كل هذا يحدث على الأراضي العراقية، وحكومة بغداد تكتفي ببيانات الرفض والاستنكار والإدانة. وفي بياناتها متلازمة يجب أن يحضر فيها رفض استهداف البعثات الدبلوماسية، ورفض القصف الأميركي على مقرات "الحشد الشعبي". ورئيس الوزراء المنتهية ولايته، يكرر أيضا رفضه مصادرة قرار الدولة بإعلان الحرب. وكأنما هو يعترف بوجود قوى سلاح موازية تريد السطو على وظيفة الدولة باحتكار العنف المنظم.
ثنائية "الحشد" والفصائل
لا نسمع في العراق دوي صفارات الإنذار، لأنها غير موجودة في مناطق بغداد، إلا في المنطقة الخضراء في مقر السفارة الأميركية. ولكن يوميا نسمع ضجيج الطائرات الحربية التي تحلق في سماء بغداد. وتتكرر أصوات الانفجارات هنا وهناك. بعضها يتم الإعلان عنه، فيما يتم التكتم على الأهداف التي استُهدفت في مناطق سكنية. الأطراف التي تتبادل هذه الهجمات إما أن تكون أميركية تستهدف مقرات أو شخصيات محددة، وإما هجمات فصائل مسلحة ببيانات تحمل عناوين، تارة تكون "تنسيقية المقاومة الإسلامية في العراق" وأخرى تحمل توقيعا باسم "أولياء الدم" أو "أصحاب الكهف".
مناطق كردستان العراق، تتعرض إلى هجمات مزدوجة مرة تكون طائرات مسيرة تطلقها الفصائل المسلحة، وأخرى تكون صواريخ أو مسيرات قادمة من إيران. أهدافها لا تنحصر في مناطق الوجود العسكري الأميركي أو مقر القنصلية الأميركية في أربيل. بل تعدت إلى منشآت أخرى وحتى فنادق ومجمعات سكنية.

سلاح "المقاومة" الذي كان يبرر شرعيته بمواجهة الوجود العسكري الأميركي في العراق. تحول إلى سلاح أيديولوجي وظيفته الدفاع عن إيران وعن نظام حكمها وفي معركتها ضد أميركا وإسرائيل. ولذلك هو الآن طرف في معركة الصراع على النفوذ في منطقة الشرق الأوسط. والفصائل المسلحة تعلن رسميا دخولها الحرب كجبهة إسناد إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ومنذ اليوم الأول لبدء حرب أميركا وإسرائيل ضد إيران، كانت مقرات "الحشد الشعبي" عرضة للاستهداف. صحيح أن أميركا وإسرائيل لا تتبنيان رسميا هذه الهجمات. ولكن الطائرة التي تقصف هي من طراز "ثاندر بولت" (A-10)، وجرى تصويرها فوق المقرات التي قصفتها.
الرسالة عبر المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، والتي وصف فيها "أي ادعاءات بأن الولايات المتحدة استهدفت قوات الأمن العراقية هي ادعاءات كاذبة بشكل قاطع، وتتعارض مع الشراكة الأميركية-العراقية". يمكن قراءتها بأن الأميركيين لا يعترفون بانتماء "الحشد الشعبي" إلى المؤسسة العسكرية الرسمية في العراق.
والمراوغة في التوصيف الذي كانت حتى الأطراف الحكومية تعمل على تسويقه، والتي تتحدث عن ضرورة التمييز بين "الحشد الشعبي" التابع للقائد العام للقوات المسلحة، وبين "فصائل مسلحة" تعمل ضمن "محور المقاومة" الذي تقوده إيران في المنطقة، لم تعد مقبولة لدى الأميركيين.
حالة نكران وعدم اعتراف بالواقع، يعيشها الفاعلون السياسيون في العراق. إذ تعلن صراحة فصائل مسلحة أن سلاحها حان وقت دخوله إلى المعركة، والانتماء لعنوان يتجاوز الدولة وحدودها ولا يعترف بمفهوم السيادة. في المقابل تعيد الحكومة وتكرر التأكيد على "حصر السلاح بيد الدولة"، وأنها الوحيدة من لها حق قرار الحرب والسلم.








