العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران: صدمة اقتصادية تعيد رسم موازين القوى
عبد الفتاح الشريف
بعد خمسة أسابيع من الحرب على إيران، لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية إقليمية، بل تحوَّل إلى أزمة عالمية متشعبة التأثيرات، هزَّت الأسواق المالية، وأربكت إمدادات الطاقة، ورفعت المخاوف بشأن الأمن الغذائي والاستقرار السياسي في الشرق الأوسط وأفريقيا.
منذ تصاعد العمليات العسكرية أواخر فبراير 2026، دخلت الأسواق العالمية في موجة تقلبات عنيفة، وتشير تقديرات أوائل أبريل إلى أن مؤشر S&P 500 الأمريكي شهد تذبذبات قوية أدت إلى محو نحو تريليوني دولار من قيمته السوقية في موجات بيع متلاحقة. وعلى نطاق أوسع، تجاوزت الخسائر في الأسواق العالمية 12 تريليون دولار خلال الأسابيع الأولى من الحرب، في ظل تصاعد المخاوف من اتساع رقعة الصراع وارتفاع تكاليف الطاقة.
وفي أوروبا، تكبدت الأسواق خسائر تُقدَّر بنحو 1.7 تريليون يورو خلال ثلاثة أسابيع فقط، مع تراجع مؤشرات رئيسية في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وسط توقعات بارتفاع التضخم وتباطؤ النشاط الصناعي.
الضربة الأقوى جاءت من سوق الطاقة حيث تسببت الاضطرابات المتكررة في مضيق هرمز، الذي يمرُّ عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية بدفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة، حيث تجاوز سعر البرميل 109 دولارات في 3 أبريل 2026.
هذا الارتفاع لم ينعكس فقط على أسعار الوقود، بل امتد إلى تكاليف النقل والصناعة والكهرباء، الأمر الذي تسبب في موجة تضخم عالمية جديدة. ومع دخول الولايات المتحدة بشكل مباشر في العمليات العسكرية، ازدادت المخاوف من تعطّل أوسع في الإمدادات، ما ينذر بدفع الأسعار إلى مستويات أعلى.
كما امتدت تداعيات الحرب إلى سلاسل الإمداد، لا سيما في قطاعات الطاقة والبتروكيماويات والشحن البحري، حيث ارتفعت تكاليف التأمين والنقل في الخليج، ما انعكس مباشرة على ارتفاع أسعار السلع الأساسية.
وكان تأثير الأزمة على قطاع الأسمدة أكثر خطورة، إذ أدى ارتفاع أسعار الطاقة وتعطل بعض الإمدادات إلى زيادة تكلفة الإنتاج الزراعي عالميًّا، ومع اقتراب المواسم الزراعية المقبلة، يبرز خطر ارتفاع أسعار الغذاء، خصوصًا في الدول المعتمدة على الاستيراد.
وتبدو الدول ذات الاقتصادات الهشة، خاصة في أفريقيا جنوب الصحراء، أكثر عرضة للخطر بسبب ارتفاع تكاليف الزراعة والنقل الذي قد يؤدي إلى موجات تضخم غذائي وزيادة في معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
وتواجه الدول الأفريقية المستوردة للنفط، مثل مصر وجنوب أفريقيا ضغوطًا كبيرة على الميزانيات وميزان المدفوعات، بسبب ارتفاع فاتورة الطاقة التي تضغط على العملات المحلية وترفع أسعار الوقود والغذاء ليكون لها تأثير مباشر على مستوى المعيشة.
وتواجه مصر تحديًا مزدوجًا يتمثل في ارتفاع تكلفة النفط والحبوب، بينما تعاني جنوب أفريقيا من ضغوط تضخمية تؤثر في النمو. في المقابل، قد تستفيد دول مصدِّرة للنفط مثل ليبيا والجزائر ونيجيريا وأنغولا والغابون من ارتفاع الأسعار عبر زيادة الإيرادات، غير أن هذه المكاسب تبقى رهينة استقرار الإنتاج واستمرار الطلب العالمي.
وكما أشرنا أعلاه الى تحقيق ليبيا بعض المكاسب المؤقتة من بيع النفط إلا أن هذه المكاسب يصاحبها ارتفاع في التكاليف، وخاصة في الوقود (البنزين والديزل) وغيرها من المشتقات النفطية التي غالبا ما ترتفع أسعارها بوتيرة أسرع وأعلى من النفط الخام، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن ليبيا تستورد أكثر من 75 ٪ من احتياجاتها من الخارج، وذلك بسبب ضعف الطاقة التكريرية للمصافي المحلية، بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة الواردات الأخرى التي تشمل الغذاء (الحبوب والزيوت واللحوم) والأدوية والمعدات الصناعية ولوازم الإنتاج والخامات وتكاليف السفر الجوي والنقل البحري.
ومن الناحية الاقتصادية تؤدي حالة عدم اليقين إلى تراجع الاستثمارات الأجنبية وارتفاع تكاليف التمويل والتأمين ما يعرقل خطط التنمية في عدة دول، أما من الناحية السياسية فإن الحرب قد تعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية وتعمق الاستقطاب بين المحاور المتنافسة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار الداخلي.
وختامًا فإن الحروب عادة لا تخلق فائزين اقتصاديين بالمفهوم المطلق، بل تعيد توزيع المكاسب والخسائر، فالدول المصدّرة للطاقة حققت دفعة مالية واضحة بفضل ارتفاع الأسعار، بينما تتحمل الدول المستوردة عبء تضخم أعلى وضغوطًا على العملات وتراجعًا في النمو.
الخاسر الأكبر يظل المستهلك العالمي، الذي يدفع ثمن ارتفاع الوقود والغذاء وتكاليف النقل، سواء في الدول المتقدمة أم النامية، فصدمات الطاقة لا تبقى محصورة في قطاع معين، بل تمتد آثارها إلى مختلف جوانب الاقتصاد.
أما جيو سياسيًّا، فقد تتجاوز الحسابات الآنية للربح والخسارة الأثر الفوري لأسعار النفط، فالدول القادرة على استثمار التحولات في ميزان القوى قد تجني مكاسب استراتيجية طويلة الأمد. وفي هذا السياق، قد تستفيد قوى كالصين وروسيا من انشغال الولايات المتحدة في الصراع، حتى وإن كانت تواجه تحديات اقتصادية خاصة بها.
وهكذا تكشف الحرب عن حقيقة ثابتة مفادها أن المكاسب المالية السريعة قد تكون، مؤقتة لكن إعادة تشكيل موازين الاقتصاد والسياسة في النظام الدولي قد تمتد آثارها لسنوات قادمة.
The post العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران: صدمة اقتصادية تعيد رسم موازين القوى appeared first on الموقف الليبي.




