اقتصاد التبعية وسقوط الأقنعة
بقلم / عثمان الدعيكي
تناولت بعض المؤسسات الإعلامية الدولية في الآونةالأخيرة، ومنها وكالة “رويترز” وصحيفة “وول ستريت جورنال” تقارير لافتة التقطتها العديد من المنصات الإعلامية، هذه التقارير تحدثت عن بدء الإمارات مباحثات مع الولايات المتحدة بشأن آليات دعم مالي أمريكي للدولة الخليجية، في ظل مخاوف من تداعيات توترات إقليمية متصاعدة، ولا سيما في سياق الحرب “الصهيوأمريكية” على إيران، كما أشارت تلك المصادر إلى أن واشنطن، وبناءً على الطلب الإماراتي، تدرس تقديم مساعدة مالية مباشرة، إلى جانب بحث إمكانية توقيع اتفاقية مبادلة عملات، كإجراء احترازي لمواجهة أزمة سيولة قد تتفاقم إذا ما استمرت هذه التوترات.
بغض النظر عن دقة التقارير أو اكتمال تفاصيلها، فإن مجرد طرحها يثير تساؤلات جوهرية حول النموذج الاقتصادي الذي طالما قُدم بوصفه تجربة رائدة ونموذجًا مُلهمًا في المنطقة. لقد بنت الإمارات صورتها الاقتصادية على أسس من الانفتاح الواسع الذي يكاد يخلو من القيود القومية والدينية والاجتماعية لجذب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير قطاعات خدمية متقدمة. غير أن هذا النموذج، يعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات مالية سريعة التأثر، تُعرف في أسواق الاستثمارات بـ “الأموال الساخنة”، الباحثة عن الربح السريع التي تغادر عند أول إشارة للاضطراب وعدم الاستقرار.
إن الحديث عن أزمة سيولة في هذه الدولة الخليجية، وطلبها دعمًا ماليًّا خارجيًّا، يُفهم على أنه مؤشر على هشاشة بنيوية في الاقتصاد. فالاقتصادات الراسخة عادة ما تمتلك أدوات داخلية لامتصاص الصدمات، دون اللجوء السريع إلى طلب المساعدة. وهنا تبرز أهمية التساؤل عن أسس النمو الاقتصادي في الإمارات، وهل كان مستندًا إلى قاعدة إنتاجية صلبة، أم يعتمد بشكل مفرط على قطاعات مرتبطة بالظروف الدولية، مثل السياحة والخدمات المالية والعقارية؟
كما أن النقاش يقودنا أيضاإلى طبيعة علاقة هذه الدولة الخليجية مع الولايات المتحدة، التي تبدو – وفق التقارير موضوع مقالنا اليوم– شريكًا اقتصاديًّا لا غنى عنه في الأزمات. يرى كثيرون- وأنا من بينهم- أن هذه العلاقة لم تعد تقتصر على التعاون، بل تطورت إلى حالة من التبعية شبه الكاملة، حيث تُصاغ سياساتها الاقتصادية والمالية وقراراتها السياسية أيضًا في الغالب بما يتماشى مع التوجهات الأمريكية دون وجود خطوط حمراء واضحة تحافظ على خصوصية الدولة وهويتها الدينية والقومية، وهذا مايفسر تطبيعها المُبالغ فيه مع الكيان الصهيوني ودورها اللافت كعراب للاتفاقيات الإبراهيمية!
إن هذا النهج قد تكون له كلفة باهظة، خاصة في ظل زيادة الإنفاق الخارجي، سواء في ملفات إقليمية حساسة، أم في استضافة وتمويل وجود عسكري أجنبي، ورغم أن هذه السياسات كانت تُبرَّر باعتبارات أمنية واستراتيجية، فإن الواقع – بحسب هذا الطرح – يبين أنها لم توفر حصانة كاملة من المخاطر، بل ربما أسهمت في تعميق الانخراط في صراعات إقليمية معقدة.
إلى جانب ذلك، فإن تزايد الضغوط على السيولة، وتراجع معدلات النمو، قد يرتبطان أيضًا بخروج جزء من رؤوس الأموال الأجنبية، التي تتسم بالحساسية الشديدة للمخاطر وفقًا لطبيعتها، ومع ارتفاع الإنفاق وتزايد الالتزامات، يصبح الاقتصاد أكثر عرضة للاهتزاز عند أي صدمة خارجية.
مع ذلك، لا يمكن إنكار أن الإمارات لا تزال تمتلك عناصر قوة مهمة، مثل البنية التحتية المتطورة، والقدرة على جذب الاستثمارات في الظروف الطبيعية. لكن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة هذا النموذج على الصمود في أوقات الأزمات، بعيدًا عن الدعم الخارجي.ما كشفته تقارير المؤسسات الإعلامية الدولية لا يتعلق بأزمة عابرة فقط، بل يسلط الضوء على إشكالية أعمق تتعلق باستدامة النموذج الاقتصادي نفسه، وقد تكون هذه التطورات الراهنة لحظة مناسبة لتعيد الدول التي تأثرت بالنموذج الإماراتي تقييم سياساتها الاقتصادية والمالية، وتخفِّف اعتمادها على الخارج، وتتجه نحو اقتصاد أكثر توازنًا واستقلالًا، وقادر على مواجهة التحديات.
The post اقتصاد التبعية وسقوط الأقنعة appeared first on الموقف الليبي.




