أثار انتشار ملصقات ومنشورات ورقية في عدد من شوارع مدينة حلب، تدعو إلى عدم الاحتفال بالمولد النبوي وتصفه بـ”البدعة”، تفاعلًا واسعًا بين الأهالي.
الجدل امتد حتى إلى بعض المساجد، حيث شهد أحدها احتجاج عدد من المصلين وانسحابهم في أثناء خطبة الجمعة، عقب حديث الخطيب عن الاحتفال بالمولد النبوي بوصفه “بدعة”.
الحادثتان وسعتا دائرة النقاش من المنابر الدينية إلى الشارع، وأثارتا ردود فعل متباينة بين من عدّهما تعبيرًا عن اجتهاد ديني، ومن رأى فيهما محاولة للتأثير على ممارسات اجتماعية ودينية اعتادها جزء من المجتمع منذ عقود.
وبعيدًا عن الجدل الفقهي المتعلق بالاحتفال بالمولد النبوي، يطرح هذا السجال تساؤلات حول انعكاس الخطابات الدينية المتباينة على التماسك المجتمعي، ومدى قدرة المجتمع على استيعاب اختلاف الممارسات المرتبطة بالمناسبات الدينية دون أن تتحول إلى مصدر للاستقطاب أو التوتر.
هذه التساؤلات لها أهمية خاصة في مدينة مثل حلب، التي عُرفت تاريخيًا بتنوعها الاجتماعي والديني، وبحضور أنماط مختلفة من التعبير عن المناسبات الدينية.
كما يجعل النقاش يتجاوز مضمون المنشورات أو ما يُطرح على المنابر، إلى طبيعة إدارة الاختلاف داخل المجتمع، وحدود قبول التنوع في الممارسات والعادات المرتبطة بالدين.
الخطاب الديني ينتقل إلى الشارع
يرى الكاتب والباحث الديني، أمير ناشر النعم، أن المنشورات التي انتشرت في شوارع مدينة حلب ودعت إلى عدم الاحتفال بالمولد النبوي ووصفت المناسبة بـ”البدعة”، لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد موقف فقهي، بل باعتبارها ظاهرة اجتماعية تعكس تحولًا في طريقة حضور الخطاب الديني داخل المجال العام.
وقال ناشر النعم، لعنب بلدي، إن استخدام الجدران وأعمدة الكهرباء وأبواب المساجد لنشر رسائل دينية ليس ظاهرة جديدة، إذ عرفت المدن الإسلامية عبر تاريخها الكتابة في الفضاء العام لإعلان مواقف دينية أو مذهبية أو سياسية، أو للتأثير في الرأي العام وإذكاء النقاشات الفكرية.
رسائل من الدعوات
ما يميز المنشورات الأخيرة في حلب أنها تحمل رسالتين في الوقت نفسه، الأولى مباشرة تتمثل في الدعوة إلى عدم الاحتفال بالمولد النبوي ووصفه بأنه “بدعة”، بحسب الكاتب والباحث الديني، أمير ناشر النعم.
أما الرسالة غير المباشرة فتتمثل في محاولة طرح تصور ديني مختلف يسعى إلى تثبيت حضوره داخل الشارع الحلبي، بعدما كان هذا النوع من النقاشات يقتصر غالبًا على الكتب والدروس الدينية والمنابر العلمية.
وأوضح الباحث أن اختيار الشارع مكانًا لنشر هذه الرسائل لا يخاطب أتباع هذا التوجه فقط، وإنما يستهدف المجتمع بأكمله، ما يجعل المنشور أقرب إلى بيان ديني موجه للرأي العام منه إلى فتوى مخصصة لطلاب العلم أو رواد المساجد.
ولفت إلى أن الظاهرة تعكس أيضًا تحولًا في أدوات التأثير الديني، إذ لم يعد توجيه الناس في القضايا الدينية محصورًا بالمؤسسات الدينية التقليدية والعلماء.
جماعات وتيارات مختلفة، وفقًا لناشر النعم، باتت تخاطب الجمهور مباشرة، مقدمة رؤيتها لما يجب فعله أو تجنبه.
دور التحولات السياسية
هذا الأمر ينقل الخلافات الفقهية من إطارها التخصصي إلى المجال الاجتماعي المفتوح، حيث تصبح الممارسات اليومية نفسها محل تقييم وإعادة توجيه.
وأشار الباحث إلى أن انتشار هذه المنشورات قد يرتبط أيضًا بالتحولات السياسية التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام الأسد.
بعض الأوساط السلفية، التي بقيت سنوات طويلة على هامش المجال العام، قد تشعر اليوم بأن الظروف أصبحت أكثر ملاءمة لإظهار خطابها بصورة علنية، خاصة في ظل وجود سلطة خرجت من بيئة كانت لها في السابق خلفية سلفية جهادية، رغم تحول خطابها لاحقًا إلى خطاب سياسي وطني.
وأضاف أن هذا الواقع قد يمنح بعض المنتسبين إلى هذا التيار شعورًا بأن المجال العام بات أكثر تقبلًا لطرح رؤيتهم، وهو ما يفسر، بحسب رأي الباحث، الجرأة في نقل هذه الأفكار إلى الشارع والتوجه بها مباشرة إلى الناس.
الاحتفال يرتبط بالذاكرة الجماعية
يرى ناشر النعم أن الاحتفال بالمولد النبوي في مدينة مثل حلب لا يقتصر على كونه ممارسة دينية، بل يرتبط أيضًا بالذاكرة الجماعية والعادات الاجتماعية التي توارثتها الأسر الحلبية عبر عقود طويلة.
وصف هذه المناسبة بأنها “بدعة” لا يستقبل بوصفه رأيًا فقهيًا مجردًا، بل باعتباره مساسًا بجزء من الهوية الاجتماعية والدينية للمدينة.
وأشار إلى أن حلب شهدت عبر تاريخها نقاشات فقهية حول هذه القضية، إلا أن الاحتفال بالمولد بقي حاضرًا في الحياة الدينية والاجتماعية، وأصبح جزءًا من التقاليد الراسخة التي اعتادها المجتمع.
حجم التوتر الذي يمكن أن تثيره مثل هذه الخطابات ظهر بوضوح خلال إحدى خطب الجمعة، عندما اعترض عدد من المصلين على الخطيب بعد وصفه الاحتفال بالمولد بأنه “بدعة”، وغادر بعضهم المسجد في أثناء الخطبة.
فيما علت أصوات الاعتراض داخل المسجد، في مشهد غير مألوف بالنظر إلى الأعراف التي تقوم عليها خطبة الجمعة، والتي تقوم على الإنصات للخطيب وعدم مقاطعته.
وقال الباحث، إن أهمية هذه الحادثة لا تكمن في الاعتراض بحد ذاته، وإنما في أن تجاوز المصلين لهذه الأعراف يعكس حجم الحساسية التي أثارها هذا الخطاب، بعدما تجاوز الخلاف حدود الاجتهاد الفقهي إلى صلب العلاقة بين التدين الشعبي الموروث والخطابات الدينية التي تسعى إلى إعادة تقييمه وتغيير ممارساته.
وأشار إلى أن إعفاء الخطيب من الخطابة بعد الحادثة يؤكد حجم التفاعل الذي أحدثته القضية داخل المجتمع، ويعكس في الوقت نفسه حساسية التعامل مع القضايا الدينية التي تمس الموروث الاجتماعي للمدينة.
بين الدين والسياسة والمجتمع
يرى الباحث أن القضية لم تعد دينية فقط، بل باتت تحمل أبعادًا اجتماعية وسياسية أيضًا، إذ إن بعض أبناء حلب باتوا يتعاملون مع التمسك بالاحتفال بالمولد باعتباره وسيلة للحفاظ على هوية المدينة الدينية والاجتماعية، وفي الوقت نفسه تعبيرًا عن موقفهم من التحولات التي يشهدها المجال العام بعد تغير السلطة.
بعض الأوساط السلفية تنظر، في المقابل، إلى الاتجاهات الصوفية باعتبارها كانت قريبة من السلطة السابقة، وهو ما يجعل التضييق على بعض مظاهرها، في نظر هذه الأوساط، امتدادًا للصراع مع إرث المرحلة السابقة، وليس مجرد خلاف فقهي حول مناسبة دينية.
كما أشار إلى أن انتشار الاعتقاد لدى بعض السوريين بأن الجهات التي تقف خلف هذه المنشورات تحظى بتأييد أو تساهل من السلطة، يجعل التمسك بإحياء المولد لدى البعض يأخذ بعدًا رمزيًا يتجاوز الاحتفال نفسه، ليصبح تعبيرًا عن الدفاع عن هوية المدينة وموروثها الاجتماعي.
واعتبر أن القضية باتت تتداخل فيها ثلاثة مستويات يصعب الفصل بينها، تتمثل في الخلاف الفقهي حول حكم الاحتفال بالمولد، والتمسك بعادة اجتماعية متوارثة، والمواقف السياسية المرتبطة بالمرحلة الانتقالية.
كيف يدار الاختلاف؟
أكد ناشر النعم أن مسؤولية الحد من الاستقطاب تقع بالدرجة الأولى على عاتق العلماء والنخب الدينية، من خلال ترسيخ ثقافة تفرق بين الحكم على الفعل والحكم على الأشخاص، بحيث يبقى لكل تيار الحق في عرض اجتهاده وأدلته دون اللجوء إلى التشهير أو التشكيك في تدين المخالفين.
وقال إن من الضروري تجنب تحميل المخالفين لوازم لم يلتزموا بها، مستشهدًا بالقاعدة الفقهية التي تقول إن “لازم المذهب ليس بمذهب”، معتبرًا أن الحفاظ على هذا المبدأ يمنع انتقال الخلاف من دائرة النقاش العلمي إلى دائرة الخصومة الاجتماعية.
كما شدد على أهمية إبقاء الخلافات الفقهية ضمن إطارها الطبيعي، وعدم تحويلها إلى هويات متقابلة أو صراعات بين فئات المجتمع، لأن ذلك يزيد من حدة الانقسام ويهدد التماسك الاجتماعي، خاصة في مجتمع متنوع مثل المجتمع السوري.
احترام التنوع في الممارسات الدينية يمثل أحد أهم أسس الاستقرار المجتمعي، بحسب ناشر النعم، داعيًا المؤسسات الدينية إلى ترسيخ خطاب يقوم على الاعتراف بالتعدد والحوار.
كما دعا الدولة، في ظل المرحلة الانتقالية، إلى ضمان حيادها تجاه مختلف التيارات الدينية، بما يشعر جميع المواطنين بأن المجال الديني مفتوح للجميع ضمن إطار القانون، ومن دون منح أفضلية لتيار على حساب آخر.
ويأتي الجدل بالتزامن مع إعلان الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية تعطيل الجهات العامة الثلاثاء 25 من آب، بمناسبة ذكرى المولد النبوي، مع استثناء الجهات التي تتطلب طبيعة عملها استمرار الدوام، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء السورية (سانا).
ميثاق “وحدة الخطاب الإسلامي”.. هل ينجح في حماية السلم الأهلي


