العين د. أمجد الجميعان : حين يتحوّل الألم النفسي إلى خطر صامت
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
باتت الصحة النفسية اليوم قضيةً إنسانيةً ومجتمعيةً لا تحتمل التأجيل، في ظل التصاعد المتسارع لمعدلات الاضطرابات النفسية والانتحار حول العالم، ولا سيما في صفوف الأطفال والمراهقين. ولا يزال كثيرون يحملون آلامهم في صمت، مدفوعين بالخوف من الوصمة الاجتماعية، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى النظر في الموت ملاذا من الألم أو هروبًا من نظرة المجتمع.
وعلى الرغم من التقدّم الملحوظ في برامج التوعية والدعم النفسي خلال السنوات الأخيرة، مما أسهم في ارتفاع أعداد المرضى الذين يتلقّون العلاج، لا سيما في اضطرابات القلق والرهاب ونوبات الهلع والاكتئاب بدرجاته الخفيفة والمتوسطة، تظل الاضطرابات النفسية الشديدة كالفصام واضطراب ثنائي القطب والاكتئاب الذهاني حبيسةَ التأخر في التشخيص والعلاج. ويعود ذلك إلى استمرار النظرة السلبية تجاهها، وإلى لجوء كثير من الأسر إلى إخفائها عوضًا عن مواجهتها طبيًا.
وقد كشفت ظاهرة تعاطي المخدرات والمؤثرات العقلية عن ارتباط وثيق بين الإدمان والاضطرابات النفسية التي لم تُشخَّص منذ مرحلة الطفولة أو المراهقة. إذ يُمثّل الإدمان في حالات كثيرة مظهرًا خارجيا لمعاناة نفسية خفيّة لم تُعالَج في وقتها، تُغذّيها عوامل التفكك الأسري والإساءة والتنمر وغياب الاحتواء الاجتماعي.
وتؤكد الدراسات الحديثة أن الإدمان مرضٌ دماغي مزمن يستوجب التدخل المتخصص، وأن شريحة واسعة من المدمنين يعانون من اضطرابات نفسية أو نمائية غير مكتشفة، كاضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة أو اضطراب طيف التوحد عالي الأداء، مما يُعقد مسار العلاج حين يُتجاهل الجذر الحقيقي للمشكلة.
إن الإنكار والتستّر على المرض النفسي لن يُفضيا إلا إلى مزيد من المعاناة وتأخر العلاج، وقد تكون تداعياتهما وخيمةً على الفرد والأسرة والمجتمع على حدٍّ سواء. من هنا، باتت مسؤولية تعزيز الوعي بالصحة النفسية وتشجيع التدخل المبكر، والتعامل مع المرض النفسي باعتباره حالةً طبيةً تستحق الرعاية والدعم، مسؤوليةً مشتركةً تستوجب تكاتف الأسرة والمدرسة والمؤسسات الصحية والإعلام والمجتمع بأسره.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الخدمات التي تقدّمها الجهات الرسمية الحكومية والعسكرية في مجال الصحة النفسية تتسم بمستوى متقدم من الجودة. فعلى سبيل المثال، تضم وزارة الصحة ما لا يقل عن خمسين عيادة طب نفسي متخصصة موزّعة في مختلف مناطق المملكة، تعمل تحت إشراف أطباء مختصين، وتوفّر جميع أنواع الأدوية النفسية بما فيها مرتفعة التكلفة. وبالقدر ذاته، تُقدّم الخدمات الطبية الملكية، عبر عياداتها ومستشفياتها العسكرية الممتدة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، خدماتٍ طبيةً نفسيةً مماثلة.
وختامًا، نحن بحاجة بوصفنا مواطنين إلى دور أكثر إيجابية وجرأةً، والتخلي عن ثقافة الخجل والتكتم. ولتكن صحة أبنائنا النفسية أولويتنا الأولى، صونًا لمستقبلهم وحماية لحياتهم.


