الإدارة الحكومية : فيل في الغرفة أم حصان ميت؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
على طاولة مجلس الوزراء نسخة مطبوعة من عرض تقديمي في واحد وعشرين شريحة. المستشار الخارجي يتحدث عن المرحلة المقبلة. وموظفة في ديوان المجلس تقف في الخلف تتصفح هاتفها لأنها تحفظ العرض عن ظهر قلب، فقد حضرتْه من قبل كثيرًا، لكن تحت عناوين أخرى.المشروع المطروح هو نفسه الذي أطلقته الجهة قبل ست سنوات باسم مختلف. تبدّلت الصياغات، وأعاد الفريق ترتيب المحاور، وأضاف إلى العنوان كلمة (رقمي)، لكن الفكرة بقية نفسها، والمخرجات بقية نفسها، والمؤشرات التي لم تتحرك نفسها. لا أحد يسأل السؤال الوحيد الذي يستحق أن يُطرح: هل الفرض الذي بُني عليه هذا المشروع ما يزال صحيحا أصلًا؟بعد ساعتين يخرج الجميع بمصفوفة عمل محدثة. ترسلها الموظفة بالبريد الإلكتروني. لا يفتحها أحد. بعد ثلاثة أشهر تنعقد جلسة متابعة لمناقشة أسباب التعثر. يتفق الجميع على تشكيل فريق تنسيقي. يكتب أحدهم التقرير ويرسله إلى الديوان الذي تعمل فيه الموظفة، والتي بدورها تصيغ خطاب موجه لتُشكيل لجنة مراجعة موسوم بختم و ترويسة المجلس. ويستمر كل شيء.هذا صباح عادي في مئات المؤسسات، من الوزارات إلى المنظمات، ومن مكاتب المانحين إلى غرف الاجتماعات العليا.يقول المثل : "حين تكتشف أنك تمتطي حصانًا ميتًا، فإن أفضل استراتيجية هي أن تترجّل".الإصرار على ركوب الحصان الميت هو الواقع المؤسسي، هو كل شيء عدا الترجّل: تغيير السرج، تبديل الفارس، تشكيل لجنة لدراسة أداء الحصان، الاستعانة بخبير دولي لتقييم حيوية الحصان، إعادة تسمية الحصان، أو في أسوأ الحالات ربط عدة أحصنة ميتة معًا أملًا في أن تتحرك، وهنا تتجسد تسمية الفيل.في هذه الحالة لا يجرؤ أحد على القول إن الحصان قد مات، إنما يقولون إنه يحتاج إلى مراجعة، أو إعادة هيكلة، أو منصة جديدة، أو فريق دعم، أو مرحلة ثانية. ويصر الجميع على إصلاح السرج لأن إصلاح السرج يُنتج حركة: اجتماعًا، وتقريرًا، ومهمة، ومسارًا فرعيًا، وبداية وهمية. ولهذا يستمر ضخ الوقت والمال والجهود في شيء فقد شروط حياته، لأن النزول عنه يفتح أسئلة لا يريد أحد فتحها: من الذي قرر هذا المسار أصلًا؟ ومن وقّع؟ ومن موّل؟ ومن استفاد؟ ومن سيُسأل إذا قيل الآن، بعد كل هذا الوقت، إننا كنا نبني فوق فرضية منتهية الصلاحية؟هذا هو جوهر العطب: أن تصبح كلفة الاعتراف بالموت أعلى من كلفة استمرار الفشل.ركوب الحصان الميت لا يستمر عبثًا، فله منطق يبدو معقولًا تم...



