عنب بلدي – آلاء شعبو
لم تكن الحقيقة بحاجة إلى أكثر من كاميرا هاتف تصادفت في المكان المناسب، لتلتقط في ثوانٍ ما قد يبقى عادة خلف الأبواب المغلقة.
في إحدى القرى السورية، وثّق مقطع فيديو متداول محاولة اعتداء جنسي على طفلة داخل متجر، قبل أن ينتشر على نطاق واسع، ويعيد إلى الواجهة سؤالًا يتجاوز الواقعة نفسها: كيف يمكن حماية الأطفال من الاعتداء قبل وقوعه، وماذا يحدث عندما يعجز الطفل عن إدراك ما يتعرض له أو الإفصاح عنه؟
أوقفت الجهات المختصة الرجل الذي ظهر في المقطع، وأحيلت القضية إلى المسار القانوني، لكن الواقعة لا تُختصر بمحاسبة مرتكبها، فالاعتداءات الجنسية على الأطفال قد تحدث بعيدًا عن أعين الأهل والمؤسسات، وقد لا يدرك الطفل طبيعة ما يتعرض له، ما يجعل الوقاية والاكتشاف المبكر جزءًا أساسيًا من حمايته.
أرقام تكشف ما لا يظهر
تُظهر أحدث تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، المنشورة في حزيران 2026، حجم الظاهرة عالميًا، إذ تعرضت نحو 650 مليون فتاة وامرأة، أي واحدة من كل خمس فتيات ونساء على قيد الحياة اليوم، للعنف الجنسي خلال طفولتهن.
وبين الأولاد والرجال، تعرض ما بين 410 و530 مليونًا، أي نحو واحد من كل سبعة، للعنف الجنسي في طفولتهم.
وتتحدث هذه الأرقام عن العنف الجنسي خلال الطفولة بمفهومه الأوسع، وليس التحرش وحده، كما لا تعني أن جميع الحالات وصلت إلى المؤسسات الرسمية، إذ ترتبط هذه الجرائم بمستويات مرتفعة من عدم الإبلاغ بسبب الخوف والوصمة وعوامل أخرى تحيط بالطفل وأسرته.
الطفل قد لا يعرف أنه ضحية
قالت الاختصاصية الاجتماعية غدران نجم، إن الطفل لا يدرك في كثير من الأحيان أن ما يتعرض له يمثل تحرشًا أو اعتداء، بسبب محدودية تطوره المعرفي والجنسي وافتقاره إلى المفاهيم واللغة التي تمكنه من تمييز الحدود الجسدية.
ولا يبدأ المعتدي بالضرورة بسلوك صادم يدفع الطفل إلى طلب المساعدة، إذ قد يعتمد على ما يُعرف بـ”الترويض التدريجي”، من خلال الهدايا أو المعاملة اللطيفة وبناء علاقة ثقة مع الطفل.
المعتدي لا يأتي دائمًا بالصورة التي يتخيلها الطفل عن الشخص المؤذي، بل قد يبدو لطيفًا وودودًا، ويبدأ ببناء الثقة قبل الانتقال تدريجيًا إلى سلوك مؤذٍ.
غدران نجم
اختصاصية اجتماعية
وقد يربك هذا السلوك الطفل ويدفعه إلى تفسير ما يحدث على أنه لعب أو رعاية، قبل أن يتطور إلى اعتداء.
الصمت ليس دليلًا على عدم حدوث الاعتداء
بحسب نجم، قد يصمت الطفل بسبب الخوف من تهديدات المعتدي، أو نتيجة شعوره بالذنب والوصمة، وحتى بسبب ارتباكه تجاه استجابات جسدية غريزية وغير إرادية قد تحدث له.
وقد يخشى أيضًا ألا يصدقه أهله أو أن يتعرض للعقاب، خصوصًا عندما يكون المعتدي شخصًا صاحب سلطة عليه، كمعلم أو قريب.
وتضاف إلى ذلك مخاوف من تفكك الأسرة أو نشوب نزاعات عائلية، إلى جانب البيئات التي تعتمد على العقاب الشديد واللوم والقسوة في التربية.
قد تتحول الأسرة من المكان الذي يفترض أن يلجأ إليه الطفل طلبًا للحماية إلى مصدر خوف يمنعه من الكلام.
غدران نجم
اختصاصية اجتماعية
لذلك، ترى نجم أن وجود مساحة آمنة للحوار بين الأهل وأطفالهم عامل أساسي، بحيث يستطيع الطفل الحديث عن تفاصيل حياته ومخاوفه دون أن يتوقع العقاب أو اللوم.
علامات لا ينبغي تجاهلها
لا يملك الطفل دائمًا القدرة على القول إنه تعرض لتحرش، لكن تغير سلوكه قد يكون مؤشرًا يستدعي الانتباه.
وأوضحت نجم أن من العلامات المحتملة الانسحاب الاجتماعي المفاجئ، خصوصًا لدى طفل كان معروفًا بالحيوية والتفاعل، إضافة إلى نوبات الغضب غير المبررة.
وقد يظهر ما يعرف بـ”النكوص النمائي”، أي عودة الطفل إلى سلوكيات تجاوزها سابقًا، مثل التبول اللاإرادي أو مص الإصبع.
ومن المؤشرات المحتملة أيضًا تجنب شخص أو مكان معيّن بشكل مفاجئ، أو ظهور معرفة غير متناسبة مع عمر الطفل بسلوكيات جنسية، أو محاكاة أفعال ذات طابع جنسي في أثناء اللعب، إضافة إلى اضطرابات النوم والكوابيس والتراجع الدراسي والشكاوى الجسدية المتكررة، مثل آلام البطن والصداع من دون سبب طبي واضح.
ولا تعني أي من هذه العلامات بمفردها أن الطفل تعرض حتمًا لاعتداء جنسي، لكنها تستدعي الانتباه إلى التغير المفاجئ في سلوكه وعدم تجاهله.
القانون يميز بين أشكال الاعتداء
من الناحية القانونية، أوضح المحامي نادر خليل أن التحرش اللفظي والتحرش الذي يتضمن اللمس يدخلان ضمن أفعال التحرش، بينما يمثل الاغتصاب جرمًا مختلفًا، إلى جانب أفعال يمكن أن تندرج تحت “الفعل المنافي للحشمة”.
ويختلف التوصيف والعقاب بحسب عمر القاصر وطبيعة الفعل، إذ تزداد الحماية القانونية كلما كان الطفل أصغر سنًا، مع اختلاف الأحكام لمن هم دون 12 عامًا، ودون 15 عامًا، ودون 18 عامًا.
وأشار خليل إلى المواد “505” و”506″ و”507″ من قانون العقوبات السوري.
وتنص المادة “505”، بحسب خليل، على معاقبة من يلمس أو يداعب قاصرًا لم يتم 15 عامًا بصورة منافية للحياء بالحبس مدة لا تتجاوز سنة ونصفًا.
وبحسب خليل، تختلف العقوبات في الحالات الأشد، وقد تصل في بعض أفعال الاعتداء أو الشروع بالاغتصاب إلى 15 سنة أو أكثر، تبعًا للتوصيف القانوني وظروف القضية.
التحقيق لا يجب أن يصبح اعتداء ثانيًا
قال خليل، إن من المهم الاستماع إلى إفادة الطفل مرة واحدة قدر الإمكان، لأن تكرار رواية الواقعة قد يكون مؤذيًا له.
وفي حال كانت الضحية فتاة، يمكن مراعاة خصوصيتها من خلال أن تستمع إليها محققة أو قاضية، بما قد يوفر لها شعورًا أكبر بالراحة والأمان.
كما شدد على ضرورة عدم جمع الطفل مع الجاني وجهًا لوجه، لأن المواجهة قد تربكه وتؤثر في قدرته على الحديث، لافتًا إلى أن جلسات هذا النوع من القضايا تكون سرية.
أما مقاطع الفيديو التي توثق الاعتداء، فأوضح خليل أن التسجيل الملتقط بكاميرا عامة يمكن أن يستخدم كقرينة في إثبات الدعوى، وفق ظروف القضية وطريقة الحصول عليه.
لكن إعادة نشر الفيديو الذي يظهر فيه الطفل مسألة مختلفة، إذ قد تشكل اعتداء على خصوصيته، وجرمًا مستقلًا وفق قانون الجرائم المعلوماتية، وتترتب عليها عقوبات تشمل الحبس والغرامة.
وهنا لا يصبح نشر وجه الطفل أو تفاصيل هويته “توثيقًا للواقعة”، بل قد يتحول إلى أذى إضافي للضحية.
المدرسة.. مساحة لاكتشاف ما لا يقوله الطفل
لا يقتصر دور المدرسة على التعليم الأكاديمي، إذ قد تكون البيئة التي يقضي فيها الطفل جزءًا كبيرًا من يومه مساحة لاكتشاف تغيرات يصعب ملاحظتها داخل المنزل.
وقالت غدران نجم، إن المعلمين يمكن أن يلاحظوا تغيرات في سلوك الطفل، مثل الانعزال المفاجئ، والخوف من شخص معين، والتراجع الدراسي أو تغير طريقة تفاعله مع زملائه، ما يجعل تدريب الكوادر التعليمية على ملاحظة هذه المؤشرات والتعامل معها جزءًا من منظومة الحماية.
وأضافت أن دور المدرسة لا ينبغي أن يقتصر على ملاحظة المؤشرات، بل يجب أن يتضمن توفير شخص بالغ يستطيع الطفل اللجوء إليه، والتعامل مع إفصاحه بطريقة لا تشعره بالخوف أو الذنب، مع إحالة الحالة إلى الجهات المختصة عند الحاجة.
المدرسة ليست بديلًا عن الأسرة، لكنها قد تكون المكان الذي يظهر فيه التغير على الطفل، خصوصًا عندما يقضي ساعات طويلة بعيدًا عن المنزل.
غدران نجم
اختصاصية اجتماعية
التوعية جزء من الوقاية
توصي منظمة الصحة العالمية بأن تتضمن الوقاية من إساءة معاملة الأطفال برامج تعليمية تساعد الأطفال والمراهقين على فهم الموافقة، وتجنب الاعتداء والاستغلال وطلب المساعدة.
كما تؤكد أهمية دعم الوالدين ومقدمي الرعاية، والتعرف المبكر إلى الحالات، وتوفير الرعاية المستمرة للأطفال الضحايا وأسرهم.
كما لا تضع مسؤولية حماية الطفل على الأسرة وحدها، بل توصي بأن تكون التربية الجنسية المناسبة للعمر جزءًا من المناهج الدراسية، على أن تعزز الأسرة والمجتمع الرسائل التي يتلقاها الطفل في المدرسة.
ولا تعني التربية الجنسية للأطفال الصغار تعليمهم الممارسات الجنسية، إذ تركز في هذه المرحلة على فهم الجسد والمشاعر والعلاقات والاحترام والخصوصية والمبادئ الأساسية للموافقة والسلامة، إضافة إلى معرفة ما يمكن فعله عند التعرض للعنف أو الإساءة.



