قطع العشرات من سائقي الشاحنات في مدينة حماة الطريق في ساحة العاصي، الأحد 23 من آب، في احتجاج على احتكار نقل البضائع من قبل جهات خاصة، مطالبين بحصر الحمولات بمكاتب تنظيم نقل البضائع الحكومية.
وتكشف شهادات سائقين لعنب بلدي عن معاناة متراكمة منذ سنوات، دفع بعضهم إلى بيع شاحناته بخسارة، في وقت تتعطل فيه مئات المركبات المسجلة في مكتب الدور بينما تعمل شاحنات خاصة داخل منشآت الدولة، وسط اتهامات بمحسوبيات تكرس الاحتكار وتحرم المئات من مصدر رزقهم الوحيد.
ويعتقد المحتجون أن قوانين النقل الصريحة تجري مخالفتها يوميًا على حساب أرزاقهم.
تجار احتكروا النقل
السائق عامر كلكل قال، لعنب بلدي، إنه يملك شاحنة متوقفة عن العمل منذ عام 2016، بعد أن غادر المدينة هاربًا مع بدء طلب الاحتياط للجيش، ويعمل اليوم سائقًا لدى آخرين، بينما يعرض سيارته للبيع.
وأوضح كلكل أن هناك تجارًا احتكروا سوق نقل الأحمال في معمل الحديد ومعمل الأسمنت وأحمال الحنطة، وهم يوظفون أشخاصًا مقربين منهم لنقل تلك البضائع، بينما يبقى سائقو مكتب الدور بلا عمل، معتبرًا أن المحسوبيات تقف عائقًا بينهم وبين رزقهم.
وأشار إلى أن معظم من خرج في الاحتجاج رجال تجاوزوا الـ60 عامًا، نزلوا بسياراتهم ونظموا هذا الاعتصام للمطالبة بحقوقهم، موضحًا أن مكتب الدور يحوي 800 سيارة شحن، كلها تقف من دون عمل.
مطالب المحتجين تتمثل في إلغاء العمل بالوصل الخاص وتذكرة التحميل الخاصة، وإخضاع جميع الأحمال لمكاتب تنظيم نقل البضائع، بما في ذلك معامل الأسمنت والحديد وسائر المعامل، لأنها حاليًا تخضع لتجار يجلبون مقربين منهم لنقل البضائع من دون مكتب دور.
وأضاف أن معظم هؤلاء التجار يملك عددًا كبيرًا من سيارات الشحن، مما يحرم أصحاب الشاحنات في مكتب الدور من فرصة التحميل، وقد دفع هذا الوضع كثيرًا من أصحاب السيارات إلى بيع شاحناتهم وترك المهنة، بعد أن كانت مصدر رزقهم منذ زمن طويل.
وأكد كلكل أن سيارات السائقين تقدر بآلاف الدولارات، لكن لم يعد لها أي ثمن في السوق، مشيرًا إلى أن هناك الكثير من البرادات واللوادر والصهاريج التي كانت تعمل على الغنم والحنطة والأسمنت والحديد، وهي واقفة منذ زمن طويل.
معامل الدولة تكفي لتشغيل المكتب كاملًا
من جانبه، قال السائق مصطفى محمود ربيعة، من مدينة حماة، لعنب بلدي، إن السائقين نزلوا إلى ساحة العاصي لإطلاع الجهات المعنية على المعاناة التي يعيشونها، مؤكدًا أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الحماية لسيارات النقل البري.
وأوضح ربيعة أن بعض الأشخاص احتكروا تلك الأحمال، فصار لديهم أسطول من سيارات الشحن، بينما من حرموا من المهنة اضطروا لبيع سياراتهم.
وشدد على أن هناك العديد من المعامل التابعة للدولة، قام بعض التجار بالسيطرة عليها، معتبرًا أن هذين المعملين كافيان وحدهما لتشغيل مكتب الدور بالكامل.
أنظمة تجري مخالفتها
بدوره، كشف محمد عبد الجبار حلبية، المتحدث باسم السائقين في مكتب الدور ومكتب تنظيم نقل البضائع في حماة، لعنب بلدي، عن تفاصيل التجاوزات التي يعاني منها السائقون، مؤكدًا أنهم يواجهون تعديًا على حقوقهم وقوانين وزارة النقل.
وأوضح حلبية أن الأنظمة والتعاميم الصريحة، ولا سيما القرار رقم “924” لعام 1984 والتعميم الوزاري رقم “8103/38/غ”، تنص بوضوح على عدم جواز تحميل سيارات الشحن العامة من مؤسسات وشركات القطاع العام إلا عبر إدراج الحمولة ضمن مكتب الدور أصولًا، ولا يُستثنى من ذلك إلا الشاحنات المملوكة حصرًا لنفس مالك الشركة أو المؤسسة الخاصة لنقل منتجاتهم، بشرط مطابقة الملكية بالكامل.
لكن ما يجري العمل به اليوم في معامل أسمنت الدولة بحماة، بحسب حلبية، يعد مخالفة جسيمة لكل هذه الأنظمة، وسحقًا لحقوق مئات السائقين وأصحاب الشاحنات، إذ تُفرض شاحنات خاصة لتفريغ وتحميل الأسمنت من داخل المنشأة الحكومية، متجاوزة مكتب الدور بالقوة والنفوذ، ومتجاهلة القوانين المرعية ومصادر رزق شريحة واسعة من أهالي المنطقة.
وكشف حلبية أن السائقين تقدموا باستدعاء رسمي للمحافظة، في 2 من آب، وحصلوا على رقم مراجعة أصولي، غير أن المعاملة دخلت في دوامة من المماطلة والتسويف اليومي.
ورغم عقد اجتماع مع المسؤولين والحصول على وعود بمتابعة القضية مع الأطراف المعنية، بحسب حلبية، لم يُنفذ أي حل ملموس على الأرض، وهو ما دفع الأهالي والسائقين إلى الخروج بمسيرة احتجاجية في ساحة العاصي بحماة للمطالبة بإنهاء هذه التجاوزات.
وأضاف أن السائقين توجهوا عقب الاحتجاج إلى إدارة المعامل، واجتمعوا باللجنة الإدارية وأحد المستثمرين القائمين على التشغيل، وأوضحوا لهم بالوثائق المستندية والقرارات الوزارية أن المنشآت التابعة للدولة يلزمها القانون بإسناد حمولاتها لمكتب الدور، وأن الاستثمار لا يعفي أي جهة من الانصياع للقوانين النافذة أو استخدام سيارات غير مرخصة لنقل بضائع القطاع العام، ما لم تكن طابو رسمي ومملوكة للمنشأة نفسها.
وبيّن أن الاجتماع انتهى بوعدٍ من اللجنة الإدارية والمستثمرين بمعالجة الملف خلال عشرة أيام، دون أن تحدد تلك الجهات آلية التنفيذ أو تقدم ضمانات فعلية على الأرض.
وطالب حلبية الجهات المعنية بالتدخل العاجل لإعادة الأمور إلى نصابها القانوني، وتطبيق القرارات الوزارية بحزم، وإبعاد الجهات التي تستغل نفوذها لفرض أشكال غير قانونية من التحميل على حساب قوت السائقين ومكاتب النقل الرسمية.
لافتات تحمل المطالب
رصدت عنب بلدي اللافتات التي رفعها السائقون على شاحناتهم خلال الاحتجاج، حيث تلخصت مطالبهم بوضوح في الالتزام التام بالقرارات الصادرة عن وزارة النقل والجهات السيادية، وإخضاع عمليات نقل البضائع من جميع المنشآت والمعامل العائدة للدولة لمكتب نقل البضائع دون أي استثناء.
وطالبت اللافتات أيضًا بالإلغاء الفوري للعمل بالوصل الخاص وتذاكر التحميل الاستثنائية التي تُمنح خارج إطار القانون، إلى جانب إخضاع كافة الأحمال في معامل الإسمنت والحديد وبقية المنشآت الصناعية بحماة لمظلة مكتب تنظيم نقل البضائع، ضمانًا للعدالة وتكافؤ الفرص بين السائقين.
ما مكاتب تنظيم نقل البضائع؟
تُعد مكاتب تنظيم نقل البضائع جزءًا من البنية القانونية للنقل في سوريا، إذ أنشئت عام 1965 بقرار رسمي، لضبط توزيع الحمولات على الشاحنات ضمن ما يُعرف بنظام الدور المتسلسل.
ونصت القوانين والأنظمة الداخلية لتلك المكاتب على أن النقل يجب أن يتم حصرًا من خلالها، وتحت إشراف مراكز المراقبة، لضمان العدالة بين السائقين ومنع الاحتكار.
ويأمل السائقون أن تفضي احتجاجاتهم ومراجعاتهم إلى تدخل جاد من الجهات المعنية، يعيد الاعتبار لنظام الدور الحكومي، ويرفع الغبن عن مئات العائلات التي تعتمد على النقل البري مصدرًا وحيدًا للرزق، قبل أن تتحول ساحة العاصي من مساحة احتجاج إلى شاهد على انهيار قطاع كامل.

