الاقتصاد السوري في ظل تداعيات الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران
قبل أن تُطلق الطائرات الأميركية والإسرائيلية أولى صواريخها على إيران في الثامن والعشرين من فبراير 2026، كانت سوريا تقف على مفترق طرق اقتصادي يجمع بين التفاؤل الحذر والهشاشة البنيوية، بعد انكماش تراكمي مدمر بلغ 54% بين عامَي 2011 و2025، بدأت بعض المؤشرات تُلمّح إلى انعطافه إيجابية.
فوفق تقديرات البنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لسوريا عام 2024 نحو 21.4 مليار دولار، وهو رقم شاحب قياساً بـ67.5 مليار دولار كانت عليه البلاد عام 2011. غير أن صندوق النقد الدولي سجّل نمواً بلغ 4.8% عام 2025، مشيراً إلى أنه “ينطلق من قاعدة منخفضة للغاية”، وكانت التوقعات الحكومية لعام 2026 تتراوح بين 5% و10%، قبل أن يُعيد الصندوق خفض توقعاته إلى 4–6% عقب التصعيد.
“التعافي الاقتصادي السوري لا يزال هشاً وقابلاً للتراجع عند أول صدمة خارجية كبرى” حسب صندوق النقد الدولي، مارس 2026، ففي الشارع السوري، كانت الأرقام الكلية تخفي معاناة يومية: متوسط راتب الموظف الحكومي لا يتجاوز 80–150 دولاراً شهرياً، في حين يُقدَّر خط الفقر الأدنى لأسرة من خمسة أفراد بنحو 4.37 مليون ليرة شهرياً، أي أن الراتب الرسمي لا يكفي الأسرة لأكثر من عشرة أيام، أما سعر الصرف الرسمي فقد استقر عند 11,000 ليرة للدولار، بينما كان السوق الموازي يتأرجح بين 12،000 و 13،000 ليرة، ومعدل التضخم السنوي لعام 2025 وصل إلى 95%، وقد أشعلت الضربات الأمريكية–الإسرائيلية على إيران فتيل أزمة إقليمية من الدرجة الأولى، وسوريا التي تسعى جاهدةً لانتزاع تعافٍ هش من رحم أكثر من عقد من الحرب، وجدت نفسها أمام صدمة خارجية لم تختَرها ولم تستعد لها، فكيف أعادت الحرب على إيران رسم خريطة المخاطر الاقتصادية السورية: من قطاع الطاقة المتهالك إلى سلاسل التوريد الغذائي، ومن ضغوط الليرة إلى نافذة الفرص التي قد تُفتح أمام دمشق إن حافظت على حيادها الاستراتيجي؟
اقرأ ايضاً: الحرب ضد إيران.. إعادة تشكيل بنية النظام الإقليمي للمنطقة – 963+
الموقف الرسمي السوري.. الحياد بين المصلحة والإكراه
لم تنضم سوريا إلى أي من طرفَي النزاع، واتخذت حكومة الشرع موقفاً هادئاً أشبه بالتحييد الاستراتيجي، كما يقول المحلل السياسي محمد عبداللطيف في تصريحات لـ”٩٦٣+” تجلّى في تشديد إجراءات الحدود مع لبنان والعراق، ومقاربة دبلوماسية تسعى إلى الاستفادة من الأزمة بدل التورط فيها، وهذا الحياد ليس ترفاً بل ضرورة وجودية، فسوريا المثقلة بتكلفة إعادة إعمار تُقدَّر بـ216 مليار دولار، وقد ترتفع إلى 250 ملياراً، لا تستطيع تحمّل تبعات الانزلاق إلى حرب جديدة، كما أن خروج القوات الإيرانية وفصائلها من الأراضي السورية بعد سقوط نظام الأسد أزاح عن كاهل دمشق أحد أثقل أعباء الارتهان الإقليمي، وهذا لاقى استحسان على صعيد الصدى الشعبي، الذي يرى أن الحرب على مدى 14 عاماً، كان لكل من إسرائيل وإيران يد في خراب وتدمير سوريا، وكلاهما شارك في قتل الشعب السوري وتدمير اقتصاده، وهذا الشعور الشعبي يعكس واقعاً اقتصادياً موثقاً، فسوريا دفعت ثمن الوصاية الإيرانية عقوداً، ولم تجنِ اليوم من انهيار هذا النفوذ إلا فرصة للتنفس، لكن الحرب الجديدة تُهدد حتى هذه الفرصة.
رغم قتامة المشهد، يرصد عبداللطيف هامشاً من الفرص الاستراتيجية قد تنتهزها دمشق إن أدارت موقفها السياسي بذكاء، فسوريا التي خرجت من الفلك الإيراني، والتي ترتبط بعلاقات متنامية مع دول الخليج والغرب، قد تجد نفسها في موقع جيوسياسي متميز حين تنتهي الحرب وتُعاد رسم خرائط التأثير الإقليمي، وأبرز هذه الفرص موقع سوريا كممر عبور مُحتمل للطاقة والتجارة: فمع اضطراب مضيق هرمز وتصاعد الاهتمام بطرق بديلة، يبرز الدور السوري مجدداً في سياق مشروع الممر الاقتصادي الهندي ـ الأوروبي (IMEC) وبدائل إمدادات الغاز الإقليمية، كما أن الانفتاح الدولي على دمشق، يُتيح لسوريا التفاوض من موقع أكثر تعافياً حين تستقر المنطقة، بيد أن هذه الفرص مشروطة بشرط صارم: هو الاستقرار السياسي الداخلي، فلا ممر تجارياً يُبنى على أرض متصدعة، ولا مستثمر يُخاطر في بيئة ينعدم فيها اليقين القانوني والأمني.
شرارة الحرب وتداعياتها الفورية على الاقتصاد السوري
مع بدء الضربات الأميركية ـ الإسرائيلية، كان رد الفعل الإيراني فورياً: إطلاق صواريخ باليستية باتجاه إسرائيل والأردن ودول الخليج، بما فيها البحرين والإمارات والكويت وقطر، وفي سوريا، سقط حطام صاروخ باليستي إيراني على مبنى سكني في مدينة السويداء، مما أسفر عن مقتل أربعة مدنيين على الأقل، في أبلغ تعبير رمزي عن أن «الحياد» لا يحمي دائماً من شظايا الحروب.
يقول الباحث الاقتصادي أحمد الفياض في تصريح لـ”٩٦٣+” أنه على المستوى الرسمي، التزمت الحكومة السورية صمتاً سياسياً حذراً، واكتفت بإجراءات حدودية مشددة مع لبنان والعراق تحسباً لامتداد النزاع، ولكن على أرض الواقع الاقتصادي، كانت التداعيات تتراكم بصمت، ففي قطاع الطاقة، وهو الحلقة الأضعف، حيث تُقدَّر شبكة التوزيع في المناطق الإيرانية بنقل ما بين 34 و40 مليون لتر من المنتجات النفطية يومياً، وقد أدت الضربات الإسرائيلية على مستودعات النفط الإيرانية في مارس 2025 إلى اضطراب إمدادات الوقود عالمياً، انعكس على السوق السورية التي كانت تعاني أصلاً من أزمة طاقة مزمنة، وزادت ساعات انقطاع الكهرباء في سوريا عقب توقف إمدادات الغاز من الأردن في الثاني من مارس 2026، في حلقة مفرغة ربطت الأزمة الإقليمية بمأساة يومية ألمّت بكل بيت سوري.
ويُحذر الباحث الاقتصادي من أن التأثير الحقيقي سيظهر إذا استمرت الحرب لفترة أطول، حيث ستنعكس على إمدادات الطاقة عالمياً عبر مضيق هرمز، ما يؤدي إلى توقف تدفق النفط والغاز وارتفاع أسعارها، وهو ما سيؤثر على جميع دول العالم بما فيها سوريا.
ويشير الفياض إلى أن قطاع الطيران والسياحة تأثر هو الآخر حيث أعلنت الخطوط الجوية السورية في الثامن والعشرين من فبراير إلغاء جميع الرحلات من وإلى مطاري دمشق وحلب، قبل أن تُعيد تنظيم رحلاتها جزئياً في الثاني عشر من مارس، وقدّرت دراسة صادرة عن مجلة “إندبندنت عربية” أن خسائر السياحة جراء الحرب ستتراوح بين 34 و56 مليار دولار على المستوى الإقليمي، في قطاع كانت سوريا تُراهن عليه للحصول على العملة الصعبة.
ويضيف أن سلاسل التوريد والأسعار، هي “اضطراب مؤجّل” حيث يعتمد الاقتصاد السوري في استيراده بشكل رئيسي على الطرق البرية عبر دول الخليج وتركيا والعراق، وهذه الطرق لم تتأثر بشكل مباشر حتى الآن، مما أبقى تدفق السلع مستمراً في المرحلة الأولى من الحرب، غير أن ارتفاع أسعار الشحن والطاقة عالمياً انعكس على أسعار السلع المحلية، محذّراً من أن ارتفاع الأسعار في سوريا سيكون أكبر من غيرها بسبب عدم قدرة الاقتصاد الوطني على التعافي السريع من أي صدمة خارجية، فسوريا تعاني اضطراباً في إمدادات الطاقة وعرقلةً في سلاسل الإمداد، وهي اقتصاد ينطلق من قاعدة منهكة.
ويكشف الفياض عن حجم الضرر الذي لحق بالقطاعات الاقتصادية السورية الرئيسية، حتى مطلع أبريل 2026، ففي قطاع الغذاء / القمح كان حجم التأثير متوسطاً، فأي اضطراب في سلاسل التوريد يهدد الأمن الغذائي، أما الطاقة كان حجم التأثير شديداً، أدى إلى توقف جزئي لغاز الأردن، زيادة انقطاع الكهرباء، ارتفاع أسعار المحروقات، أما في الاستيراد فكان حجم التأثير متوسطاً، فالطرق البرية لم تتأثر، لكن أسعار البضائع ارتفعت، وأيضاً العملة فالتأثير شديد، حيث حدث ضغط على الليرة في السوق الموازية، فقبل الحرب على إيران، كانت ثمة بصيصٌ من أمل، أما الآن، يقف الاقتصاد السوري أمام امتحان جديد بدون أي استعداد مسبق له.
اقرأ أيضاً: سوريا بين إدارة الصراع وتوازن النفوذ: من ساحة حرب إلى ورقة تفاوض في النظام الإقليمي – 963+
الصدمة العالمية وأثرها على سوريا
الخبير الاقتصادي المصري نبيل الحجازي يرى في تصريح لـ”٩٦٣+” أن الحرب في الشرق الأوسط أثرت سلباً على التوقعات المستقبلية لعدد من الاقتصادات التي كانت قد بدأت مؤخراً في التعافي من أزمات سابقة، فالحرب التي اندلعت في 28 فبراير أحدثت صدمة عالمية متفاوتة التأثير بين الدول، وعلى المستوى الإقليمي، اتخذت مصر قرارات طارئة بتخفيض مخصصات الوقود للمركبات الحكومية بنسبة 30% وتأجيل مشاريع حكومية كبرى، وارتفع سعر الغاز الطبيعي في الأسواق الأوروبية بأكثر من 50%، في مؤشر على عمق الصدمة العالمية التي ترتد عكسياً على الأسواق المنهكة كالسوق السورية.
ويوضح الحجازي أن الحالة السورية تتشابك في ثلاثة مسارات للتأثير: أولها مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 21% من تجارة النفط العالمية، وأي إغلاق له يعني ارتفاعاً حاداً في أسعار الطاقة تدفع ثمنه سوريا مضاعفاً بسبب ضعف احتياطياتها، وثانيها سلاسل التوريد الغذائي إذ يعتمد البلد على استيراد القمح وغيره من الحبوب، وأي اضطراب تجاري يُهدد الأمن الغذائي لملايين السوريين، وثالثها تدفق الاستثمار الأجنبي الذي كان قد بدأ يُلوح في الأفق مع الانفتاح الدولي على دمشق، وبات الآن رهينة لعدم اليقين الإقليمي، فاقتصاد ينكمش 54% لا يملك فسحة لاستيعاب صدمات خارجية، وأي موجة غلاء جديدة تقع مباشرة على أكتاف المواطن السوري الذي استنفد هوامش صموده.
ويرى حجازي أن وقف إطلاق النار، وفتح هرمز وعودة الثقة، سيؤدي في سوريا إلى تعافٍ تدريجي، وعودة الاستثمار، واستمرار فرصة دور سوريا كممر، أما في حال هدنة متقطعة، واضطراب جزئي مستمر، فالتداعيات على سوريا، تباطؤ النمو وضغط على الليرة، وتقليص مشاريع إعادة الإعمار.
ويشير حجازي إلى أن هدنة لمدة أسبوعين أُعلنت في السابع من أبريل 2026، مع تبادل مسودات أولية للتفاوض بين طرفَي النزاع، هذا المسار يفتح نافذة على حالة ترقب على المدى القريب، غير أن المآل النهائي يبقى رهين مآل المفاوضات حول الملف النووي الإيراني وتوازنات القوى الإقليمية.
ويختم حجازي بالقول إن الاقتصاد السوري في مرحلة التعافي هو اقتصاد بلا شبكات أمان حقيقية، فهو يفتقر إلى احتياطيات نقدية قادرة على استيعاب الصدمات، ويعتمد على استيراد السلع الأساسية بشكل قد يجعل أي اضطراب في سلاسل التوريد كارثةً غذائية، وأجور موظفيه لا تكفي لمواجهة ارتفاع الأسعار في الأيام الاعتيادية، فكيف بموجات تضخمية جديدة تنجم عن حرب إقليمية؟
والأخطر من ذلك أن الفجوة بين التوقعات والواقع تتسع: حيث كانت الحكومة السورية تتحدث عن نمو 5–10% لعام 2026، بينما تُشير أرقام صندوق النقد الدولي المُعدَّلة إلى 4–6% في أحسن الأحوال، وقد تكون الحرب قد دفعت هذا الرقم نحو الصفر أو أدنى منه.
وما يُميّز المأزق السوري عن نظيره في دول المنطقة هو غياب الامتصاص المؤسسي: لا برلمان منعقداً لإقرار موازنة طوارئ، ولا بنك مركزي قادراً على تدخلات فعّالة، ولا صناديق سيادية تحمي العملة الوطنية، فسوريا تواجه عاصفة إقليمية بنوافذ مفتوحة وسقف هش، والمواطن السوري هو الذي يدفع الفاتورة أولاً وأخيراً.
The post الاقتصاد السوري في ظل تداعيات الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران appeared first on 963+.





