🕐 --:--
-- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
429920 مقال 250 مصدر نشط 79 قناة مباشرة 2504 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

الإدارة بين الحكمة والعناد

معرفة وثقافة
سواليف
2026/05/31 - 06:42 502 مشاهدة

الإدارة بين الحكمة والعناد

الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

لا تسقط المؤسسات العظيمة عادة بسبب خطأ عابر أو قرار غير موفق، فالأخطاء جزء طبيعي من العمل الإنساني، بل إن كثيراً من النجاحات الكبرى وُلدت من رحم التجارب الفاشلة والدروس القاسية. غير أن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول الخطأ إلى موقف يجب الدفاع عنه، وعندما يصبح الاعتراف بالحقيقة أكثر إيلاماً لبعض المسؤولين من استمرار الضرر الذي يسببه القرار الخاطئ. عندها لا تكون المشكلة في الخطأ ذاته، بل في العقلية التي ترفض الاعتراف به، وتصر على تجميله وتبريره مهما كانت النتائج.

في عالم الإدارة الحديثة، لم يعد القائد يقاس بعدد القرارات التي يتخذها، بل بقدرته على مراجعتها وتصحيحها متى اقتضت المصلحة ذلك. إلا أن بعض البيئات الإدارية ما زالت أسيرة نمط من التفكير يرى في المنصب حصانة من النقد، وفي التراجع عن القرار ضعفاً، وفي الاعتراف بالخطأ انتقاصاً من الهيبة. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ”التأزيم الإداري”، وهو حالة تتقدم فيها الأنا الشخصية على المصلحة المؤسسية، وتصبح صورة المسؤول أهم من مستقبل المؤسسة التي يقودها.

ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تبدأ بأزمة كبيرة، بل بسلوك يومي متكرر؛ موظف يلاحظ خللاً لكنه يلتزم الصمت خوفاً من رد الفعل، ومدير يدرك أن قراره لم يكن موفقاً لكنه يرفض الاعتراف بذلك، وفريق عمل يتجنب إبداء الرأي المخالف حتى لا يُتهم بعدم الولاء. ومع مرور الوقت تتراكم الأخطاء الصغيرة لتتحول إلى أزمات كبيرة، بينما يستمر الجميع في تمثيل مشهد النجاح الظاهري الذي يخفي وراءه واقعاً مختلفاً تماماً.

لقد أثبتت دراسات السلوك التنظيمي أن المؤسسات الأكثر نجاحاً ليست تلك التي لا تخطئ، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على اكتشاف أخطائها مبكراً ومعالجتها بشفافية. فالباحثون في الإدارة يؤكدون أن بيئات العمل التي تسمح بالنقد البناء والحوار المفتوح تتفوق في قدرتها على الابتكار والتكيف والاستجابة للتحديات. وعلى النقيض من ذلك، فإن المؤسسات التي تسود فيها ثقافة الخوف وإرضاء المسؤول تصبح أكثر عرضة للأزمات، لأن المعلومات الحقيقية لا تصل إلى صناع القرار، ولأن العاملين يفضلون الصمت على المواجهة.

وفي كثير من الأحيان يتقمص بعض المسؤولين دور “الإداري الذي لا يخطئ” الذي يرى المؤسسة امتداداً لشخصه، لا كياناً مستقلاً له أهدافه ورسالته. في مثل هذه الحالة يصبح الاختلاف مع القرار نوعاً من التمرد، وتتحول الاجتماعات إلى مناسبات لتأكيد الصواب لا لاكتشاف الحقيقة. ومع الوقت تتراجع روح المبادرة، وتذبل الأفكار الجديدة، ويشعر أصحاب الكفاءة بأن خبراتهم لم تعد ذات قيمة، فيختار بعضهم الرحيل بينما يختار آخرون الصمت، وفي الحالتين تكون المؤسسة هي الخاسر الأكبر.

إن التأزيم الإداري لا يقتصر أثره على حدود المؤسسة فحسب، بل يمتد إلى المجتمع بأسره. فالثقافة التي ترفض الاعتراف بالخطأ في مكان العمل تنتقل تدريجياً إلى العلاقات الاجتماعية والمؤسسات التعليمية وحتى الحياة العامة. وعندما يرى الناس أن المكابرة تُكافأ أكثر من الصراحة، وأن التبرير يحظى بقبول أكبر من التصحيح، تتراجع قيم المساءلة والمسؤولية لتحل محلها ثقافة الدفاع عن المواقف مهما كانت نتائجها.

ولذلك فإن مواجهة التأزيم الإداري تبدأ من إعادة تعريف مفهوم القوة في الإدارة. فالقائد القوي ليس من يفرض رأيه على الجميع، بل من يمتلك الشجاعة الكافية لمراجعة نفسه. والقائد الناجح ليس من لا يخطئ، بل من يتعلم من أخطائه بسرعة أكبر من الآخرين. أما الهيبة الحقيقية فلا تُبنى على الخوف ولا على الصمت، وإنما تُبنى على الثقة والعدالة والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح حتى لو استلزم ذلك الاعتراف بأن القرار السابق لم يكن صائباً.

كما أن المؤسسات مطالبة اليوم ببناء ثقافة تنظيمية تشجع على الحوار وتكافئ المصارحة وتعزز المساءلة، لأن بيئات العمل التي يشعر فيها الموظفون بالأمان للتعبير عن آرائهم هي الأكثر قدرة على التطور والاستمرار. فالحقيقة لا تضعف المؤسسات كما يعتقد البعض، بل تحميها من الانهيار، والنقد البناء ليس تهديداً للإدارة بل صمام أمان لها.

في النهاية، يمكن القول إن أخطر مدير ليس ذلك الذي يخطئ، فكل البشر يخطئون، وإنما ذلك الذي يرى الخطأ واضحاً أمامه ثم يختار الدفاع عنه حفاظاً على صورته الشخصية. فالخطأ عندما يُعترف به يتحول إلى درس وخبرة، أما عندما يُنكر ويُبرر فإنه يتحول إلى أزمة، ثم إلى ثقافة، ثم إلى مسار قد يقود مؤسسة كاملة إلى التراجع. وبين الاعتراف والمكابرة تتحدد مصائر المؤسسات، ويُصنع الفرق بين قيادة تبني المستقبل وقيادة تستهلكه دفاعاً عن وهم العناد الذي يحرسه والعمى الذي يغذيه والكبرياء الذي يستنزفه حتى يبتلع المؤسسة ومن فيها.

هذا المحتوى الإدارة بين الحكمة والعناد ظهر أولاً في سواليف.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤
FREE Free 1GB Internet + Free International Calls

$1 trial — eSIM in 190+ countries — No roaming charges

Download Free