أقل من سلام وأكثر من هدنة: قراءة في مسارات التفاوض الإقليمي
خاص مركز بيروت للأخبار
يرى مراقبون أن توقيت أي تصعيد محتمل يرتبط بشكل مباشر بانشغال “إسرائيل” بجبهات أخرى، لا سيما الجبهة المرتبطة بإيران، ما قد يفتح المجال أمام قوى المقاومة للدخول على خط المواجهة واستغلال هذا الانشغال. وفي هذا الإطار، تتقاطع المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن مع مسار التهدئة الهشّة على الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية، لتشكّل جميعها عناصر مشهد إقليمي واحد يتأرجح بين الانفجار والتسوية.
وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى فترة الأيام الماضية على أنها هدنة فعلية أو اتفاق مستقر، بل كمرحلة تحضير لمسرح عمليات أوسع، حيث ترافقت مع تحركات عسكرية لافتة، شملت تعزيزات بحرية وجوية، من بينها بوارج وحاملات طائرات، ما يعكس استعداداً لسيناريوهات تصعيدية.
وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع رسائل أمريكية واضحة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، أكدت فيها الإدارة الأمريكية أن “كل الخيارات تبقى مطروحة” في حال فشل المسار الدبلوماسي، مع التشديد على استمرار سياسة الضغط الاقتصادي وعدم تقديم تنازلات مجانية لإيران.
كما تشير المعطيات وفق مراقبين إلى خطط إسرائيلية تتضمن حشداً عسكرياً كبيراً، قد يصل إلى نحو 100 ألف جندي على ست فرق (210-36-162-98-92-146) وثلاثة ألوية (غولاني- ناحال- جفعاتي)، مع العمل على إنشاء مناطق عازلة، وأخرى تُوصف بإجراءات “خداع سكاني” و”خداع أمني”، في إطار إدارة المعركة ميدانياً.
ويتقاطع هذا مع مسار التفاوض غير المباشر بين لبنان و”إسرائيل”، الذي يجري تحت سقف وقف إطلاق النار، لكنه يبقى هشّاً ومهدداً في أي لحظة، خصوصاً مع استمرار الخروقات الميدانية والتوترات على الحدود.
في المقابل، تبدو إيران حذرة في مسار المفاوضات، إذ لا تسعى إلى اتفاق جزئي أو مؤقت، بل إلى تفاهم شامل يكرّس دورها الإقليمي.
وفي تصريحات رسمية خلال الساعات الماضية، شدّد مسؤولون إيرانيون على أن طهران “لن تتفاوض تحت الضغط أو الحصار“، معتبرين أن أي خرق لوقف إطلاق النار أو تشديد للعقوبات يُفقد العملية التفاوضية جدواها، ويعيد الأمور إلى نقطة الصفر. كما أشاروا إلى أن الولايات المتحدة لم تلتزم بروح التهدئة، بل واصلت سياسة “الضغط الأقصى” بأساليب مختلفة.
بينما تعتمد الولايات المتحدة، بحسب هذا الطرح، على سياسة الضغط التدريجي والمماطلة، في محاولة لفرض شروطها، على غرار نماذج سابقة كالعراق، وهو ما تؤكده مواقف رسمية أمريكية حديثة شددت على ضرورة “تغيير سلوك إيران الإقليمي” كمدخل لأي اتفاق محتمل، ما يعكس فجوة عميقة في سقوف التفاوض بين الطرفين.
وبين هذين المسارين، يتضح أن الصراع الحالي يتجاوز كونه مواجهة عسكرية مباشرة، ليصبح صراعاً على الدور والنفوذ في الشرق الأوسط، وعلى شكل التوازنات الجديدة التي سترسم مستقبل المنطقة. فالمفاوضات الجارية، سواء بين إيران والولايات المتحدة أو ضمن المسار اللبناني – الإسرائيلي، ليست سوى واجهة سياسية لمعركة أوسع تُدار بالتوازي على الأرض وفي الكواليس.
في التقديرات الزمنية، يرجّح البعض أن تستمر حالة “اللا حرب واللا سلم” لفترة قد تمتد لأشهر، وربما تصل إلى مرحلة توصف بأنها “أقل من سلام وأكثر من هدنة”، ما يعكس ضبابية المشهد وتعقيده في المرحلة المقبلة، حيث تبقى كل السيناريوهات مفتوحة… من صفقة كبرى تعيد رسم الخرائط، إلى شرارة صغيرة قد تشعل حرباً لا يمكن احتواؤها.
The post أقل من سلام وأكثر من هدنة: قراءة في مسارات التفاوض الإقليمي appeared first on Beirut News Center.





