قبل بروز عصر التصنيع كان تحقيق شيء يتطلب جهدا جماعيا دؤوبا شاقا يستغرق عدة ساعات وأكثر، لكن بعدها، باتت آلة سهلة الاستخدام يمكنها القيام بما كان يستغرق من قبل عمالا عديدين، يخرجون منه ملطخين، في سياق متكرر ومضن، ذلك أن الآلة تؤمن الوسيلة الأقوى والمثلى والمكتملة، كذلك لمضاعفة إنتاجية العمل بدقة أكبر.
لكن إذا كانت الآلة تتضمن وعدا بتحرير العمال، فإن المنظومات السياسية والاقتصادية تحول هذا الوعد شكلا من أشكال الاستغلال، لنجد أن سياسة الاستهلاك، التي تقودها التقانة حتى اليوم، اخترقت كل المناخات والأجواء وأشكال المدن والاختراعات وأنماط الحياة الثقافية والاجتماعية، وهذه الناحية لم يركز عليها كثيرا المفكرون الكبار، كأنما حصروا النقاش حول الآلة في مسائل العمال والاقتصاد.
صحيح أن الآلة سهلت كثيرا من وسائل العيش، لكن لها أيضا متقلباتها الخطرة والسلبية، في المجالات المختلفة، السلبية، أولها عندما نستعمل الآلة ونصبح عبيدا لها، أو تتحول من دورها التبسيطي إلى أن تصبح سلاحا فتاكا، فالإنسان اخترع السلاح للدفاع عن نفسه، وطوره في حروبه للتدمير والخراب والقتل الجماعي، وأمامنا اليوم أمثلة دامغة، عندما نجد استخدام الأسلحة بلا رادع إنساني، فتقصف به المدن، وترتكب جرائم جماعية بحق الشعوب، وتستخدم الطائرات والمسيرات المتنوعة التي لا تفرق بين الحجر والناس، بحيث لم تعد هذه الأسلحة وسيلة لخدمة المدنية بل لتسمها في نتائج وحشية.
طريقة استعمال الهاتف الذكي باتت إدمانا ووسيلة تهدد السياقات الاجتماعية، بل أصبح الفرد بسببها آلة تحاكي آلة أخرى
ولا ننسى القنابل النووية التي أطلقها الأميركيون على هيروشيما وقتلت نحو 145 ألفا دفعة واحدة. كأنما تحول الصراع السياسي إلى وسيلة مجنونة بحق البشرية. ويمكن أن تتمثل بالهاتف المحمول، الذي سهل أمور الاتصال، لنكتشف أنه حوّل حامليه إلى عبيد، ذلك أن طريقة استعمال الهاتف الذكي باتت إدمانا ووسيلة تهدد السياقات الاجتماعية، بل أصبح الفرد بسببها آلة تحاكي آلة أخرى. وهناك طريقة التعلم عن بعد، أي أن تحتل الآلة مكان المدرسة والمعلم، وقد تدمر الطلاب وعلاقاتهم الاجتماعية. وهذه أسوأ أنواع التعلم وأخطرها، اجتماعيا وكذلك مهنيا.
ويذكرنا ذلك عندما نظم النوادل في المقهى والمطاعم إضرابا في باريس احتجاجا على طردهم من عملهم واستخدام "الروبوت" بديلا منهم، وقد يحصل ذلك في المؤسسات الكبرى، عندما يستغني أصحاب العمل عن عمالهم ويستبدلونهم بالروبوتات، أو بوسائل الذكاء الاصطناعي، وما ينتج عن ذلك من تحركات أو ثورات اجتماعية.
كل هذه الشواهد توحي بسيادة الآلة على معظم مجالات المجتمع، وهو ما أدى حتى الآن إلى "العزلة"، عزلة الإنسان عن واقعه، وعن طبيعته، بحيث قد يقع في نوع من الغربة البشرية، قد تسوقه إلى أمراض نفسية وحتى بدنية. إنه الشعور بالوحدة التي تفصم الناس عن بعضهم وعن ماهياتهم وعن محيطهم، خصوصا عندما يدمن بعضهم الآلة.
فإذا كانت الآلة قد لعبت أدوارها السلبية على العمل والمجتمع، فإن آثارها الطبيعية أدهى وأخطر، وكلنا نعرف الكسارات، والجرافات، التي استعملت أحيانا عديدة لجرف الغابات، والأشجار والحدائق، وأشكال التلوث في الهواء، والأثر الكبير في مجالات تحتاج إلى تخصيص لتحديدها وشرحها. فالهواء ملوث، وكأن الأرض نفسها مشرفة على نهايتها، وتغير تتابع الفصول، ونشهد اليوم حرائق رهيبة في أوروبا وفي أميركا تستمر لأسابيع وأشهر، ولا ننسى الفيضانات التي تجرف المنازل وتهجر السكان، فضلا عن بعض الأمراض الغريبة التي باتت تتفشى بين الناس. إنها الآلة بفارسها الذكاء الاصطناعي اليوم وأفدح عواقبها وهم إله جديد ينافس السماء من حيث تلبية كل المطالب.
ما نسميه اليوم بالحيوان الأليف الذي يرافقنا، قد يصبح غدا الوحش الجديد الذي يفترسنا
وقد قرأنا مؤخرا أن الذكاء الاصطناعي سيطور نفسه بنفسه في المستقبل القريب، ويعني ذلك انفصاله التام عن الإنسان الذي صنعه. وهنا بالذات لا أحد يعرف ماذا يمكن أن يصدر عن هذه الآلة، من خراب وجنون، تشبه قصة فرانكنشتاين الذي اخترع إنسانا، وفقد السيطرة عليه، فاستخدم قوته الخارقة للهجوم على الناس ثم قتل صانعه.
ولهذا، ربما ما نسميه اليوم بالحيوان الأليف الذي يرافقنا، قد يصبح غدا الوحش الجديد الذي يفترسنا.




