العشيرة والدولة
العشيرة أو الحمولة، في حالتنا الفلسطينية، ليست مجرد إطار اجتماعي عابر، وليست مجرد اسم عائلة كبير أو شبكة علاقات، وإنما هي في الحقيقة المحضن الأول، المدرسة الأولى، والمكان الذي يتعلّم فيه الإنسان أولى قواعد السلوك، وأولى معاني الانتماء، وأولى أشكال الضبط. هناك، داخل هذا الإطار الضيق نسبياً، يتشرّب الفرد لغته، وثقافته، وقيمه، وحتى نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين.ولذلك، حين نتحدث عن المجتمع، لا يمكن أن نتعامل مع العشيرة كأنها تفصيل صغير، أو كأنها بقايا من الماضي، لأنها في الحقيقة كانت، وما زالت، واحدة من أهم الوحدات التي حافظت على تماسك هذا المجتمع، ووفّرت له نوعاً من الاستمرارية، خصوصاً في لحظات الانكسار والضعف.بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك، والقول إن الأوطان نفسها، أو الدول إذا أردنا الدقة، لم تنشأ من فراغ، وإنما نشأت من اجتماع هذه الوحدات الصغيرة، من تلاقي العائلات، والقبائل، والحمائل، واتفاقها، أو اضطرارها، على العيش ضمن إطار أوسع. بهذا المعنى، العشيرة ليست نقيض الدولة، بل هي أحد الأسس التي قامت عليها الدولة.لكن، وهنا المفارقة، الدولة شيء آخر تماماً. الدولة ليست عشيرة كبيرة، وليست امتداداً للحمولة، وإنما هي كيان مختلف، قائم على القانون، وعلى المعايير العامة، وعلى فكرة أن الجميع متساوون أمام هذا القانون. في الدولة، لا يُحتكم إلى اسم العائلة، ولا إلى وزنها، ولا إلى عدد أفرادها، بل يُحتكم إلى نص قانوني واضح، وإلى دستور، وإلى مؤسسات.ومن هنا، تصبح الدولة أكبر من العشيرة، وأوسع، وأكثر تعقيداً، والأهم أنها أكثر عدالة –على الأقل في الفكرة– لأنها تفترض أن الجميع، مهما كانت أصولهم، يخضعون للمعيار نفسه.في حالتنا الفلسطينية، القصة أكثر تعقيداً. نحن لم نعش تجربة دولة مستقرة ومكتملة حتى نقول إن الدولة أخذت مكان العشيرة. بالعكس، في كثير من المراحل، ومنذ أيام الانتداب البريطاني، مروراً بكل أشكال الاحتلال التي عرفناها، كان هناك غياب واضح للدولة، أو ضعف شديد في حضورها، وهذا ما أعطى العشيرة دوراً أكبر مما هو مفترض.العشيرة، في هذه الحالة، لم تكن بديلاً عن الوطن، ولم تكن ضد الفكرة الوطنية، لكنها ملأت فراغاً. حين يغيب القانون، تحضر العشيرة. حين تضعف المؤسسات، تقوى الحمولة. حين يشعر الفرد أنه مكشوف، يبحث عن حماية، وغالباً ما يجدها في أقرب دائرة إليه.لكن هذا الدور، على أهميته، لم يكن دائماً إيجا...المصدر: صحيفة القدس | Source: صحيفة القدس
ملاحظة تحريرية | Editorial Note: نُشر هذا المقال في الأصل بواسطة صحيفة القدس. خبر (Khabr) هي منصة إعلامية أردنية مرخّصة تعمل بالذكاء الاصطناعي. نضيف قيمة تحريرية من خلال: تحليل ذكي للأخبار، ملخصات تلقائية، رواية صوتية بالذكاء الاصطناعي، ترجمة متعددة اللغات، وتدقيق الحقائق. هدفنا جعل الأخبار أكثر وضوحاً وسهولةً للقارئ العربي.
This article was originally published by صحيفة القدس. Khabr is a licensed Jordanian AI-powered news platform (Registration #82086). We add editorial value through: AI-powered news analysis, automated summaries, AI audio narration, multi-language translation (Arabic, English, French, Turkish), and AI fact-checking. Our mission is to make news more accessible and understandable for Arabic-speaking audiences worldwide.




