العمل التناوبي بين إلزامية الإنتاج وحدود الحماية القانونية
بقلم/ غادة الصيد
يشهد تنظيم العمل التناوبي حضورًا متزايدًا في قطاعات حيوية كالصحة والنفط والكهرباء تفرض طبيعتها الاستمرار دون انقطاع، وهو ما يجعله خيارًا إنتاجيًّا لا غني عنه، غير أن هذا النمط من العمل بما ينطوي عليه من تغيير مستمر في أوقات العمل والراحة يثير إشكاليات قانونية وصحية معقدة، تتصل بمدى كفاية الضمانات المقررة لحماية العامل من آثاره البدنية والنفسية.
وفي ظل أحكام قانون علاقات العمل رقم 12 لسنة 2010 يبرز التساؤل حول قدرة المشرع على تحقيق التوازن بين متطلبات الإنتاج من جهة، وضرورة صون صحة العامل وكرامته من جهة أخرى، خاصة في ظل ما قد نشأ عن العمل والتناوب من إرهاق مزمن واضطراب في التوازن الحيوي للعامل، حيث إن قانون علاقات العمل السابق الإشارة إليه ولائحته التنفيذية لم يتطرقا إلى تنظيم العمل التناوبي، واكتفيا بعبارة عامة وردت في المادة (11) فقرة (1) من قانون علاقات العمل حيث نصت على: (…….. وأن يلتزم بالعمل في غير أوقات العمل الرسمية بناء على تكليف من جهة العمل إذا اقتضت مصلحة العمل ذلك). هذا النص يمنح سلطة واسعة لجهة العمل، لكنه لا يضمن للعامل أي حماية خاصة من أعباء المناوبات الطويلة أو الليلية.
وبينما حذر المشرع من تشغيل الأحداث ليلًا حافظًا على صحتهم، تجاهل التأثير نفسه على العمال البالغين الذين يتحملون نفس المخاطر. وفي ظل غياب تشريع عام ظهرت تنظيمات خاصة داخل المؤسسات الكبرى مثل الشركة العامة للكهرباء وقطاع الصحة، هذه اللوائح حددت أنماطًا مختلفة للمناوبات وعلاقات مالية رمزية، لكنها تفتقر إلى التوحيد، وتعتمد على قيم ثابتة لا تتماشى مع واقع التضخم أو معايير العدالة في الأجر.
من هذا المنطلق، من الضروري تطوير الإطار القانوني من خلال تعديل اللائحة التنفيذية لقانون علاقات العمل من خلال إضافة باب خاص بعنوان أحكام العمل التناوبي والليلي، لأن نظام التناوب بهذه الكيفية يعيش حالة من التشتت التشريعي، وضعف الحماية العمالية، ما يتطلب إصلاحًا عاجلًا يوازن بين متطلبات التشغيل الدائم وحق العامل في بيئة عمل إنسانية وصحية. فهذا الإصلاح المقترح لا يهدف فقط إلى مصلحة العامل، بل أيضًا إلى رفع كفاءة العمل وتقليل الأخطاء المهنية وتعزيز استدامة المؤسسات الحيوية.
The post العمل التناوبي بين إلزامية الإنتاج وحدود الحماية القانونية appeared first on الموقف الليبي.





