الأحزاب السياسية تغرق في صراعات المصالح وتكشف زيف خطاب الانسجام مع اقتراب الانتخابات
لم يعد خافيًا أن ما كانت تروّج له الأحزاب السياسية من “انسجام حكومي” لم يكن سوى واجهة مؤقتة سرعان ما انهارت عند أول اختبار حقيقي مع اقتراب الانتخابات، فبمجرد أن بدأت حسابات التزكيات والمرشحين تطفو على السطح، انكشف المستور، وتحول التحالف الذي كان يُقدَّم كـ”تكتل قوي” إلى ساحة صراع مفتوح بين أطرافه.
الأحزاب السياسية الثلاثة المشكلة للأغلبية لم تعد قادرة حتى على الحفاظ على الحد الأدنى من التفاهم، بعدما دخلت في سباق محموم لاستقطاب الأسماء واحتكار النفوذ، هذا السباق لم يُفرز تنافسًا ديمقراطيًا نزيهًا، بل أطلق موجة من التنافر السياسي، حيث أصبح كل حزب يشتغل بمنطق الغنيمة بدل منطق المسؤولية.
انعكاسات هذا التوتر لم تبقَ حبيسة الكواليس، بل امتدت إلى المجالس المنتخبة، سواء على مستوى الجماعات أو الجهات، حيث تحولت هذه المؤسسات إلى بؤر صراع يومي، في عدد من المدن الكبرى، لم تعد الأغلبية منسجمة حتى مع نفسها، وبرزت أصوات معارضة من داخل نفس التحالف، في مشهد يكشف حجم الارتباك وفقدان البوصلة السياسية.
الواقع اليوم يُظهر أن ما كان يُسمى “تحالف الكبار” لم يكن سوى تحالف مصالح ظرفية، سرعان ما تفكك تحت ضغط الامتيازات وتقاسم النفوذ، الاتهامات المتبادلة أصبحت القاعدة، والتسيير دخل في نفق مسدود في أكثر من مجلس، بسبب صراعات بين الرؤساء ونوابهم، أو بين المستشارين أنفسهم، في غياب أي قدرة حقيقية لقيادات الأحزاب على ضبط قواعدها.
الأخطر أن هذا الوضع يتزامن مع تحركات انتهازية لعدد من المنتخبين الذين بدأوا في تغيير ولاءاتهم السياسية بحثًا عن مواقع أفضل في الانتخابات المقبلة، لا حديث اليوم عن برامج أو رؤى، بل عن من سيحصل على التزكية، ومن سيظفر برئاسة مجلس، ومن سيصعد إلى البرلمان.
ومن أكثر المظاهر إثارة للقلق، تحول العمل السياسي لدى البعض إلى مشروع عائلي، حيث بدأ منتخبون وبرلمانيون في الدفع بأبنائهم إلى الواجهة، ليس بدافع الكفاءة، بل لضمان استمرارية النفوذ وتوريث المواقع، وكأن السياسة لم تعد خدمة للشأن العام، بل “حرفة” تُنقل داخل العائلات، بهدف الحفاظ على الامتيازات وربما الوصول إلى مناصب وزارية مستقبلاً.
في ظل هذا المشهد، تبدو الأحزاب السياسية وكأنها فقدت دورها الحقيقي، وتحولت إلى مجرد آليات لتوزيع المناصب وإعادة إنتاج نفس النخب. أما المواطن، فيبقى الغائب الأكبر، يدفع ثمن صراعات لا علاقة لها بمطالبه ولا بانتظاراته.





