وأنتجت حرب غزة، بمعزل عن الجدل بشأن طبيعة "اتفاقيات إبراهام" وحدودها، بيئة إقليمية عطلت عمليا حتى الأهداف المحدودة التي قامت عليها "اتفاقيات إبراهام". فقد قادت الحملة العسكرية الإسرائيلية إلى كارثة ذات أبعاد تاريخية، وأظهرت أن القوة العسكرية الإسرائيلية تهدد العرب مباشرة، وتهدد أيضا الاستقرار الداخلي في الدول العربية. ومع امتداد العمليات الإسرائيلية إلى لبنان، واندلاع أعنف مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران في تاريخ المنطقة، وجدت دول مجلس التعاون الخليجي نفسها عالقة بين قوتين متعاديتين، لا يمكن للترتيبات القائمة ضبط التوتر بينهما.
والخلاصة التي لم يعد في مقدور الاستراتيجيين العرب تجاهلها، هي أن إسرائيل وإيران تمثلان التحديين الأمنيين الرئيسين للدول العربية، وأن التعامل معهما يجب أن يتم في وقت واحد. فقد جعلت الهجمات الإيرانية على البنية التحتية للطاقة في الخليج التهديد الإيراني مباشرا وملموسا، فيما جعل استعداد إسرائيل الواضح لشن عمليات عسكرية مدمرة في المشرق، إلى جانب قدراتها النووية وتمتعها بحصانة من أي كبح أميركي فعلي، التهديد الإسرائيلي تهديدا بنيويا. وعليه، فإن الانحياز إلى أحد طرفي الصراع بين إسرائيل وإيران ليس سوى فخ قاتل. أما الموقف المجدي، فهو ما يتصدى للتهديدين معا وفق شروط عربية.

ثالثا: نمط التوسع الإسرائيلي، 2023–2026
يجب النظر إلى العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 لا بوصفها ردودا أمنية منفصلة، بل باعتبارها امتدادا لعقيدة استراتيجية متماسكة، تقوم على الإضعاف المستمر لأي قوة تملك قدرة على ردع التحرك الإسرائيلي، وإقامة مناطق عازلة وحضور عسكري دائم في أراض عربية مجاورة، وتدمير القدرات العسكرية والنووية الإيرانية ، ومنع قيام أي ائتلاف عربي قادر على إقامة توازن مع إسرائيل. وباختصار، تسعى إسرائيل إلى فرض هيمنتها على الشرق الأوسط بأسره.
ففي غزة، قُتل أكثر من سبعين ألف فلسطيني، كانت الغالبية الساحقة منهم من المدنيين، خلال أطول حملة عسكرية متواصلة في التاريخ الحديث للصراع العربي-الإسرائيلي. ورأت محكمة العدل الدولية أن هناك أسسا معقولة للاشتباه في وقوع إبادة جماعية. أما في لبنان، فقد تعاملت إسرائيل مع وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بوصفه مجرد توقف عملياتي مؤقت، فأنشأ جيشها خمسة مواقع عسكرية دائمة داخل الأراضي اللبنانية، وقتل أكثر من ثلاثمئة لبناني بعد أن دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ اسميا. وفي مارس/آذار 2026، وسعت إسرائيل عملياتها، فقصفت بيروت ومناطق واسعة من الجنوب، واحتلت مزيدا من المواقع. وفي سوريا، أقامت إسرائيل ستة مواقع داخل المنطقة منزوعة السلاح المنصوص عليها في اتفاق عام 1974، ونفذت عمليات أمنية امتدت خمسة عشر كيلومترا داخل الأراضي السورية، بعدما تعاملت مع سوريا ما بعد الأسد لا بوصفها فرصة دبلوماسية، بل باعتبارها فراغا استراتيجيا ينبغي ملؤه.
وأكدت الضربات الإسرائيلية على اليمن شن هجمات عسكرية على مسافات تمتد إلى آلاف الكيلومترات خارج حدودها. وكانت محاولة اغتيال مسؤول بارز في حركة "حماس" على الأراضي القطرية دلالة أشد خطورة، إذ وقع في دولة خليجية عربية ترتبط بشراكة وثيقة مع الولايات المتحدة وتستضيف أكبر قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة. كما حمل غياب رد عربي جماعي وحاسم رسالة واضحة إلى صناع القرار في إسرائيل عن حدود التضامن العربي.











