ريمون مرهج
كيف حالك أخبرني ولو بالحلم. أنا بحاجة إليك، مشتاق إليك يا أبي، الدنيا لا تشرق شمسها في أعماقي بدونك. زوايا البيت صامتة فارغة من صوتك ونبرات همساتك. هناك فراغ مخيف كبير يجعل حياتنا في ضياع أحياناً وفي إحباط وضجر أحياناً أخرى. نتوق للحظات السلام والأمان التي كنت تبعثها فينا حينما نلقاك فتذوب كل الهموم وتهون كل المشاكل عندما نتحدث إليك. كلامك معنا بمثابة بوصلة تصحح إتجاهاتنا في مسيرة عمرنا وعندما تبتسم تهطل علينا وابلاً من أمطار السعادة والبهج،ة تبعث في أعماقنا مشاعر الرضى والارتياح فننظر إلى السماء شاكرين الخالق عز وجل. أدركت يا والدي أننا مهما كبرنا وعلا شأننا في المجتمع ومهما نجحنا في الحياة وحققنا الأحلام والأمنيات تبقى الأمور باردة باهتة بدونك، فأنت البركة الدائمة التي ننعم بها في يومياتنا والملجأ الآمن بعد التعب والإرهاق. حينما كنت شاباً يافعاً توهمت أنني أفضل منك ومدرك لأمور العالم الحديث أكثر منك، وكم كنت أهمل إرشاداتك وأغفل نصائحك، وكم من المرات أمشي من دون أن أنصت إليك أو حتى أنتظر لتكمل حديثك معتقداً أنني الأكثر حكمة منك، وأفهم مسبقاً كل ما تود قوله، حتى مرّت السنون وغدوت ناضجاً، صقلتني التجارب والمشاكل فأضحيت أعقل، تيقظت وفهمت قيمة وجودك في حياتنا، وكم أنك الكنز الذي لا يُقدر بأي ثمن في هذا العالم، ولكن كان عمرك المتبقي معنا قصيراً فلم نرتوِ من نبع حنانك ومن زبد فكرك كفاية، فرحلت فجأة وتركت الفراغ الكبير في درب العمر، لكن ما قطفناه من ثمر روحك كان زاداً عظيماً جليلاً جعلنا نواجه المصاعب بحكمة وروية، سلاحاً قوياً ندافع به عن كرامتنا ومبادئنا بتُؤدة ورزانة. زرعت المحبة فينا فكنا حصناً منيعاً، متحدين بقلب واحد وعقول متميزة متنوعة الأفكار نرسم في مجتمعنا ألوان الحياة الجميلة الرائدة. يا أبي، أتوق إليك وأحن لحضنك وقبلتك المقدسة على خدي، أشتاق لنظرات عينيك التي تلمع حباً لأبنائك ولصلاتك التي صقلت أرواحنا فجعلتنا مؤمنين ومن أبناء الله الصالحين. ربيتنا على عمل الخير ومساعدة الآخر المحتاج وصيّرتنا نور المحبة بين البشر. أعلم أن الموت حق علينا جميعاً وهذه سنّة الحياة التي تسري على جميع البشر من دون استثناء، ولكن رحيلك مبكراً أشعل في أفئدتنا جمراً لا ينطفئ ولن يخمد إلا حينما نلقاك في العالم الآخر ...إلى اللقاء يا والدي الحبيب.



