السبيل – خاص
يأتي القصف الإسرائيلي الذي استهدف مقهى داخل ميناء غزة غرب المدينة، اليوم الثلاثاء، وأسفر عن استشهاد ستة مواطنين بينهم طفل وإصابة آخرين، ليؤكد مرة أخرى أن سياسة الاحتلال لا تزال قائمة على استهداف المساحات المدنية التي يفترض أن تكون بعيدة عن أي نشاط عسكري.
فالميناء والشاطئ ليسا ساحات قتال، بل أماكن يلجأ إليها الناس بحثاً عن الحد الأدنى من الحياة اليومية في ظل الحصار والتدمير المستمر.
ويكشف اختيار هذا الموقع بالذات بعداً أساسياً في السلوك الإسرائيلي، وهو تحويل أي مساحة يمكن أن تمثل متنفساً أو رمزاً للبقاء إلى هدف مشروع، بما يكرس شعوراً عاماً بأن لا مكان آمناً داخل القطاع.
ومن الناحية الميدانية؛ يندرج هذا العدوان ضمن سلسلة خروقات يومية لاتفاق وقف إطلاق النار. فهو يمثل حلقة في نمط يهدف إلى إبقاء الضغط العسكري قائماً، حتى في فترات يُفترض أنها تشهد تهدئة نسبية.
ويرسل استهداف تجمع مدني في منطقة ميناء رسالة واضحة بأن أي محاولة لاستعادة قدر من الحياة الطبيعية ستواجه بالقوة، في أسلوب يتجاوز الهدف التكتيكي المباشر، إن وُجد، ليصب في استراتيجية أوسع تقوم على إنهاك المجتمع الفلسطيني نفسياً واجتماعياً، ودفعه إلى الشعور بأن الصمود في الأرض أصبح أكثر كلفة يوماً بعد يوم.
ويأتي هذا التصعيد في مرحلة تشهد حديثاً دولياً عن ترتيبات وخفض للتصعيد، وفي ظل محاولات أمريكية وإقليمية لرسم ملامح مرحلة مقبلة. ويعكس اختيار هذه اللحظة بالذات رغبة إسرائيلية في فرض وقائع ميدانية قبل أن تتبلور أي تفاهمات قد تحد من حرية الحركة العسكرية.
فالاحتلال يسعى إلى أن يؤكد أن أي اتفاق أو خطة لا يلغي قدرته على اتخاذ “قراراته الأمنية” المزعومة وفق حساباته الخاصة عبر تنفيذ العمليات داخل القطاع متى شاء.
إضافة إلى ذلك؛ فإن هذا التوقيت يخدم أجندة داخلية، إذ يتيح لرئيس الوزراء الإسرائيلي تقديم نفسه كقائد لا يتردد في استخدام القوة، حتى في ظل ضغوط خارجية، بما يعزز صورته أمام قاعدته السياسية والمستوطنين، في ظل انتخابات مرتقبة.
والرسالة لا تقتصر على الفلسطينيين أو على الأطراف الدولية. فهي موجهة أيضاً إلى البيئة الإقليمية، لتؤكد أن “إسرائيل” ما زالت قادرة على فرض إيقاعها على الساحة، وأن أي حديث عن تهدئة لا يعني بالضرورة تراجع اليد العسكرية.
ويحمل استهداف الميناء تحديداً بعداً رمزياً إضافياً؛ فالميناء مرتبط تاريخياً بمحاولات كسر الحصار ووصول المساعدات، واستهدافه في هذه الظروف يذكر بأن السيطرة على المنافذ والمعابر والحياة الاقتصادية تبقى أداة ضغط مركزية.
في المحصلة؛ يكشف عدوان اليوم أن السياسة الإسرائيلية تجاه غزة لم تتغير جوهرياً، حتى لو تغيرت حدة القصف أو وتيرته في بعض الفترات. فالحسابات السياسية والأمنية لحكومة نتنياهو ما زالت تدفع باتجاه إبقاء القطاع تحت التهديد المستمر، واستخدام أي ذريعة أمنية لتبرير استهداف المدنيين.
وبحسب مراقبين؛ يفرض هذا الواقع على المقاومة والشعب الفلسطيني الاستمرار في بناء قدرات الصمود، والتعامل مع أي تهدئة على أنها مرحلة مؤقتة لا تلغي الحاجة إلى الاستعداد الدائم، “فما دام الاحتلال يرى في استمرار الضغط أداة لتحقيق أهدافه، فإن أي مكان في غزة، بما في ذلك الميناء والشاطئ، سيبقى عرضة للاستهداف متى اقتضت الحسابات ذلك”.
The post العدوان الإسرائيلي على ميناء غزة.. دلالات التوقيت appeared first on السبيل.





