وهج الخليج – مسقط
أصدر الادعاء العام العدد الثامن عشر من مجلة «المجتمع والقانون»، الذي يتناول مجموعة من القضايا المجتمعية البارزة بهدف التوعية وتعزيز الوعي القانوني لدى أفراد المجتمع.
وتضمن العدد قصة واقعية بعنوان ” حين غاب الأب.. حضر القانون” كتبها أكرم بن سالم المحروقي رئيس ادعاء عام، تسلط الضوء على قضية إهمال أب لرعاية أبنائه القُصَّر بعد وفاة والدتهم.
في مساءٍ ثقيلٍ يُشبه الصمت، كانت تلك الطفلة الصغيرة تُحدّق في باب المنزل كل ليلة، وكأنها تنتظر مُعجزةً تُعيد شيئًا من دفءٍ غاب منذ سنوات.
منذ أن رحلت أمّهم إلى رحمة الله، تبدّل كل شيء؛ فالبيت الذي كان يمتلئ بالحياة صار موحشًا، والمائدة التي كانت تجمعهم أصبحت بالكاد تحمل ما يسدّ جوعهم.
ثلاثة أطفال… أعمارهم صغيرة، لكنهم كبروا قبل أوانهم، لم يكن يؤلمهم الفقر بقدر ما كان يؤلمهم الغياب.
غياب الأب… هو جرحٌ يُرزق.
مرّت الأيام ولم يطرق بابهم، ولم يسأل أحد عنهم، ولا عن مرضٍ أصاب أجسادهم، ولا عن خوفٍ كان يوقظهم ليلًا.
كبر الشقيقان الأكبر سنًا تحت ضغط المسؤولية، يخرجان للعمل بأجسادٍ مُنهكة وقلوبٍ مُثقلة، بينما كان الصغار يخفون حاجتهم خلف ابتساماتٍ باهتة.
الفصل الأول: البلاغ الجرمي
في أحد الأيام، وصل بلاغٌ إلى إدارة حماية الطفل عبر خطها الساخن رقم (1100)، بلاغٌ لم يكن يحمل أرقامًا ووقائع فحسب، بل كان يحمل وجعًا كاملًا يصرخ بصمت.
بلاغٌ عن إهمال والدٍ في رعاية أطفاله القُصَّر، فتحرّك المختصون إلى المنزل، واتّضح لهم صحة البلاغ؛ إذ شاهدوا غرفًا أنهكها الإهمال، ووجوهًا تعلّمت الصبر أكثر مما ينبغي، وأطفالًا فقدوا شعور الأمان مبكرًا.
حينها كشفت التقارير أن الأب -رغم يساره المالي- ترك أطفاله يواجهون الحياة ومشقّتها ومتاعبها وحدهم من دون معين، منذ وفاة والدتهم قبل نحو تسع سنوات. فتقرر عندئذٍ إحالة الملف إلى الادعاء العام، وبدأ التحقيق في الواقعة.
الفصل الثاني: التحقيق
دخل الأبناء قاعة التحقيق بقلوبٍ مرتجفة، لكن كلماتهم كانت موجعةً وواضحة. وبسماع أقوالهم، البالغين منهم والقُصَّر، أوضحوا أن والدهم انقطع عنهم وعن زيارتهم لأشهرٍ طويلة، وأن النفقة التي تحفظ كرامتهم غابت، وأن احتياجاتهم الأساسية أصبحت عبئًا يفوق أعمارهم.
وتحدثوا عن الديون والخوف، وعن المدرسة التي كانوا يذهبون إليها بأحلامٍ متعبة، وعن ليالٍ طويلة لم يجدوا فيها سوى بعضهم بعضًا، من دون أن يعبأ والدهم بمتابعتهم أو متابعة شؤونهم التربوية والتعليمية والصحية، مُلقيًا بهذا العبء على شقيقيهم البالغين اللذين اضطرا إلى العمل بجهدٍ مُضنٍ لسد احتياجات الأسرة.
ولم تقتصر إجراءات التحقيق على سماع الأقوال وجمع الأدلة، بل امتدت إلى الوقوف على الواقع المعيشي للأسرة. فقد كشفت المعاينات والتقارير الاجتماعية عن ظروفٍ قاسية عاشها الأطفال لسنوات، حيث اضطر بعضهم إلى تأجيل كثيرٍ من احتياجاته الأساسية، فيما تحمل الشقيقان الأكبر سنًا مسؤولياتٍ تفوق طاقتهما وأعمارهما، فكانا يؤديان دور المعيل والحامي في آنٍ واحد.
كما أظهرت الإفادات أن غياب الأب لم يكن مقتصرًا على الجانب المالي فحسب، بل امتد إلى الجوانب التربوية والنفسية والاجتماعية التي يحتاجها الأبناء في مراحل نموهم المختلفة، فلم يكونوا يفتقدون النفقة وحدها، وإنما كانوا يفتقدون التوجيه والاحتواء والشعور بالأمان ووجود سندٍ يلجؤون إليه عند الشدائد. وقد انعكس ذلك على استقرارهم النفسي والدراسي والاجتماعي، وترك في حياتهم آثارًا لم تكن خافية على من عاين واقعهم أو استمع إلى معاناتهم.
أما الأب (المتهم)، فباستجوابه أنكر ما نُسب إليه، وكان شيئًا لم يكن؛ غير أن الحقيقة كانت أثقل من الإنكار. فقد رسمت أقوال الأبناء، وما أسفرت عنه المعاينات والتقارير الميدانية والاجتماعية، صورةً متكاملةً لا يمكن تجاهلها، وأظهرت بجلاء أن الأطفال تُركوا يواجهون أعباء الحياة وحدهم في مرحلةٍ كانوا أحوج ما يكونون فيها إلى الرعاية والاحتواء.
وأمام هذه المعطيات، نظر الادعاء العام إلى الواقعة بعدّها ليست مجرد إخلالٍ بواجبٍ أسري، بل مساسًا بحقوقٍ أصيلة كفلها القانون للأطفال وأوجب على القائمين على رعايتهم صونها وحمايتها، ومن ثم خلص عن قناعةٍ راسخة، إلى ثبوت جنحة «الإهمال والتقصير في رعاية طفل لم يُكمل الثامنة عشرة من العمر» المؤثمة بنص المادة (278) من قانون الجزاء، التي تقضي بمعاقبة كل من امتنع عن رعاية طفل أو أهمل أو قصّر في رعايته رغم كونه مكلفًا بذلك قانونًا.
وعليه، أُحيل المتهم (الأب) إلى المحكمة المختصة لمحاكمته ومعاقبته.
الفصل الثالث: المحاكمة
وقفت المحكمة أمام القضية، لا بوصفها أوراقًا قانونية فحسب، بل بوصفها مأساةً أسرية تهزّ الضمير.
وتحدثت حيثيات الحكم عن قدسية الأسرة، وعن مسؤولية الأب التي لا تسقط، وعن الأطفال الذين جعلهم الله أمانةً في أعناق والديهم.
ثم صدر الحكم بإدانة الأب بجنحة الإهمال والتقصير في رعاية أبنائه القُصَّر، ومعاقبته بالسجن، وفي تلك اللحظة، لم يكن الحكم انتصارًا على أبٍ أهمل أبناءه فحسب، بل كان رسالةً مدوية:
أن الطفولة ليست ساحةً للخذلان، وأن القانون يقف حارسًا لحقوق الصغار حين تسقط الرحمة من القلوب.
فالآباء قد يظنون أن الغياب يمرّ بصمت؛ لكن الأطفال يتذكرون كل شيء؛ يتذكرون الباب الذي لم يُطرق، واليد التي لم تمتد، والقلب الذي كان يُفترض أن يحتويهم، فتركهم يواجهون العالم وحدهم.
وفي الختام، فإن رعاية الأبناء ليست خيارًا يُؤخذ أو يُترك؛ بل واجب قانوني وأخلاقي وإنساني لا يقبل التفريط أو الإهمال، فالأبناء أمانةٌ في أعناق والديهم، ومسؤولية تمتد آثارها إلى بناء المجتمع واستقراره، وإن التقصير في هذه المسؤولية لا ينعكس على حاضر الأطفال فحسب؛ وإنما يهدد مستقبلهم ويزعزع توازنهم النفسي والاجتماعي.
وعليه، فإن على كل وليٍّ أن يستشعر جسامة هذا الدور، وأن يحرص على أداء واجباته تجاه أبنائه رعايةً وتربيةً وإنفاقًا؛ اتقاءً للمساءلة القانونية، وصونًا لكيان الأسرة، وتحقيقًا للمصلحة الفضلى للطفل.
ظهرت المقالة الادعاء العام يروي قصة إهمال أب لأطفاله في العدد الـ18 من مجلة ” المجتمع والقانون “ أولاً على صحيفة وهج الخليج الإلكترونية.




