهو رأس النظام بأكمله، وأي انتصار والقدرات العسكرية والدفاعية التي بنيت على مدى عقود دمرت في غضون أيام معدودة؟ أي انتصار والبحرية الإيرانية أُغرقت وحُيدت بالكامل؟ والأهم من ذلك كله، أي انتصار وقد أجبرت طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بسقف مطالب غير مسبوق، تفاوض يجري تحت وطأة الهزيمة لا من موقع قوة المنتصر؟
أخيرا... كل ذلك يتجاوز كونه بروباغندا عابرة، فهي سياسة إيرانية ممنهجة وقديمة، يعتمد أصحابها على إغراق جمهورهم بشعارات النصر لإبقائه في حالة تعبئة دائمة ولتبرير الخسائر الفادحة التي يتكبدونها، وربما كان هذا الأسلوب ينفع في عصور سابقة حين كانت المعلومة حكرا على من يملك المنبر، لكن اليوم في عالم أصبحت فيه الصورة والحقيقة متاحة للجميع بضغطة زر، لم يعد التضليل قادرا على الصمود طويلا أمام الوقائع على الأرض، والشعوب قد تصدق الكذبة مرة، لكنها حين ترى مدنها ركاما وقادتها تحت التراب ومفاوضيها يجلسون مجبرين على طاولة الخصم، ستدرك أن ما يسمونه "انتصارا" ليس سوى اسم آخر للهزيمة.
الانتصار على طريقة "محور المقاومة"
لكل طرف في أي صراع تعريفه الخاص للانتصار، لكن تعريف "محور المقاومة"، ومن ورائه النظام الإيراني، يبدو فريدا من نوعه، إذ لا يقاس بالمكاسب على الأرض ولا بالنتائج الميدانية، إنما بالقدرة على الظهور أمام الكاميرات وإعلان "النصر الإلهي" عبر وسائل الإعلام، حتى لو كانت المدن قد سويت بالأرض والقادة قد اغتيلوا في عقر دارهم، وهو نمط متكرر لا يتغير بتغير الجغرافيا ولا بحجم الكارثة، ولا حتى بعدد الجنازات.
فعندما كانت غزة تدك بصواريخ إسرائيل، روجت "حماس" وأذرع المحور الإعلامية للانتصار، وتحدثت عن "الصمود الأسطوري" و"النصر الاستراتيجي"... أي انتصار هذا والقطاع بأكمله تحول إلى ركام؟ مُحي بالكامل وأصبح أثرا بعد عين، والخسائر البشرية والمادية تفوق أي وصف، والبنية التحتية لم يعد لها وجود، والأحياء السكنية باتت مقابر مفتوحة. لكن إعلام المحور لا يتوقف عن صناعة الانتصارات من بين الأنقاض، انتصار يقف على أشلاء شعب بأكمله، ويحتفي بالدمار وكأنه إنجاز يستحق التوثيق والتمجيد.
أما في لبنان فلم يختلف المشهد كثيرا، حيث فقد "حزب الله" قائده الأعلى في عملية استخباراتية دقيقة، ودمرت عملية البيجر الشهيرة شبكة اتصالاته بالكامل وشلت قدرته على التواصل والقيادة والتنسيق، في خسارة لم يسبق لها مثيل في تاريخ "الحزب"، وكشفت هشاشة بنيته الأمنية التي طالما تباهى بها، وأظهرت أن عقودا من التحصين الأمني يمكن أن تنهار في لحظة واحدة، ومع ذلك يخرج أتباعه وإعلاميوه ليحدثونا عن "معادلات جديدة"، وكأن فقدان رأس الهرم وتفكيك شبكة الاتصالات وتدمير القدرات العسكرية والسير في طريق نزع سلاح "الحزب" هو شكل من أشكال النصر الذي يضاف إلى سجل "الانتصارات الإلهية".
البقعة الوحيدة التي خلت من تلك الانتصارات الوهمية مؤخرا كانت سوريا، حيث خسر المحور حليفه الأهم بسقوط نظام الأسد، الذي كان الرئة التي يتنفس بها، والجسر البري الذي يربط طهران ببيروت، والممر الذي تعبر منه الأسلحة والمقاتلون، فكانت خسارة جيوسياسية لا تعوض بأي حسابات، وغيرت خريطة النفوذ الإيراني في المنطقة بشكل جذري.
الشعوب قد تصدق الكذبة مرة، لكنها حين ترى مدنها ركاما وقادتها تحت التراب ومفاوضيها يجلسون مجبرين على طاولة الخصم، ستدرك أن ما يسمونه "انتصارا" ليس سوى اسم آخر للهزيمة