فعّلت وزارة العدل العراقية إجراءات دبلوماسية لنقل نحو ستة آلاف نزيل من 61 جنسية إلى بلدانهم، بهدف استكمال مدد محكومياتهم، مع استثناء المحكومين بالإعدام، في خطوة تأتي في وقت يتصدر فيه ملف السوريين المحتجزين في العراق النقاش القضائي بين بغداد ودمشق.
وقال المتحدث باسم وزارة العدل العراقية، أحمد لعيبي، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام عراقية اليوم، اليوم الأحد 23 من آب، إن الوزارة تعمل بالتعاون مع الجهات المختصة على فتح قنوات اتصال مع الدول التي ينتمي إليها النزلاء، تمهيدًا لإبرام اتفاقيات ومذكرات تفاهم تتيح نقلهم إلى بلدانهم لاستكمال مدد محكومياتهم.
وأوضح لعيبي أن النقل يمكن أن يتم وفق مبدأ التعامل بالمثل، أو استنادًا إلى اتفاقيات ومذكرات تفاهم جديدة بين العراق والدول المعنية، مشيرًا إلى أن الوزارة حصلت على قرار من مجلس الأمن الوطني العراقي للتحرك في هذا المسار ضمن الأطر القانونية والدبلوماسية.
وبحسب المتحدث العراقي، تشمل الإجراءات نزلاء عربًا وأجانب موجودين في المؤسسات الإصلاحية العراقية، وليس فقط الأشخاص الذين نقلوا من مرافق الاحتجاز في شمال شرقي سوريا، فيما يُستثنى المحكومون بالإعدام من إجراءات النقل.
ويبلغ عدد النزلاء الذين تستهدفهم الإجراءات نحو ستة آلاف شخص من 61 جنسية، وتأتي الجنسية السورية في مقدمة الجنسيات، إلى جانب جنسيات عربية وأجنبية أخرى، بينها المغربية والأمريكية والكندية والروسية والتونسية والتركية، وفق التصريحات العراقية.
السوريون في قلب الملف
يتقاطع الإعلان العراقي الجديد مع ملف المعتقلين السوريين الذين نقلوا خلال العام الحالي من مرافق احتجاز في شمال شرقي سوريا إلى العراق، لكنه لا يعني أن جميع النزلاء الستة آلاف المستهدفين بالنقل هم من بين هؤلاء المرحّلين.
وهذه نقطة تفصل بين مسارين متداخلين في الملف. فوزارة العدل العراقية تتحدث في إعلانها الأخير عن نزلاء ومحكومين عرب وأجانب موجودين في المؤسسات الإصلاحية العراقية، بينما سبق للعراق أن تسلّم آلاف المتهمين بالانتماء إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” من سجون شمال شرقي سوريا خلال كانون الثاني وشباط الماضيين.
وفي 13 من شباط، أعلن المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي في العراق أن عدد المتهمين الذين نقلوا من السجون السورية بلغ 5704 أشخاص ينتمون إلى 61 دولة، بينهم 3543 سوريًا و467 عراقيًا، بينما بلغ عدد العرب 4253 شخصًا، والأجانب غير العرب 983 شخصًا.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” في شباط إتمام عملية نقل أكثر من 5700 معتقل من مرافق الاحتجاز في شمال شرقي سوريا إلى العراق، بعد عملية استمرت 23 يومًا، وفق ما نقلته مصادر متعددة في حينها.
وكانت محكمة تحقيق الكرخ الأولى المختصة بقضايا الإرهاب قد باشرت إجراءات الاستجواب بحق المنقولين بعد وصولهم إلى العراق، بحسب المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي.
وفي تصريحات سابقة، قال المتحدث باسم وزارة العدل العراقية إن نقل هؤلاء المعتقلين تم بناء على طلب من التحالف الدولي وبالتنسيق معه، وإن عددًا منهم مطلوبون للحكومة العراقية أو صدرت بحق بعضهم أحكام قضائية، موضحًا أن التعامل معهم يتم وفق القانون العراقي.
زيارة زيدان تفتح مسارًا قضائيًا مع دمشق
جاء الإعلان العراقي عن التحرك لنقل النزلاء الأجانب بعد أيام من زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي، فائق زيدان، إلى دمشق في 13 من آب، ولقائه مسؤولين سوريين، بينهم الرئيس أحمد الشرع ووزير العدل مظهر الويس.
وكان ملف المعتقلين المنقولين من شمال شرقي سوريا إلى العراق في صدارة الملفات التي ناقشها الوفد القضائي العراقي في دمشق. وأكد رئيس هيئة الإشراف القضائي العراقي، ليث جبر، أن زيدان بحث مع الجانب السوري وضع الموقوفين السوريين الذين تسلمهم العراق من سجن الهول، مشيرًا إلى اتفاق الجانبين على تشكيل لجان قضائية مشتركة لحسم الملفات المتعلقة بمحاكماتهم.
وقال جبر إن الموقوفين خضعوا للتحقيقات القضائية في العراق، وإن الإجراءات المتخذة بحقهم تمت، بحسب الجانب العراقي، مع توفير الضمانات القضائية وفق القانون، بينما اتفق الطرفان على عقد اجتماعات متواصلة للجان المشتركة وتبادل المعلومات والوثائق المتعلقة بالملفات.
كما أعلن وزير العدل السوري مظهر الويس، عقب المباحثات، الاتفاق على تشكيل فرق تقنية وفنية لبحث ملف معتقلي تنظيم “الدولة” والوصول إلى حلول وفق معايير العدالة والقانون الدولي، إلى جانب بدء تبادل المعلومات تمهيدًا لإبرام اتفاقيات ومذكرات تفاهم قضائية وقانونية بين البلدين.
وأعلنت وزارة العدل السورية أن زيارة زيدان جاءت في إطار تعزيز التعاون بين البلدين في المجالات القضائية والقانونية، في وقت قالت فيه مصادر عراقية إن ملف الموقوفين السوريين كان من أبرز القضايا التي بحثها الوفد خلال الزيارة.
وتأتي هذه التطورات في ظل تقارب متزايد بين دمشق وبغداد، شمل ملفات أمنية واقتصادية وقضائية، بينما كان وزير الخارجية السوري أسعد حسن الشيباني التقى نظيره العراقي فؤاد حسين في دمشق في حزيران الماضي، في إطار العمل على تطوير آليات التنسيق بين البلدين.
أكثر من 3500 سوري
يحتل السوريون موقعًا رئيسيًا في ملف المعتقلين الذين نقلوا من شمال شرقي سوريا إلى العراق، إذ سجلت البيانات العراقية في شباط وجود 3543 سوريًا ضمن أصل 5704 متهمين جرى نقلهم من السجون السورية.
وتقول السلطات العراقية إن هؤلاء متهمون بالانتماء إلى تنظيم “الدولة”، وإن بعضهم مطلوب للقضاء العراقي على خلفية قضايا مرتبطة بالإرهاب. وسبق أن قالت وزارة العدل العراقية إن جميع المنقولين سيخضعون للإجراءات القانونية والقضائية العراقية، مع إمكانية اللجوء لاحقًا إلى مذكرات تفاهم واتفاقيات تعاون أو مبدأ المعاملة بالمثل لنقل بعض النزلاء إلى دولهم بعد استكمال الإجراءات القضائية.
في المقابل، تقول عائلات سورية إن من بين أبنائها من جرى احتجازه بناء على شبهات أو اتهامات لا يعرف ذووهم تفاصيلها، وتطالب بالكشف عن أماكن احتجازهم والتهم الموجهة إليهم، وضمان حقهم في الدفاع والمحاكمة وفق إجراءات قانونية واضحة.
وشهدت مناطق في ريف الحسكة خلال الأشهر الماضية تحركات من ذوي المعتقلين السوريين الذين نقلوا إلى العراق، للمطالبة بالكشف عن مصيرهم وتأمين التواصل معهم، إلى جانب المطالبة بإعادة من لا تثبت بحقه تهم جنائية إلى سوريا.
وتزداد أهمية هذه المطالب مع انتقال الملف إلى مستوى التنسيق الرسمي بين دمشق وبغداد، خصوصًا بعد الاتفاق على تشكيل لجان قضائية مشتركة لمتابعة أوضاع المعتقلين السوريين.
ضغط على السجون العراقية
ولا يرتبط التحرك العراقي فقط بالبعد الدبلوماسي أو بملف المعتقلين المنقولين من سوريا، إذ ربطت وزارة العدل العراقية إجراءات نقل النزلاء الأجانب بارتفاع الضغط على الطاقة الاستيعابية للمؤسسات الإصلاحية.
وقال لعيبي إن ارتفاع أعداد المحكومين الأجانب أدى إلى زيادة الضغط على السجون العراقية، خصوصًا بعد إعادة توزيع أعداد من النزلاء العراقيين بين مؤسسات إصلاحية مختلفة.
وبحسب التصريحات العراقية، خُصص سجن الكرخ المركزي لاستقبال نحو ستة آلاف محكوم عربي وأجنبي، في إطار إعادة تنظيم أماكن الاحتجاز، الأمر الذي زاد الحاجة إلى البحث عن ترتيبات تسمح بنقل بعض النزلاء إلى بلدانهم لاستكمال مدد محكومياتهم.
وتعتمد الخطة العراقية على التواصل مع البعثات الدبلوماسية للدول المعنية، بهدف تحديد الأطر القانونية التي تسمح بنقل مواطنيها، سواء عبر اتفاقيات قائمة أو من خلال إبرام اتفاقيات جديدة.
ماذا يعني ذلك للسوريين؟
يحمل المسار الجديد أهمية خاصة بالنسبة إلى السوريين الموجودين في السجون العراقية، ولا سيما الذين نقلوا من شمال شرقي سوريا، إذ قد تتيح الاتفاقيات الثنائية بين العراق والدول المعنية لاحقًا نقل بعض النزلاء إلى بلدانهم لاستكمال الأحكام، لكن ذلك يتوقف على طبيعة الأحكام والملفات القضائية والاتفاقات التي ستبرمها بغداد مع كل دولة.
وبالنسبة إلى السوريين تحديدًا، يأتي هذا التطور بالتزامن مع المسار الذي بدأته دمشق وبغداد لتشكيل لجان قضائية مشتركة، ما يفتح المجال أمام بحث ملفات المعتقلين بصورة منفصلة، وفق وضع كل شخص والتهم الموجهة إليه والأحكام الصادرة بحقه.
ولا توجد حتى الآن تفاصيل معلنة عن آلية إعادة السوريين إلى سوريا أو عدد الأشخاص الذين يمكن أن يشملهم أي اتفاق بين البلدين، كما أن الإعلان العراقي عن نقل نحو ستة آلاف نزيل إلى بلدانهم لا يساوي عدد المعتقلين الذين نُقلوا من شمال شرقي سوريا، رغم وجود تقاطع بين الملفين.





