اقتصاد لا يشبه الاقتصاد: ما بعد انهيار البنية المالية لغزة
ين خيام النزوح وأكوام الركام، أصبحت عمليات البيع والشراء في غزة مرتبطة بوصول إشعار تحويل على شاشة هاتف أكثر من ارتباطها بتبادل الأوراق النقدية. يقف الزبائن أمام البسطات والدكاكين المؤقتة، بينما يراقب البائع هاتفه بانتظار رسالة قصيرة تؤكد وصول المبلغ. وفي كثير من الأحيان، يكفي ضعف الشبكة أو انقطاع الإنترنت لدقائق حتى تتوقف عملية البيع بالكامل، وكأن الحركة الاقتصادية نفسها باتت معلّقة على إشارة اتصال.
بهذا الشكل تبدّلت الحياة المالية اليومية في غزة خلال الحرب، فتدمير البنوك وتعطل الصرافات ومنع إدخال السيولة النقدية دفع المال إلى التحول من وسيلة تداول يومية سهلة إلى مورد نادر وصعب الوصول. ومع تراجع حضور النقد في الأسواق، ظهرت بدائل مؤقتة، من القسائم الورقية والتحويلات البنكية إلى شبكات تبادل غير رسمية، ضمن اقتصاد بقاء تشكّل تحت الحصار والندرة والانهيار.
وهذا يدفعنا إلى طرح سؤال أوسع: كيف أعادت الحرب تشكيل البنية المالية اليومية في غزة، من النقد والسيولة إلى آليات الدفع، ومن الأسواق الرسمية إلى شبكات التبادل غير الرسمي، وما الذي يكشفه ذلك عن طبيعة «اقتصاد الحرب» الذي يتكوّن تدريجيًا تحت الحصار وظروف ما بعد الحرب؟
من اقتصاد السوق إلى اقتصاد البقاء
لا يمكن مقاربة اقتصاد غزة في هذه الفترة عبر أدوات القراءة الاقتصادية المعتادة وحدها، مثل النمو والانكماش والتضخم والبطالة، رغم أهمية هذه المؤشرات. فالمسألة لا تتعلق فقط بهبوط الناتج أو ارتفاع الأسعار، بل بانهيار الآليات التي تجعل الاقتصاد يعمل كاقتصاد طبيعي من الأساس، أي السوق، والنقد، والبنية المصرفية، والتجارة، والنقل، والطاقة، والإنتاج المحلي، والقدرة على تحويل الدخل إلى استهلاك فعلي.
لذلك فإن التحليل الأدق يقتضي النظر إلى مرحلة الحرب باعتبارها انتقالًا من اقتصاد قائم على الحد الأدنى من التبادل والعمل والإنتاج في ظل حصار مزمن قارب العقدين من الزمن، إلى اقتصاد تُدار فيه الحياة اليومية عبر الندرة، والإغاثة، والوساطة، والعمولات، والمخاطرة للوصول للحد الأدنى من احتياجات الأفراد.
بدأت المرحلة الأولى مباشرة بعد السابع من تشرين الأول 2023، حين تعرضت غزة لصدمة اقتصادية فورية وعنيفة، تراجعت فيها تدفقات السلع والوقود بإغلاق المعابر الرئيسية للقطاع، فتعطلت الأسواق النظامية، وبدأت العائلات بالانتقال سريعًا إلى أنماط استهلاك دُنيا قائمة على التخزين، وتقليص الوجبات، والبحث عن بدائل اضطرارية. لم تكن الصدمة هنا مجرد اختلال مؤقت في العرض والطلب، بل تفككًا سريعًا لشبكات السوق نفسها المتكئة على التدفق اليومي للبضائع من المعابر التي تسيطر «إسرائيل» على معظمها وعلى الكميات الواصلة للقطاع منها. ومع توقف الوقود وتضرر شبكات النقل وبدء النزوح الواسع، ارتفعت الأسعار في مجموعات استهلاكية أساسية، خصوصًا الغذاء والنقل والطاقة المنزلية، وتغيرت وظيفة السوق من فضاء للتبادل الطبيعي إلى فضاء للبحث عن مقومات البقاء.
لكن الأخطر لم يكن في الصدمة الأولى وحدها، بل في تحوّلها خلال عام 2024 إلى حالة ممتدة من الانهيار الاقتصادي شبه الشامل. فمع استمرار الحرب، لم يعد الانكماش يعني مجرد تباطؤ في النشاط، بل تقلصًا حادًا في القدرة على ممارسة الفعل الاقتصادي نفسه. ووفق تقرير «الأونكتاد»، انكمش اقتصاد غزة خلال عام 2023 بنسبة 22.6%، تركزت الغالبية الساحقة منه، أكثر من 90%، في الربع الأخير عقب السابع من تشرين الأول. وفي ذلك الربع تحديدًا، سجّل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لغزة انهيارًا غير مسبوق، متراجعًا بنحو 81.3% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2022، وبنحو 80.8% مقارنة بالربع الذي سبقه في 2023، مع خسارة فصلية تُقدّر بحوالي 545 مليون دولار.
المال نفسه يتحول إلى سلعة
على المستوى المالي والنقدي، شهد قطاع غزة أحد أكثر التحولات راديكالية في تاريخه الاقتصادي الحديث، تمثّل في تحوّل المال نفسه إلى سلعة نادرة. فمع تضرّر البنوك والصرافات والبنية المصرفية، ومنع إدخال أوراق نقدية جديدة، لم يعد الرصيد البنكي مالًا بالمعنى العملي، بل أصبح مجرد رقم معلّق في الحساب، وفق توصيف عبد الرؤوف عثمان من بنك فلسطين. فالتقديرات تشير إلى أن نحو 93% من فروع البنوك تضررت أو دُمّرت، فيما لم يبقَ عاملًا في مرحلة مبكرة من الحرب سوى 3 صرافات آلية من أصل 94 منتشرة في محافظات القطاع، يضاف إلى ذلك تعرّض عدد من الفروع لعمليات نهب وسرقة، من أبرزها عملية السرقة التي تعرض لها الفرع الرئيسي لبنك فلسطين في حي الرمال، الذي اقتحمته قوات الاحتلال وصادرت منه أموالًا وصناديق أمانات وأجهزة إلكترونية.
في سياق موازٍ، يفيدنا أصلان حرز الله، العامل في قطاع الصِرافة، أنه نشأ سوق سيولة موازية، وصار الوصول إلى «الكاش» يحتاج إلى وسيط وعمولة، هكذا تحولت السيولة النقدية إلى سلعة نادرة، تُشترى بنسب اقتطاع مرتفعة وصلت في ذروة الحرب إلى 45%، بل أكثر في أكثر الأوقات حرجًا في الحرب، وبهذا المعنى، فرضت الحرب في غزة نوعًا من «الضريبة غير الرسمية» على الدخل والمساعدات والتحويلات المالية الواصلة لأهل غزة، بحيث لم يعد السؤال هو كم يتلقى الفرد من مال، بل كم يخسر منه لكي يحوله إلى نقد قابل للاستخدام. وهذا التحول خطير لأنه لا يرفع فقط كلفة الحياة، بل يعيد توزيع الدخل لمصلحة الوسطاء وتجار «الكاش»، ويخلق شكلًا جديدًا من الريع قائمًا على الندرة والاختناق.
من هنا، فإن التضخم في غزة لا يمكن قراءته على أنه تضخم سلع فقط، بل تضخم مركب. فهناك نقص السلع، وارتفاع كلفة النقل والمخاطر، لكن هناك أيضًا كلفة السيولة نفسها. أي أن المستهلك لا يدفع فقط ثمن الغذاء أو الغاز أو الماء، بل يدفع أيضًا ثمن الوصول إلى وسيلة الدفع والتي تبدلت في الحرب من النقد إلى المقايضة إلى الوسائط المالية الورقية والتحويل عبر التطبيقات المختلفة، لذلك يبدو ارتفاع مؤشر أسعار المستهلك في غزة في 2024 بنسبة قاربت 238% نتيجة منطقية لبنية الاختناق هذه. وفي عام 2025 استمر التضخم، وإن بوتيرة أقل، لكنه ظل يعكس أن انخفاض بعض الأسعار أو تحسن توفر السلع لا يعني استعادة القوة الشرائية، لأن الدخل نفسه منهك، والنقد مكلف، وسوق العمل محطم.
وقد ظهر هذا بوضوح في مسار العمل والدخل. فالبطالة في غزة بلغت مستويات تقارب 80% بحلول نهاية 2024، وبقيت شديدة الارتفاع خلال 2025. لكن أهمية هذه الأرقام لا تكمن فقط في دلالتها الاجتماعية، بل في أنها تعكس انهيار نظام الأجر نفسه. فالعامل لم يفقد وظيفته فقط، بل فقد مكان العمل، وأدوات العمل، والسوق التي كان يبيع لها، وشبكات الحركة التي كانت توصله إلى نشاطه. ومع النزوح الواسع، لم يعد الاقتصاد المحلي قائمًا على علاقة مستقرة بين العمل والدخل، بل على علاقة بين الوصول والمورد. أي أن من يملك قناة تحويل خارجي، أو يحصل على مساعدة نقدية، أو يحتل موقعًا وسيطًا في سوق السلع أو السيولة، هو من يستطيع الاستمرار، لا من يملك مهارة إنتاجية بالضرورة.
عملات معدنية وبدائل جديدة لأزمة الفكة
مع نقص الأوراق النقدية المتداولة، خصوصًا الفئات الصغيرة «الفكة»، انعكست أزمة السيولة مباشرة على المعاملات اليومية، خاصة في القطاعات التي تعتمد على الدفع النقدي الفوري كمعاملات الشراء والمواصلات.
في هذا السياق، ظهرت مبادرة محلية عُرفت باسم «بطاقة وصّلني»، وهي عبارة عن قسائم ورقية بقيم مالية محددة مسبقًا، تُستخدم كوسيلة دفع بديلة عن النقد داخل وسائل النقل. يقوم المستخدم بشراء البطاقة مسبقًا، ثم استخدامها لدفع أجرة المواصلات، بينما يحتفظ السائق بهذه القسائم ليقوم لاحقًا باستبدالها بقيمتها عبر موزعين معتمدين، غالبًا من خلال تطبيقات أو أرصدة رقمية من خلال التطبيق البنكي.
تعتمد هذه الآلية على فصل مرحلتي الدفع والاستخدام النقدي، بحيث يتم الاستغناء عن التداول المباشر للنقد أثناء المعاملة، مع الحفاظ على القيمة المالية من خلال وسيط بديل. وبذلك، تؤدي البطاقة وظيفة «وسيط التبادل» التي يقوم بها المال، رغم أنها ليست عملة رسمية، ما يجعلها أقرب إلى نموذج عملة محلية مؤقتة أو أداة مقايضة مُنظَّمة من قبل رؤوس أموال وتجّار محليين.
توسعت هذه الظاهرة تدريجيًا داخل قطاع المواصلات، وبدأت تظهر بشكل محدود في بعض المعاملات التجارية الصغيرة، ما يشير إلى نشوء نظام دفع شبه غير رسمي يعتمد على الثقة والتكرار، بدلًا من الاعتماد الكامل على النقد. كما لوحظ تكرار التجربة في أكثر من منطقة داخل القطاع، ما يدل على أن ظهور هذا النموذج مرتبط بالبنية العامة للأزمة وليس بمبادرة فردية معزولة. وهي سارية على نطاق مخيمات بعينها، ففي مخيم البريج هناك أوراق مالية لا تستخدم إلا في البريج ولا يستلمها منك إلّا سائق من مخيم البريج نفسه وكذلك في مخيم المغازي، وهي لا تستبدل من قِبل السائق إلا من عند الموزع الأساسي لها في كل مخيم.
يرى عبد الرؤوف عثمان، الموظف في بنك فلسطين، أن انتشار «بطاقة وصلني» اقتصاديًا، يمكن تفسيره كاستجابة مباشرة لاختلال وظيفة النقود، بحيث انبثق هذا الحل كشكل من أشكال التبادل المالي يتناسب مع متطلبات الحياة، فمن غير المنطقي تحويل مبلغ مالي صغير جدًا -شيكل واحد أو اثنان- بدل مواصلة من قِبل الزبون للسائق عبر التطبيق البنكي. في هذه الحالة، تحولت القسيمة الورقية إلى أداة تبادل، بينما لعبت التطبيقات أو الوسطاء دور آلية التسوية، ما يشكّل دورة مالية مصغّرة تعمل دون الحاجة إلى نقد فعلي. يضيف عبد الرؤوف عثمان، أنه هو نفسه وأفراد عائلته وزملاء له في البنك يستخدمونها يشترون منها كمية تكفيهم يوميًا ويستخدمونها في نطاق متطلباتهم اليومية.
كما ظهرت مبادرات محلية للتعامل مع أزمة نقص «الفكة» في قطاع غزة، من بينها مبادرة أطلقها تجمع «مبادرون مصلحون» بقيادة الدكتور أحمد حمدان، وهو طبيب مختص في جراحة الوجه والفكين والتجميل ويعمل في مستشفى الحلو الدولي بمدينة غزة، إلى جانب نشاطه في العمل المجتمعي والإنساني عبر التجمع الذي يترأسه منذ نحو ثماني سنوات.
وتقوم المبادرة على إصدار قطع معدنية نحاسية مطلية بماء الذهب عيار 24 تُستخدم كوسيلة مؤقتة لتسهيل عمليات البيع والشراء والمواصلات اليومية، بعد أن تحولت أزمة نقص العملات الصغيرة إلى واحدة من أبرز العقبات التي تواجه الحياة اليومية في ظل الحرب والحصار. وصُنعت هذه القطع من خلال قوالب يتم تشكيلها في معامل صناعة الذهب المملوكة من تجار الذهب المحليين في غزة.
وبحسب الدكتور حمدان، جاءت الفكرة استجابة لانهيار جزء كبير من البنية المصرفية، واهتراء الأوراق النقدية، وصعوبة استخدام التطبيقات البنكية والمحافظ الإلكترونية لدى شريحة واسعة من السكان بسبب ضعف الإنترنت أو عدم توفر الهواتف الذكية. كما أن الأزمة انعكست بشكل مباشر على الأسواق ووسائل النقل والمعاملات اليومية البسيطة، ما دفع إلى البحث عن بديل عملي يساعد على استمرار الحركة الاقتصادية اليومية بأقل قدر ممكن من التعقيد.
ورغم فعالية هذا النموذج في تخفيف أثر أزمة السيولة على الحياة اليومية، إلا أنه يظل حلًا جزئيًا ومؤقتًا، يعتمد على الثقة بين الأطراف، ولا يخضع لتنظيم رسمي، ما يجعله عرضة لمخاطر مثل التلاعب أو فقدان القيمة في حال توسّعه دون إطار مؤسسي، أو في حال قام الاحتلال بفتح الدائرة المالية بالشكل الذي كانت عليه قبل الحرب وسمح بتدفق الشيكل إلى قطاع غزة.
المساعدات الإنسانية عمود اقتصاد الحرب
مع جملة المعطيات التي أشرنا لها على مستوى بنية الاقتصاد في غزة وواقع السكان بشكل عام، تحولت المساعدات الإنسانية وبقفزة سريعة من شبكة أمان إلى عمود اقتصادي مركزي للسكان. فمع تعطل القطاعات الإنتاجية، لم تعد المساعدات مجرد مكمل للسوق، بل أصبحت أحد أهم محددات الطلب والاستهلاك ومسار الموارد الوحيد القادر على تعويض حجم ما هو مفقود في السوق.
في هذا السياق، يقول التاجر حمدان القرعان إن «السوق اليوم لا يتحرك بناءً على ما يطلبه الناس بقدر ما يتحرك وفق ما يدخل من مساعدات»، موضحًا أن أنماط الشراء نفسها باتت مرتبطة بمواعيد التوزيع أو وصول القسائم أو التحويلات، لا بالدخل أو الحاجة الفعلية فقط. ويضيف أن كثيرًا من السلع لم تعد تُشترى نقدًا، بل تُصرف مباشرة عبر برامج المساعدة أو تُستبدل ضمن شبكات وسيطة، ما غيّر دورة المال داخل السوق بشكل جذري.
وبعد تشرين الأول 2025، ومع توسيع استخدام المدفوعات الرقمية في برامج المساعدة، ظهرت محاولة لتقليل التسرب الذي كانت تسببه سوق الكاش، بحيث بات جزء مهم من المساعدات يُصرف ويُستخدم رقميًا من دون سحب نقدي. هذه الخطوة لا يمكن قراءتها كتحديث تقني عادي، بل كأداة اقتصادية للحد من خسارة قيمة الدعم داخل اقتصاد السيولة. ومع ذلك، بقي نجاحها محدودًا بواقع الكهرباء والاتصالات وتضرر البنية الرقمية، وهو ما يؤكده القرعان بقوله إن «أي انقطاع في الكهرباء أو الإنترنت يعيد الناس فورًا إلى الكاش أو القسائم، حتى لو كانت خاسرة وغير متوافرة بكم يتيح لكل الناس الوصول لها»، في إشارة إلى هشاشة هذا التحول واعتماده على بنية تحتية لم تعد مستقرة تحت الحرب.
إلى جانب ذلك، باتت كل بطاقات إثبات الشخصية، أو الهويات، الصادرة بعد تاريخ 7 تشرين الأول 2023، غير معترف فيها من «إسرائيل»، وكذلك غير معترف فيها من بنك فلسطين، وهو ما يؤدي إلى رفض البنك فتح أي حساب بنكي لأي شخص أصدر بطاقة هوية بعد 7 تشرين الأول، وهذا بدوره حرم كمًا كبيرًا جدًا من السكان من فرصة الوصول لحسابات بنكية والوصول لتطبيقات الدفع المخصصة من البنوك.
كما برزت إشكالية إضافية تمثّلت في تقييد وصول فئات مهنية إلى حساباتها البنكية، وعلى رأسها المحامون. إذ كشفت نقابة المحامين الفلسطينيين – مركز غزة، في بيان صدر مطلع أيلول 2025، أن بنك فلسطين أقدم على إغلاق مئات الحسابات بشكل مفاجئ ودون إشعار مسبق، من بينها نحو 700 حساب تعود لمحامين من أصل قرابة 2000 حساب تم إيقافها. ووفق ما أورده البيان، برّر البنك هذه الخطوة في بعض الحالات بالحاجة إلى «تحديث البيانات»، وفي حالات أخرى بما وصفه «عدم الاستخدام العادل» للحسابات، مع تعليق تقديم الخدمة في غزة حتى إشعار آخر. غير أن النقابة أكدت أن هذه الحسابات لم يُطلب منها سابقًا أي تحديث أو تصويب، وأن الإجراء جاء بشكل جماعي ومباغت، ما يعني عمليًا تجميد القدرة على الوصول إلى الأموال في لحظة تُعد فيها الحسابات البنكية الوسيلة شبه الوحيدة للتعامل المالي.
وبذلك، لم يعد الأمر مقتصرًا على أزمة سيولة نقدية، بل امتد ليشمل تقييدًا مؤسسيًا على استخدام الأرصدة نفسها، ما فاقم من هشاشة الوضع الاقتصادي والمعيشي، وحوّل الحساب البنكي من أداة لتسهيل الحياة إلى نقطة اختناق إضافية داخل اقتصاد الحرب.
ما الذي تغير مع وقف إطلاق النار؟
عندما أُعلن وقف إطلاق النار في تشرين الأول 2025، ظهرت مؤشرات على تحسن نسبي في توفر السلع وتراجع الأسعار مقارنة بذروة الاختناق كما يصف أهالي غزة، كما توسع استخدام المدفوعات الرقمية بالتطبيق البنكي وبدأت بعض المصارف تعود جزئيًا إلى العمل. لكن هذا لم يكن تعافيًا اقتصاديًا بالمعنى الدقيق، بل تخفيفًا نسبيًا داخل عنق زجاجة. فالمعابر بقيت محدودة، والدخل الخاص ظل ضعيفًا، وفرص العمل بقيت شبه معدومة، وأزمة الغاز والطاقة والسيولة لم تُحل. لذلك فإن التحسن كان شكليًا إلى حد بعيد، إذ خفف من ذروة الاختناق لكنه لم يُعد بناء البنية الاقتصادية التي تسمح بمجتمع منتج ومستقر.
بل إن ارتدادات نهاية شباط وآذار 2026 أثبتت مدى هشاشة هذا التحسن. فبمجرد تراجع دخول الشاحنات وعودة التصعيد العسكري أو حصول اختراقات على صعيد التهدئة، ارتفعت تكاليف المعيشة وأسعار البضائع من جديد، وبقيت الأسعار أعلى بوضوح من مستويات ما قبل التصعيد. وهذا يعني أن اقتصاد غزة بعد الحرب لم يكن قد دخل فعلًا في طور التعافي، بل ظل اقتصادًا شديد الحساسية لأي تغير سياسي أو أمني أو لوجستي. وما دام تشغيل الاقتصاد معتمدًا على قرارات إدخال السلع والوقود والنقد، وعلى هندسة المساعدات، فإن أي هزة خارجية تعيد إنتاج الاختناق بسرعة.
لذلك فإن أي حديث عن «ما بعد الحرب» في غزة لا ينبغي أن ينطلق من تحسن نسبي في الأسعار أو زيادة مؤقتة في الشاحنات، بل من حقيقة أن الاقتصاد نفسه قد أُعيد تشكيله بشكل جذري، على نحو يجعله أكثر اعتمادًا على الإغاثة، وأقل قدرة على توليد الدخل الذاتي، وأكثر خضوعًا للقيود السياسية واللوجستية. وهذا يعني أن إعادة الإعمار ليست مجرد مسألة بناء مبانٍ أو إصلاح طرق، بل مسألة إعادة تأسيس للوظائف الأساسية للاقتصاد، من النقد والتجارة والطاقة إلى العمل والإنتاج والخدمات. من دون ذلك، سيبقى ما يُسمى تعافيًا مجرد إدارة مطولة للاختناق، لا خروجًا منه.




