ثمة عامل آخر، وهو تغير المناخ، حيث أدت موجات الجفاف في السنوات الأخيرة إلى فرض قيود متكررة على عدد السفن القادرة على عبور قناة بنما، ما أجبر بعضها على سلوك الطريق الأطول حول رأس هورن. وفي الجهة المقابلة، قد يفضي انحسار الكتل الجليدية إلى فتح ممرات شحن جديدة عبر القطب الشمالي، بما يرفع من القيمة الاستراتيجية لنقاط اختناق بعيدة مثل مضيق بيرينغ.
ومن هذا المنطلق، استند الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بنزعته التوسعية، إلى فكرة تأمين الممرات البحرية المحيطة بالولايات المتحدة لتبرير حديثه عن السيطرة على قناة بنما وغرينلاند. وحتى إذا أعيد فتح مضيق هرمز بطريقة ما، فإن ما يقارب عشرة ممرات حيوية أخرى، وربما أكثر، في شبكة التجارة البحرية العالمية ستعود إلى دائرة التدقيق.
ظهرت الأهمية الحاسمة للاختناقات البحرية بشكل واضح منذ أقدم العصور. ففي القرن الخامس قبل الميلاد، ساهمت سيطرة إسبرطة على الدردنيل خلال الحرب البيلوبونيسية في قطع شريان الحبوب الآتي من البحر الأسود، فتركت أثينا تحت وطأة الجوع وأفضت في النهاية إلى استسلامها. وفي الحرب العالمية الأولى، سعت بريطانيا وحلفاؤها إلى السيطرة على الممر نفسه في محاولة لإسقاط الدولة العثمانية، غير أن حملة غاليبولي انقلبت إلى فشل ذريع كلفهم ثمنا باهظا.
أما ما كشفته الأسابيع الأربعة الماضية بوضوح، فهو أن الجغرافيا ما زالت تحتفظ بسطوتها، حتى في زمن الطائرات والصواريخ والأقمار الصناعية. فما تزال ممرات بحرية بعينها تتحكم في الشرايين التي تنقل المواد الخام إلى مصانع آسيا، ثم تدفع بالسلع المصنعة إلى أسواق العالم، كما هو الحال في مضيق تايوان ومضيق ملقا. وفي الجهة الأخرى، تقوم أوروبا بدورها على معابر لا تقل حساسية، تمتد من جبل طارق والقناة الإنجليزية إلى كاتيغات وسكاغيراك وأوريسوند قبالة الدنمارك، وهي المنافذ التي تصل بحر البلطيق ببحر الشمال. أما قناتا السويس وبنما، فقد بلغت أهميتهما حدا جعل شقهما بين قارتين ثمنا مبررا لتقصير طرق التجارة وتسريعها. وبين هذه الممرات كلها، يظل هرمز واحدا من أبرز الشرايين التي تمد آسيا وأوروبا بالطاقة.

على أن هرمز لا يتصدر الممرات البحرية من حيث كثافة العبور، ولا من حيث الأهمية في نقل النفط، فمضيق ملقا يحتل المرتبة الأولى في كلا الجانبين.
غير أن خصوصية هرمز تكمن في كونه المنفذ البحري الوحيد إلى الخليج ومنه، ما يجعل أي تعطيل له أشد إرباكا للتجارة وأثقل وطأة على الأسواق. وينسحب ذلك أيضا على المضائق الدنماركية والتركية، التي تمثل بدورها البوابات البحرية الوحيدة إلى البحار الممتدة وراءها.


















