احمد عوض : هل صار التكيف مع بطالة مرتفعة بديلا عن الحل؟
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
أخبارنا
2026/06/07 - 00:22
501 مشاهدة
أخطر ما في ملف البطالة في الأردن ليس فقط بقاء معدلاتها عند مستويات مرتفعة، بل احتمال أن يتحول هذا الواقع إلى حالة اعتياد عام لدى الاقتصاد والمجتمع والحكومة. حين يحدث ذلك، يصبح الانخفاض الطفيف في المؤشرات مادة للطمأنة، بدل أن يكون جرس إنذار يدفع إلى مراجعة جذرية.
مشكلة التكيّف مع البطالة المرتفعة قد تبدو مريحة للبعض، لكنه تكيّف مؤقت وغير مستدام، ويحمل في داخله مخاطر اجتماعية واقتصادية وسياسية لا يمكن الاستهانة بها.
المؤشرات التي صدرت الأسبوع الماضي عن دائرة الإحصاءات العامة تعطي مثالاً واضحاً على ذلك، فقد انخفض معدل البطالة لإجمالي السكان في المملكة إلى 16.1 بالمائة في الربع الأول من عام 2026، بانخفاض نصف نقطة مئوية عن الربع الأول من عام 2025، وبانخفاض 2.3 نقطة مئوية خلال أربعة أعوام مقارنة بالربع الأول من عام 2022. في ذات الوقت الذي تراجعت فيه بين الأردنيين بمقدار 1.7 نقطة مئوية خلال الأعوام الأربعة الماضية. هذه الأرقام تشير إلى تحسن، لكنها لا تشير إلى اختراق حقيقي في سوق العمل.
المشكلة أن هذا التراجع المحدود قد يُستخدم لتبرير استمرار السياسات نفسها، رغم أن التجربة أثبتت ضعف فعاليتها. فإذا كانت البطالة بين الأردنيين لم تنخفض خلال أربع سنوات إلا بهذه الوتيرة البطيئة، رغم تعدد البرامج والمبادرات والخطط، فمن الطبيعي أن نسأل: لماذا لم تنجح؟ ولماذا بقي الأثر محصوراً في تحسن محدود، بينما بقيت الأزمة على حالها؟
الجواب، في جانب كبير منه، أن المقاربة السابقة عالجت البطالة كملف جزئي، لا كقضية ترتبط ببنية الاقتصاد كله. جرى التعويل لسنوات على تشجيع الاستثمار المحلي والعربي والأجنبي، مع تقديم تنازلات ضمنية أو صريحة في الحمايات الاجتماعية المرتبطة بالعمل، وعلى رأسها القبول بسياسات الأجور المنخفضة. لكن النتيجة باتت واضحة، هذه المقاربة لم تُحدث توسعاً كافياً في الاستثمار المنتج، ولم تولّد فرص عمل جديدة بالعدد والنوعية المطلوبين، ولم تدفع البطالة إلى مسار هبوط جدي ومستدام. في المقابل، ساهم جانب منها في تراكم الثروات وتعميق التفاوت الاجتماعي، لأن ضعف الأجور وهشاشة العمل لا يصنعان اقتصاداً أكثر عدالة ولا أكثر قدرة على التشغيل.
لهذا لم يعد كافياً الاستمرار في تدوير الأدوات نفسها. والمطلوب سياسة تشغيل متكاملة تستفيد من التجارب السابقة، وتبدأ من التعليم منذ مراحله الأولى، مروراً بالتعليم المهني والتقني والمتوسط، وصولاً إلى الجامعي. والأهم أن يعاد النظر في مضمون التعليم والتدريب، لا في شكلهما فقط، بحيث يصبحان مرتبطين فعلاً بحاجات الاقتصاد وفرص العمل الممكنة. كما يجب أن تشمل هذه السياسة معايير العمل نفسها، بحيث يكون الهدف خلق وظائف كافية ولائقة وكريمة وأجور كافية لحياة كريمة، وليس لعمالة فقيرة، لا مجرد أعمال منخفضة الأجر وضعيفة الحماية.
البطالة ليست رقماً في تقرير إحصائي، بل مؤشر على كفاءة وعدالة النموذج التنموي المعمول به والنمو الاقتصادي القائم. وعندما تبقى البطالة مرتفعة بين الأردنيين، فإن ذلك يعني أن الخلل أعمق من أن يُعالج بمبادرة هنا أو برنامج هناك. والمطلوب اليوم ليس الاحتفاء بانخفاض محدود، بل الاعتراف بأن سياسة التشغيل القديمة استنفدت أغراضها. أما الاستمرار في النهج نفسه، فلن يعني سوى شيء واحد، أن نبقى ندور حول أنفسنا، بينما تكبر كلفة التأجيل على المجتمع والدولة معاً. ــ الغد





