العراق بلا قرار: حين يصبح الدستور نصاً بلا سيادة
إسلام مري*
ليس هناك أخطر من نص دستوري يُقرأ بمعزل عن الواقع، إلا قاضٍ يظن أن الدولة قائمة فعلاً بينما هي تتآكل بصمت على جميع المستويات.
ما كُتب عن "حصرية قرار الحرب" بقلم فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق، يشبه في درجة كبيرة ما كان يدور في أروقة روما ومجالس الإمبراطورية التي كانت تصارع نفسها، بين عدة أقطاب متناحرة. مقال يبدو نظرياً جميلاً، لكنه يصطدم بحقيقة قاسية: العراق لا يعيش حالة سيادة مطلقاً، والقرارات فيه تُدار بين فراغات السلطة وتناقضاتها.
أسهب المقال وأوجز خطر الانفراد في قرارات الحرب والسلم على "الديومقراطية"، وهنا لا بد أن نسأل: أين كانت هذه "الآلية الدستورية الدقيقة" حين تعرّضت مواقع عسكرية رسمية عراقية لأكثر من عشرين ضربة جوية في أقل من شهر؟ ومن أعلن السلم؟ ومن صوّت؟.
ورب سائل آخر يسأل أيضاً، هل يعدّ الصمت في ظل الانتهاكات المستمرة بحق العراق حياداً، أم هو إقرارٌ ضمني بأن النص الدستوري لم يعد مرجعاً فعلياً لمواجهة قراءة دينية ترى في حرق بابل ضرورة استراتيجية! والحديث عن انفراد الفصائل بقرار الحرب يتجاهل سؤالاً أكثر إزعاجاً: هل كانت الدولة نفسها صاحبة قرار السلم؟ أم كانت، ولا تزال، عاجزة عن فرض إرادتها حتى على أرضها؟
طبائع الحكم التي قرأنا عنها في أدبيات الإدارة والسياسة تؤكد: عندما تغيب الدولة كقوة سيادية حقيقية يظهر البديل تلقائياً، لا حباً بالفوضى بل هروباً من الفراغ.
إن تصوير الفصائل المسلحة في المقال كأدوات خارجية فقط هو تبسيط مريح، لكنه مضلل. إما أنها امتداد لإرادة خارجية، وهنا تسقط فرضية خضوعها لمنظومة دستورية لا يجب ان يعترف بها، أو أنها نتاج داخلي لبيئة عراقية مأزومة، وفي هذه الحالة، تجاهل جذورها هو إنكار للواقع، لا تحليله.
الأخطر من ذلك ليس سلاح الفصائل، بل فقدان الثقة. والمواطن العراقي لم يعد يخاف من الحرب بقدر ما يخاف من "الدولة" التي لا تحميه، ومن "القانون" الذي لا يُطبق إلا انتقائياً. هذا الفصام بين النص والتطبيق خلق وعياً جمعياً يرى أن الشرعية لم تعد حكراً على المؤسسات الرسمية بل موزعة بين قوى متعددة بعضها يفرض نفسه بقوة الواقع.
سياسياً، المشكلة ليست في من يطلق النار، بل في من فقد القدرة على منعه. واجتماعياً، الأزمة ليست في السلاح وحده، بل في شعور شريحة واسعة بأن من يحكمها لا يمثلها. أما أمنياً، فالفوضى لم تبدأ مع الفصائل، بل مع لحظة عجز الدولة عن احتكار القوة، وربما كان الأجدر بالقضاء بدلاً من توجيه الخطاب للفصائل، أن يسأل: لماذا لم تعد الدولة قادرة على أن تكون المرجع الوحيد للقرارات السيادية؟ ولماذا أصبح الدستور يُستدعى عند الضعف فقط ويُغيّب عند القوة؟
أخيراً، يجول في خاطري سؤال لا يمكن تجاهله: ماذا حدث فعلاً في دعوى شهيد المطار؟ وهل العدالة التي لم تكتمل هناك قادرة اليوم على فرض هيبتها في ملفات أعقد؟
*كاتب وإعلامي عراقي مهتم بالشأنين السياسي والأمني



