“لو عاد الزمن”.. حين يتحول التفكير بالماضي إلى مرآة للذات
“لو عاد الزمن، لكنتُ أكثر لطفًا مع نفسي. أمضيتُ سنواتٍ طويلة وأنا أُقارن نفسي بالآخرين، أبحث عن الكمال في كل شيء، في شكلي، في قراراتي، في نظرة الناس لي. كنت أظن أن القسوة على الذات طريق للنجاح، لكنها كانت طريقًا للتعب فقط. لو عاد الزمن، لتعلمتُ أن أحتضن ضعفي، أن أقبل أخطائي، وأن أُدرك أنني أستحق الحب كما أنا، لا كما يريدني الآخرون”. بهذه العبارات بدأت شيماء قصتها لـ”963+”، مستعيدةً شريط سنواتٍ مضت، اختلطت فيها الأحلام بالضغوط، والاختيارات بالرغبات المؤجلة.
في لحظات التأمل الصادقة، كثيراً ما يعود الإنسان بذاكرته إلى الوراء، متسائلاً: ماذا لو أُتيحت لنا فرصة البدء من جديد؟ هذا السؤال لا يحمل فقط حسرة على ما مضى، بل يكشف أيضاً عن نضجٍ متأخر وفهمٍ أعمق للحياة.
وفي تجربة النساء على وجه الخصوص، تتداخل الضغوط الاجتماعية والنفسية مع القرارات المصيرية، ما يجعل فكرة “لو عاد الزمن” مساحة غنية للاعتراف، والمراجعة، وربما التصالح مع الذات.
وبينما شيماء تُعيد قراءة ماضيها بعينٍ أكثر رحمة، كانت هناك حكاية أخرى تسير في اتجاهٍ مختلف، لكنها تلتقي معها في عمق السؤال ذاته.
وتقول سوزان لـ”963+”: “لو عاد الزمن، لما انتظرتُ طويلاً قبل أن أختار نفسي. عشتُ سنواتٍ وأنا أؤجل أحلامي الصغيرة، أُقنع نفسي أن الوقت لم يحن بعد، وأن هناك دائماً ما هو أهم: دراسة يجب أن تُنجز، عائلة تحتاجني، آراء يجب أن أُراعيها. كنت أُجيد تبرير التأجيل، حتى أصبح التأجيل أسلوب حياة”.
وتتابع: كنت أخاف من التجربة، من الفشل، من نظرة الآخرين إن لم أنجح. فاخترتُ الطريق الآمن، ذلك الذي لا يُشبهني تماماً، لكنه يُرضي الجميع. ومع مرور الوقت، اكتشفتُ أن أكثر ما يُرهق الروح ليس الفشل، بل العيش في حياة لا نرغبها.
وتضيف: لو عاد الزمن، لكنتُ أكثر جرأة. لبدأتُ ولو بخطوة صغيرة، دون انتظار الظروف المثالية التي لا تأتي. لتعلمتُ أن الخوف لا يزول بالانتظار، بل بالمواجهة، وأن الوقت الذي نهرب فيه من أحلامنا لا يعود إلينا أبداً.
وتستدرك: اليوم، لا أستطيع إعادة ما مضى، لكنني أستطيع أن أبدأ من حيث أنا وربما هذا هو الدرس الأهم الذي علّمتني إياه السنوات: أن التأخر لا يعني النهاية، وأن اختيار النفس، حتى وإن جاء متأخراً، يظل اختيارًا يستحق.
تقول الصحفية الأردنية آمال جبور، إن ميل الإنسان للعودة ذهنياً إلى الماضي والتفكير بعبارة “لو عاد الزمن” يُعد جزءاً من مراجعة نفسية عميقة يحاول من خلالها فهم تجاربه السابقة، مشيرةً إلى أن هذه الحالة قد تتحول أحياناً إلى عبء نتيجة المقارنات والافتراضات المستمرة.
وتوضح جبور لـ”963+” أن الندم يُعد شعوراً إنسانياً مركّباً فهو من جهة يعكس وعياً ونضجاً وقدرة على تقييم القرارات، لكنه من جهة أخرى قد يصبح حالة نفسية مرهقة عندما يتحول إلى انشغال دائم بالماضي دون القدرة على تجاوزه، لافتةً إلى أن الإشكالية لا تكمن في الشعور بالندم بحد ذاته، بل في كيفية التعامل معه، سواء كفرصة للفهم والتصحيح أو كوسيلة لجلد الذات.
وتبيّن أن الضغوط الاجتماعية، خصوصاً على النساء، تزيد من تعقيد هذا الشعور، حيث تتداخل التوقعات الثقافية مع القرارات الشخصية، ما يرفع من كلفة الاختيارات، مؤكدةً أن الندم في كثير من الأحيان لا يكون ناتجاً عن القرار نفسه بقدر ما يرتبط بالأحكام الاجتماعية المحيطة به.
وتشير إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم الإحساس بالندم، من خلال خلق بيئة قائمة على المقارنة المستمرة مع صور مثالية ومنتقاة من حياة الآخرين، ما يعزز شعورًا زائفًا بأن الآخرين يعيشون حياة أكثر اكتمالًا ويتخذون قرارات أفضل.
وتدعو جبور إلى إعادة النظر في مفهوم الندم، باعتباره بوصلة يمكن أن تساعد الإنسان على فهم ذاته وتوجيه مساره نحو خيارات أكثر وعيًا، مؤكدةً أن تبني ثقافة تقبّل الخطأ والتعلم منه بدل اللوم يسهم في بناء أفراد أكثر توازنًا وقدرة على التقدم.
وتختم بالقول إن الإنسان لا يتعلم من الكمال، بل من تجاربه ومحاولاته الناقصة، ومن قدرته على الاستمرار رغم التحديات.
The post “لو عاد الزمن”.. حين يتحول التفكير بالماضي إلى مرآة للذات appeared first on 963+.




