الاعتداء على السفارة الإماراتية بدمشق.. أطراف متعددة ذات مصلحة
عنب بلدي – ركان الخضر
لم يغب صدى قرار اعتماد الإعدام شنقًا كعقوبة افتراضية لسكان الضفة الغربية الذين تدينهم المحاكم العسكرية الإسرائيلية بارتكاب “أعمال إرهابية مميتة”، الصادر عن “الكنيست” الإسرائيلي في 30 من آذار الماضي، عن الشارع السوري.
فقد أقيمت أكثر من وقفة احتجاجية في عدة مدن سورية، رفضًا للقرار وتعبيرًا عن التضامن مع الشعب والأسرى الفلسطينيين.
وتطورت إحدى هذه الوقفات، التي جرت في 3 من نيسان الحالي، إلى محاولة اقتحام السفارة الإماراتية في دمشق ورفع العلم الفلسطيني فوقها.
تبحث عنب بلدي في الهدف من هذه التحركات، والآثار السلبية المترتبة على الساحة السورية من ورائها، وتحاول عبر باحثين التعرف إلى الأطراف صاحبة المصلحة من العملية.
الحادثة تتجاوز الغضب الشعبي
يعتقد الباحث في “المركز السوري للدفاع والأمن” (مسداد) معتز السيد، أن هذه التحركات، رغم أنها تعكس غضبًا شعبيًا حقيقيًا وتضامنًا مع القضية الفلسطينية، وهو أمر طبيعي، فإنها تشير في المقابل إلى وجود من حاول “ركوب الموجة” واستغلال هذا الغضب.
وقال الباحث، إن القائمين على العملية ليسوا بالضرورة جهة منظمة تتحرك بأوامر مباشرة، بل في كثير من الأحيان هم أفراد أو مجموعات يحملون قناعات أيديولوجية، خصوصًا من مناصري ما يُعرف بـ”محور المقاومة”، الأمر الذي يدفعهم للقيام بخطوات تصعيدية.
وأضاف أن جزءًا من هذه التحركات قد يكون ناتجًا عن محاولة استغلال حالة الغضب الشعبي، حتى دون وجود توجيه مباشر أو أوامر واضحة، فبعض الأفراد أو المجموعات قد يتحركون بدافع أيديولوجي أو حماسي، لكن النتيجة العملية تبقى واحدة، وتتمثل في خلق حالة من التوتر والفوضى.
وأشار السيد إلى عدم إمكانية تجاهل أن استقرار سوريا الحالي قد لا يخدم بعض الجهات، سواء كانت محلية أو مرتبطة بأجندات أوسع، لذلك قد تحاول أي من تلك الجهات استغلال أحداث كهذه لإرباك الوضع الداخلي أو جرّ البلاد نحو التصعيد، وهي تحركات تصب في هدف أوسع يتمثل في زعزعة الاستقرار ودفع سوريا إلى بيئة أكثر توترًا، حتى لو بدت تحركات عفوية في مظهرها.
من جهته، استبعد الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، أن يكون الموضوع تعبيرًا عن مجرد غضب شعبي على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، رغم أنه “قانون منافٍ للإنسانية ومخالف للقوانين الدولية التي تؤكد حماية الأسرى والمعتقلين”.
ونوه جلو إلى أن أننا لم نشهد تحركات مشابهة على الساحة الأردنية التي يعتبر نصف شعبها من جذور فلسطينية، وكذلك الشعب المصري المعروف بتعاطفه الكبير مع القضية الفلسطينية، الأمر الذي يرجح أن تكون العملية منظمة من جهة مستفيدة، بحسب رأيه.
أكثر من جهة لها مصلحة
في تصريحات أدلى بها المتحدث باسم الداخلية السورية، نور الدين البابا، لقناة “الإخبارية السورية” الحكومية، في 5 من نيسان الحالي، أشار إلى أن المعتدين على مبنى السفارة الإماراتية مرتبطون بالنظام السابق.
وبيّن البابا أن “بعض المسيئين والمشاغبين يريدون الإساءة للعمق العربي ولتحركات سوريا نحو المستقبل”، داعيًا إلى ضبطهم والتعامل معهم بحزم.
وأفاد بضرورة التفريق بين من يتحرك من أجل أجندات نظام الأسد المخلوع، ومن يعمل لدعم القضية الفلسطينية، لافتًا إلى وجود محاولات مستمرة من “الفلول” لإبقاء سياسة عزل سوريا.
ونوه الباحث عمار جلو إلى عدم إمكانية الجزم بمصداقية الحكومة في اتهام “فلول النظام” بالوقوف وراء الحادثة، وهو اتهام يطرح، برأيه، استفسارات حول طريقة التعامل الحكومي مع هؤلاء “الفلول”، متسائلًا هل المسألة هي عدم قدرة الحكومة على السيطرة عليهم إلا بعد قيامهم ببعض التحركات المؤذية لصورة سوريا عالميًا وإقليميًا، أم أن القضية تحولت إلى تهمة جاهزة يتم وضعها تجاه أي حدث في الداخل السوري.
وأضاف جلو أن الدولة السورية تعاني من عدم القدرة على موازنة خطابها بين المجموعات التي شكلت هذا التآلف الحكومي، مثل فصائل الإسلام السياسي والفكر السلفي، وحتى التيار المدني الذي يعتبر الأقل حضورًا في المشهد الحكومي السوري، وهو ما أدى برأيه إلى شيء من الضبابية وعدم التماسك في المواقف الحكومية.
وأوضح أن الساحة السورية تشهد تحركات لبعض جماعات الإسلام السياسي، بشقه السنّي، أو خلايا من الشق الإيراني متمثلة في بعض الفصائل الفلسطينية التي تستغل بعض قواعدها الشعبية الموجودة في سوريا، مشيرًا إلى أن هذه الجماعات تدفع إلى منحى ربما يكون مضرًا بالدولة السورية، الأمر الذي يجعلها مستفيدة من هذه التحركات.
وبيّن أن الاقتصار على اتهام “الفلول” هو تبسيط كبير للمسألة، مضيفًا أن الحكومة السورية هي من تتحمل مسؤولية هذه التحركات، بغض النظر عن الفاعل.
الباحث معتز السيد، أشار إلى طرفين رئيسين قد تكون لهما مصلحة في هذه التحركات، يتمثل الطرف الأول، برأيه، في بقايا بعض الفصائل الفلسطينية التي كانت مرتبطة بالنظام السابق، والتي ما زالت تنظر إلى نفسها كجزء مما يُعرف بـ”محور المقاومة”.
وبيّن السيد أن هذه الفصائل قد ترى في موقف الحكومة الحالي “الهادئ” تجاه التصعيد الإقليمي تراجعًا عن هذا الدور، وتحاول من خلال هذه التحركات فرض واقع مختلف أو الضغط باتجاه موقف أكثر تصعيدًا.
أما الطرف الثاني، بحسب السيد، فهو جماعات تحمل فكرًا جهاديًا مثل تنظيم “الدولة الإسلامية”، أو من يتبنون نفس الأيديولوجيا، موضحًا أن هذه الجماعات بطبيعتها تستفيد من الفوضى، وهي غير راضية عن أي حالة استقرار، لذلك قد تستخدم هذه الأحداث كذريعة لزعزعة الوضع الداخلي، ليس بدافع حقيقي لنصرة القضية الفلسطينية، بل بهدف إرباك الدولة وخلق بيئة أمنية مضطربة.
الآثار السلبية
توالت ردود الفعل على محاولة اقتحام السفارة الإماراتية بدمشق، فقد أصدرت دول الخليج العربي والأردن ومصر بيانات إدانة واستنكار لـ”أعمال الشغب والاعتداءات ومحاولة تخريب الممتلكات التي طالت مقر السفارة الإماراتية، ومقر رئيس بعثتها في العاصمة السورية دمشق، إضافة إلى الإساءات غير المقبولة التي استهدفت الرموز الوطنية الإماراتية”.
وعبّرت عن رفضها لكل أشكال العنف ضد الدبلوماسيين، مشددة على ضرورة توفير الحماية للدبلوماسيين ومقار البعثات الدبلوماسية امتثالًا للقوانين والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
أشار الباحث عمار جلو إلى أن هذه الحوادث تعطي انطباعًا بأن الساحة السورية غير آمنة، وتشكك في نظرة الحكومات الخارجية للقدرات الأمنية السورية حتى في أكثر المواقع التي يفترض أنها محصنة ومراقبة أمنيًا.
كما أنها تعمل، برأي جلو، على توتر العلاقات مع الدول الإقليمية والعالمية، في الوقت الذي تعمل فيه الحكومة السورية على تطوير علاقاتها الخارجية، وتعطي مؤشرًا على ضعف الحكومة، وعدم قدرتها أو رغبتها في ضبط الشارع.
وعدّد الباحث معتز السيد أكثر من نقطة سلبية قد تنتج عن هذه التحركات، شملت كسر حالة الهدوء القائمة مع الجانب الإسرائيلي، ما يفتح الباب أمام مزيد من الضربات أو العمليات العسكرية داخل الأراضي السورية، واحتمالية استخدام هذه الأحداث كذريعة لتوسيع الانتهاكات، بما في ذلك توغلات محدودة أو عمليات اعتقال تحت عنوان ملاحقة “مخربين”.
وأضاف السيد جانبًا من الآثار السلبية السياسية خصوصًا على مستوى العلاقات الدبلوماسية، مبيّنًا أن استهداف السفارات أو خلق حالة فوضى يضعف صورة الدولة، في وقت تحاول فيه الحكومة تقديم نفسها كجهة قادرة على ضبط الأمن، الأمر الذي قد يؤثر على علاقاتها مع الدول العربية والغربية، ويقوّض الجهود المبذولة لإظهار أن الوضع في سوريا مستقر وتحت السيطرة.
وأوضح السيد أن هذه التحركات قد تخلق مشكلة تؤدي عمليًا إلى حالة من الفوضى أو جرّ سوريا إلى مسارات تصعيد لا تخدم استقرارها الداخلي، حتى ولو كانت بدوافع أيديولوجية.
الإجراءات المطلوبة من الحكومة
أوضحت وزارة الداخلية السورية في بيان حول الحادثة، نشرته في 5 من نيسان الحالي، أن “الاعتداء” على السفارة الإماراتية أو أي تصرفات مشابهة، ستقابَل بإجراءات قانونية صارمة.
وأشارت إلى أنها بدأت بتعزيز الإجراءات الأمنية حول مقار البعثات الدبلوماسية، لضمان سلامتها، وملاحقة المتورطين.
كما أكدت وزارة الخارجية والمغتربين السورية من جهتها، “موقفها الثابت والراسخ في رفض أي اعتداء أو محاولة اقتراب من السفارات والمقار الدبلوماسية المعتمدة في الجمهورية العربية السورية”.
وشددت الوزارة، في البيان الصادر في 4 من نيسان الحالي، على أن هذه المقار “محمية بموجب القانون الدولي والاتفاقيات الدبلوماسية، وتعد رمزًا للعلاقات بين الدول والشعوب”.
وأعربت عن “رفضها القاطع واستنكارها لأي شعارات أو أفعال مسيئة للدول أو المساس برموزها”، مؤكدة أن هذا التصرف “يتناقض مع مبادئ الاحترام المتبادل والتعاون الدولي”.
قال الباحث معتز السيد، إن الخطوات المطلوبة من الحكومة السورية لمنع تكرار أحداث مشابهة في المستقبل، تبدأ أولًا بملاحقة أي مجموعات تحاول التحرك خارج إطار الدولة، سواء كانت مرتبطة ببقايا شبكات سابقة أو أفراد يتحركون بشكل منفرد بدوافع أيديولوجية، بهدف التأكيد على أن أي نشاط مسلح أو أمني يجب أن يبقى تحت سيطرة الدولة فقط.
وأضاف السيد خطوات أخرى، تتمثل في تكثيف العمل الاستخباراتي لرصد هذه التحركات قبل حدوثها، خاصة في المناطق الحساسة مثل الجنوب أو محيط العاصمة، وتعزيز الوجود الأمني في هذه المناطق لمنع أي محاولات اختراق أو تحرك غير منضبط.
فالأهم هو ضبط التظاهرات وتنظيمها بحيث يُسمح بالتعبير الشعبي، لكن دون أن تتحول إلى أعمال فوضى أو محاولات تصعيد قد تجر البلاد إلى أزمات أمنية، بحسب الباحث معتز السيد.
ويتمثل المطلوب من الحكومة السورية، برأي الباحث عمار جلو، في تعزيز الإجراءات الأمنية لحماية المقار الدبلوماسية، وتشديد المراقبة على التحركات في المناطق القريبة من هذه المقار، وحصر التعاطي مع القضايا الإقليمية بالأطراف والوزارات المختصة.





