بهذا تكون المعادلة الداخلية العراقية قد انتقلت من طور "المواجهة غير المعلنة" إلى الصراع المكشوف. فمجموع القوى السياسية المحسوبة على إيران وما يُرافقها من فصائل مسلحة تعمل في ظل غطاء شرعي ملتبس باتت تمارس هيمنة فعلية على المشهد السياسي والأمني، في غياب تام لأي إرادة مؤسسية قادرة على ردعها. وهي معادلة كانت تسري في الخفاء منذ عام 2010 على أقل تقدير، حين تمكّن التكتل الموالي لإيران من تجيير نتائج الانتخابات البرلمانية لصالح نوري المالكي، الذي جاءت كتلته في المرتبة الثانية خلف "القائمة العراقية" بقيادة إياد علاوي، قبل أن يُستبعد الأخير تحت وطأة الضغط الإيراني.
وكشفت مجريات الحرب أن الكتلة الموالية لإيران قادرة على جرّ العراق إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، متجاهلة المرتكزات الاستراتيجية المُعلنة للدولة العراقية، ولا سيما مبدأ الحياد عن الصراعات الإقليمية. وهو ما يتناقض صراحة مع ما نصّ عليه البرنامج الحكومي المُقرّ برلمانيا عام 2022، الذي أكّد في فقرته الأولى من المادة الحادية والعشرين على "مواصلة الحوار مع دول التحالف الدولي بشأن وجود قواتهم وفق متطلبات الأمن والسيادة"، وفي فقرته التاسعة على "إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت خارج نطاق المؤسسات الرسمية والشرعية".
تآكل مؤسسات الدولة
في حديث معمّق أجرته "المجلة" مع الباحث المختص بالشؤون الأمنية نايف حسين يوسف، رصد مؤشراتِ الانكشاف المؤسسي الذي جلّته الحرب، مستعرضا تداعياتها على ثلاثة أركان: الجيش، والحكومة، والقوى السياسية. ويؤطّر يوسف ما جرى في سياق أشمل، هو مرحلة إعادة تشكّل هوية الدولة العراقية وسلوكها، معتبرا أن النتائج الراهنة ستحدد معالم هذا الشكل المستقبلي.

يقول يوسف: "تثبت مجريات الداخل العراقي أن البنية التقنية للجيش باتت عديمة الأثر. فلا التدريب، ولا التسليح، ولا استيعاب مئات الآلاف من المقاتلين وتشكيل عشرات الفرق العسكرية، يُجدي نفعا في غياب عقيدة واضحة وإرادة سياسية حقيقية. فالجيش العراقي بقي محايدا تماما طوال الحرب؛ حيث عجز عن ردع الفصائل المسلحة عن ضرب المصالح الوطنية والدبلوماسية داخل حدوده، وعجز بالقدر ذاته عن الرد على القصف الإيراني للأراضي العراقية. ولم تكن المشكلة في الكفاءة العسكرية، بما فيها الدفاع الجوي والاستخبارات، بل في انعدام الإرادة السياسية والاستعداد للوفاء بالواجبات الدستورية. وهذا الواقع سيُفضي مستقبلا إلى ردود فعل متعددة: فإقليم كردستان قد يجد نفسه مضطرا للمطالبة بتعزيز قدراته الدفاعية الذاتية، وأما الولايات المتحدة، الراعي الرئيس لهذا الجيش، فستجد نفسها أمام مراجعة جوهرية لطبيعة هذا الدعم".
ويستطرد يوسف في تشخيص تحوّل آخر: "إلى جانب الجيش، انهارت صورة العراق بوصفه دولة إقليمية تلتزم بقواعد الجوار وتحترم الأعراف الدولية. فقد تعرّضت دول عديدة في المنطقة لهجمات انطلقت من الأراضي العراقية، فيما غرقت فصائل مسلحة وإعلام موالٍ لها في حملات تحريضية على دول مجاورة، بلغت مع الكويت وسوريا حد التهديد الصريح بالعمل العسكري المباشر. وهو ما يستحضر صورة العراق في حقبة النظام السابق؛ الصورة التي حرصت كل الحكومات العراقية المتعاقبة على إثبات تجاوزها جذريا، غير أن ما جرى كشف هشاشة هذا الادعاء".










