العربية لحماية الطبيعة تفتح ملف الأرض والنزاع: قراءة معمقة في أسباب الصراع بالمنطقة
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
وسط تصاعد الصراعات المرتبطة بالأرض وتزايد آثارها على حقوق المجتمعات المحلية والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في المنطقة العربية، أطلقت العربية لحماية الطبيعة تقرير "الأرض والنزاع في المنطقة العربية"، الذي يقدم قراءة إقليمية معمقة للعلاقة المتشابكة بين قضايا الأرض والصراعات، ويطرح توصيات تستند إلى مقاربات قائمة على الحقوق والعدالة والحوكمة الرشيدة للأراضي. وجاء إطلاق التقرير ضمن أعمال الدورة الثالثة عشرة للمنتدى الحضري العالمي المنعقد في العاصمة الأذربيجانية باكو والذي حضره قرابة ال 20 ألف مشارك، خلال فعالية متخصصة جمعت خبراء وباحثين وممثلين عن منظمات دولية وإقليمية.
حيث نظّمت العربية لحماية الطبيعة، يوم 22 أيار 2026، فعالية بعنوان "الأرض والنزاع في المنطقة العربية: إطلاق التقرير"، تحدث خلالها كل من رزان زعيتر، مؤسسة الشبكة العربية للسيادة على الغذاء والرئيسة المشاركة للتحالف العالمي للسيادة على الغذاء، ومريم الجعجع المديرة العامة للعربية لحماية الطبيعة، وأومبريتا تمبرا ممثلة برنامج الأمم المتحدة للموئل البشري، وسهى منيمنة من مبادرة الإصلاح العربي، والباحثة ندى جوني.
والتقرير هو دراسة إقليمية شاملة تتناول العلاقة المركبة بين قضايا الأرض والنزاعات في المنطقة العربية، وتضم دراسة تحليلية رئيسية واثنتي عشرة دراسة حالة معمقة من الجزائر والمغرب ولبنان ومصر وليبيا وفلسطين وسوريا وتونس واليمن، أعدّها باحثون وخبراء محليون وإقليميون.
واستعرضت الجلسة أبرز النتائج والدروس المستخلصة من دراسات الحالة، وفتحت المجال لنقاش معمق حول المقاربات القائمة على الحقوق في إدارة الأراضي، وتنظيم استخداماتها، وإعادة الإعمار السكني، وآليات الوقاية من النزاعات والاستجابة لها في البيئات المتأثرة بها. كما هدفت إلى بلورة توصيات عملية تسهم في دعم مخرجات المنتدى الحضري العالمي وإعلانه الختامي، بوصفها واحدة من الفعاليات القليلة التي ركزت بصورة مباشرة على قضايا الأرض والنزاع.
وخلال الجلسة، أوضحت مريم الجعجع، أن أحد الدوافع الرئيسية وراء تبني المشروع يتمثل في النقص الحاد في الدراسات العربية المتخصصة في هذا المجال، الأمر الذي أفضى إلى الاعتماد المفرط على دراسات خارجية كثيراً ما قادت إلى تشخيصات غير دقيقة لطبيعة النزاعات وأسبابها. وأضافت أن هذا القصور المعرفي قد ينتج عنه تصميم آليات عقيمة لمعالجة النزاعات، بل وقد تسهم أحياناً في تأجيجها بدلاً من الحد منها.
وأشارت الجعجع إلى أن تحليل النزاعات المرتبطة بالأرض يكشف عن عوامل بنيوية وتاريخية أعمق، تشمل إدخال أنماط الإنتاج الرأسمالية، والاستعمار والاستعمار الاستيطاني، واستمرار أشكال الاستعمار الجديد، إضافة إلى عوامل أخرى داخلية وخارجية تراكمت عبر الزمن وأسهمت في تشكيل هذه النزاعات، وهي أبعاد كثيراً ما تغيب عن الأدبيات السائدة.
من جانبها، أكدت رزان زعيتر أن أي مقاربة حقيقية لمعالجة النزاعات المرتبطة بالأرض في فلسطين يجب أن تنطلق من إنهاء الاستعمار الاستيطاني بصورة عادلة وشاملة ودائمة، عبر حل الدولة الواحدة التحرري الذي يقوده الفلسطينيون، بما يضمن المساواة الكاملة في الحقوق على كامل فلسطين التاريخية، وإعادة توزيع الأرض، ودفع التعويضات، وضمان حق العودة غير القابل للتصرف. كما شددت على ضرورة الالتزام بالمسؤوليات القانونية الدولية دون ازدواجية في المعايير، ورفض تسييس القانون الدولي، ومحاسبة المسؤولين عن جرائم الإبادة والتجويع والإبادة البيئية والاستعمار الاستيطاني.
بدورها، أوضحت أومبريتا تمبرا، أن التقرير يسلط الضوء على التفاعلات والتراكمات طويلة الأمد التي تؤدي تدريجياً إلى إضعاف قدرة المجتمعات على إدارة النزاعات والحد من آثارها، إلى أن تصل إلى نقطة يصبح فيها التوازن القائم غير قابل للاستمرار، ما يفتح المجال أمام تصاعد العنف. مؤكدة أن العنف يمثل في جوهره المرحلة الأخيرة من تآكل قدرة البشر على التعايش المشترك وإدارة الموارد بصورة عادلة ومستدامة.
من جهتها، استعرضت الباحثة ندى جوني تجربة لبنان بوصفها نموذجاً لتداخل قضايا الأرض والنزاع والتدمير البيئي، مشيرة إلى أن الحرب الراهنة تعكس كيف تؤدي النزاعات غير المحسومة إلى إعادة إنتاج الدمار البيئي والاجتماعي. وأوضحت أن جنوب لبنان يشهد مجدداً استهدافاً للأراضي الزراعية والبنية التحتية ومصادر الرزق المدنية، فيما تتعرض المجتمعات المتضررة سابقاً لموجات جديدة من النزوح والخسائر.
وحذرت جوني من أن غياب المساءلة والحماية الفاعلة للبنية التحتية المدنية يؤدي إلى تكرار المآسي ذاتها، مشيرة إلى ما وصفته بمحاولات فرض منطقة عازلة في جنوب لبنان كوسيلة لدفع السكان إلى مغادرة أراضيهم وإحداث تغييرات ديموغرافية قسرية.
وفي السياق ذاته، دعت سهى منيمنة إلى مراجعة عدد من المفاهيم والخطابات البيئية السائدة عالمياً، محذرة من توظيف بعض الشعارات البيئية في ممارسات "الغسل الأخضر" والاستيلاء على الأراضي، بما في ذلك استخدام بعض مشاريع التشجير كأدوات للسيطرة على الأرض وإعادة تشكيل أنماط استخدامها.
واختتمت بالتأكيد على أن المواثيق الدولية تكفل الحق في السكن والأرض، إلا أن محدودية فاعلية منظومة الحماية الدولية في بعض السياقات تفرض الحاجة إلى إصلاحات قانونية وسياسية دولية تعزز العدالة الدولية وتعيد الثقة بالمؤسسات متعددة الأطراف، بما يضمن حماية الحقوق الأساسية للمجتمعات المتضررة من النزاعات.
ويشار الى أن التقرير في توصياته أكد على ضرورة تطوير أنظمة لإدارة الأراضي تضمن حقوق الحيازة للجميع، والاعتراف بحقوق الأراضي الجماعية وأراضي المشاع وحمايتها، وإجراء إصلاحات سياسية تعالج المظالم التاريخية التي حدثت في حقبة الاستعمار وأوجه عدم المساواة. كما دعا إلى تعزيز آليات العدالة الانتقالية وتسوية النزاعات، وحماية الأراضي الزراعية والبنى التحتية الإنتاجية، ودعم التقييمات التشاركية لقضايا الأرض والنزاع، وتعزيز دور المجتمع المدني والمجتمعات المحلية في عمليات بناء السلام وحوكمة الأراضي.
وشدد التقرير كذلك على ضرورة إعطاء أولوية قصوى لإنهاء الاستعمار الاستيطاني والاحتلال والتدخلات العسكرية الأجنبية والتهجير القسري، باعتبار ذلك مسؤولية تقع على عاتق الدول والجهات الإنسانية والتنموية على المستويين الوطني والدولي، وفي مقدمتها الأمم المتحدة والمؤسسات متعددة الأطراف، بما يعزز العدالة والمساءلة.





