العالم بلا فرامل: الطريق المفتوح إلى الحرب الثالثة! #عاجل
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
كتب - حلمي الأسمر
الحرب العالمية الثالثة… لا تبدأ بقرار، ولا تُعلن بخطاب، ولا تُدق لها طبول كما في الأساطير. إنها تتسلل بهدوء، كشقّ صغير في جدار ضخم، لا يلفت الانتباه في البداية، ثم لا يلبث أن يتحول إلى انهيار كامل. هذا هو المعنى العميق الذي يطرحه مقال مجلة الإيكونوميست البريطانية في عددها الأخير: العالم لا يتجه نحو حرب كبرى لأنه يريدها… بل لأنه لم يعد يعرف كيف يمنعها.
نحن لا نعيش لحظة ما قبل الحرب كما كانت تُفهم في القرن العشرين، حين كانت الدول تحشد الجيوش وتعلن التعبئة وتُرسل الإنذارات. نحن نعيش زمن الاحتكاك الدائم، حيث تتحرك القوى الكبرى داخل شبكة من الأزمات المتشابكة: في أوكرانيا حرب مفتوحة تستنزف الغرب وروسيا، في المنكقة العربية نار تحت الرماد قابلة للاشتعال عند أي خطأ في الحسابات، وفي شرق آسيا توتر صامت بين الولايات المتحدة والصين يشبه صفيحًا ساخنًا ينتظر الشرارة. هذه ليست أزمات منفصلة، بل نظام توتر عالمي واحد، إذا اشتعل في نقطة امتد إلى باقي النقاط كالنار في الهشيم.
المشكلة لم تعد في نوايا الدول، بل في طبيعة النظام نفسه. بعد الحرب العالمية الثانية، بُني عالم قائم على قواعد واضحة: توازن ردع، مؤسسات دولية، خطوط حمراء غير مكتوبة. كان هناك خوف عميق من الانزلاق، وكان هذا الخوف نفسه هو الذي يمنع الحرب. أما اليوم، فقد تآكل هذا النظام تدريجيًا. لم تعد القواعد محترمة كما كانت، ولم تعد المؤسسات قادرة على ضبط السلوك الدولي، والأخطر أن الثقة بين القوى الكبرى انهارت. كل طرف يرى الآخر تهديدًا وجوديًا، لا خصمًا يمكن التفاهم معه. ومع وجود زعيمين فاقدين لأي كوابح أخلاقية أو سياسية كالرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء العدو المجرم الفار من وجه العدالة بنيامين نتنياهو أصبحنا أكثر قربا من لحظة الانفجار الفجائية!
في هذا المناخ، تصبح القرارات أسرع، وأكثر توترًا، وأقل عقلانية. التكنولوجيا زادت من خطورة المشهد: صواريخ تفوق سرعة الصوت، أنظمة إنذار تعتمد على خوارزميات قد تخطئ، قادة مضطرون لاتخاذ قرارات خلال دقائق بدل أيام. الزمن الذي كان يسمح بالتراجع أو إعادة التفكير اختفى تقريبًا. وبين لحظة الخطأ ولحظة الكارثة، لم يعد هناك سوى ثوانٍ.
وهنا يكمن أخطر ما في المشهد: منطق "الرد الفوري”. لم تعد الدول تملك رفاهية التريث، لأن التريث قد يُفسَّر ضعفًا. وهكذا يتحول العالم إلى آلة ردود فعل: ضربة تُقابل بضربة، وتصعيد يُقابل بتصعيد، دون أن يتوقف أحد ليسأل إلى أين يقود هذا المسار. الحرب لم تعد قرارًا… بل نتيجة تلقائية لسلسلة ردود فعل غير مضبوطة.
إذا أردت أن تتخيل كيف يمكن أن تبدأ الحرب العالمية الثالثة، فلا تبحث عن سيناريوهات معقدة. يكفي حادث صغير: طائرة تُسقط بالخطأ، سفينة تُستهدف في مضيق، صاروخ ينحرف عن مساره. ثم يبدأ التسلسل: رد سريع، ثم رد مضاد، ثم دخول الحلفاء، ثم توسع الاشتباك… وفي لحظة ما، يصبح التراجع مستحيلاً. هذا هو السيناريو الذي أعاد العالم إلى الحرب العالمية الأولى، وهذا ما يحذر منه المقال: التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يعيد منطقه.
في قلب هذا كله، تبرز "حرب المضائق” كأحد أخطر تجليات هذا العصر. من هرمز إلى باب المندب، ومن تايوان إلى البوسفور، لم تعد هذه الممرات مجرد خطوط على الخريطة، بل نقاط اختناق للنظام العالمي كله. أي إغلاق، أي احتكاك، أي خطأ في هذه الشرايين، يمكن أن يخنق الاقتصاد العالمي ويُجبر القوى الكبرى على التدخل. وهنا يتحول الصراع من إقليمي إلى دولي في لحظات.
المفارقة القاسية أن العالم اليوم أكثر جرأة وأقل حكمة. في زمن الحرب الباردة، كان الخوف من السلاح النووي يفرض نوعًا من العقلانية القسرية. أما اليوم، فقد تراجع هذا الخوف نسبيًا، دون أن تختفي أسباب الحرب. النتيجة عالم مسلح حتى الأسنان، لكنه أقل قدرة على ضبط نفسه.
ومع ذلك، لا يقول المقال إن الحرب حتمية. بل يطرح فكرة أكثر تعقيدًا: يمكن تجنبها… لكن بشروط صعبة. يجب إبطاء الإيقاع، إعادة فتح قنوات الاتصال حتى بين الأعداء، والتخلي عن وهم "الانتصار الكامل” لصالح إدارة الأزمات. أي أن الهدف لم يعد أن تربح… بل أن تمنع الانفجار. ( من يقنع ترامب ونتنياهو بهذا المنطق!؟)
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل يمكن منع الحرب؟
بل: هل ما زال لدى القوى الكبرى الإرادة والقدرة على ضبط نفسها؟
هنا يصبح المشهد أكثر قتامة. لأن كل ما نراه اليوم—من سباق التسلح، إلى الحروب متعددة الجبهات@، إلى استعراض القوة في المضائق—يشير إلى عالم يتقدم بخطى ثابتة نحو حافة الهاوية، دون أن يعترف بذلك.
الحرب العالمية الثالثة، إذا وقعت، لن تكون مفاجأة… بل ستكون النتيجة المنطقية لعالم فقد توازنه، واستبدل العقل برد الفعل، والنظام بالفوضى، والحكمة بالسرعة.
إنها لن تبدأ عندما يقرر القادة الحرب…
بل عندما يعجزون عن إيقافها.





