... | 🕐 --:--
-- -- --
عاجل
⚡ عاجل: كريستيانو رونالدو يُتوّج كأفضل لاعب كرة قدم في العالم ⚡ أخبار عاجلة تتابعونها لحظة بلحظة على خبر ⚡ تابعوا آخر المستجدات والأحداث من حول العالم
⌘K
AI مباشر
109095 مقال 232 مصدر نشط 38 قناة مباشرة 8793 خبر اليوم
آخر تحديث: منذ 0 ثانية

أحافير بُولعوان

العالم
هسبريس
2026/04/05 - 17:28 501 مشاهدة

خلال جولة في منطقة بولعوان، يوم الأحد 8 مارس 2026، تلبية لدعوة الأستاذ الجيلالي الساجعي – مؤلف كتاب مرتقب حول التاريخ المحلي لهذه المنطقة – قمنا باستكشاف أحد منحدرات وادي أم الربيع على مستوى دوار أولاد سي عمارة، المعروف أيضاً بدوار الرمل. ويشكل هذا الموقع حداً طبيعياً بين منطقتين: دكالة غرباً والشاوية شرقاً، كما يُعد نقطة استراتيجية كبرى في هذا الوادي، كانت تاريخياً تحت سيطرة قصبة بولعوان الشهيرة. يقع الموقع المدروس على الطريق الرابطة بين بولعوان والعونات، بالقرب من تقاطع الطريق الإقليمية P3416 المؤدية إلى القصبة.

وفي عين المكان، أطلعنا مضيفنا على ما يبدو أنه بقايا منجم قديم لاستخراج الصخور المستخدمة في صناعة الرّحي (المطاحن الحجرية). ثم لفت انتباهنا إلى وجود أعداد كبيرة من القواقع والأصداف المتناثرة على الأرض أو المنغرسة في التربة. وأفاد شاهدنا، وهو من سكان المنطقة، بأنه يلاحظ هذه الظاهرة منذ نحو عشر سنوات؛ ورغم ذلك، وحسب علمه، لم يسبق لأي جهة أن قامت بتوثيق هذه الخاصية المحلية الفريدة. وبحسب قوله، فإن هذا الوجود يُجسد التاريخ الجيولوجي الضارب في القدم للمنطقة، حيث كشفتْ عوامل التعرية والرعي والحرث عن هذه الأحافير. كما أكد أنه لم يسبقْ له أن شاهد عينات مماثلة في مناطق أخرى بضواحي بولعوان.

يتكون الموقع الجيولوجي لبولعوان من طبقتين أساسيتين: قاعدة قديمة جداً من صخور الشيست يعود تاريخها إلى أكثر من 500 مليون سنة، تعلوها طبقة من الصخور الرسوبية (الرصيص) الغنية بالأحافير البحرية. وتُعتبر هذه البقايا، التي تُميز منطقة سيدي اعمارة، دليلاً على وجود بحر قديم كان يغطي هذه الأراضي قبل ملايين السنين. وقد ترسبتْ هذه الأصداف داخل طبقات من الكلس والطين والرمل، لتشكل اليوم سجلًا طبيعيًا يحكي قصة تحول المنطقة من قاع بحر إلى يابسة.

ويُوفر هذا الموقع إطلالة بانورامية شاسعة على وادٍ واسع وذي تضاريس منبسطة نسبياً، وهو ما يُميز المناظر الطبيعية المجزأة لهضبة الميسيتا. وفي المقدمة، تبرز أرض صخرية وحجرية تتخللها نباتات عشبية وبعض الكتل الصخرية، ليمتد البصر بعد ذلك نحو وادٍ متموج.

ويُفسر المظهر الهش للتربة بتركيبتها الغنية بـ “المارن” في الطبقات الكلسية السفلى. وتُعتبر هذه المزيجات من الكلس والطين سمة مميزة للرواسب البحرية القديمة؛ وبالفعل، فإن الاسم الثاني للقرية “دوار الرمل” يشهدُ على هذه الطبيعة المفككة للتربة. وتلي هذه المستويات المارنية طبقة كلسية أكثر تماسكاً، وغنية بشكل خاص بأحافير الرخويات ثنائية الصدفة، سواء كانت كاملة أو مكسرة، ناتجة عن تدهور هذه البقايا البحرية. ولاحظ مُرافقنا، في عين المكان، أن الطبقات الصخرية الحديثة تبدأ من الأسفل بفرشة من الحصى الصغير المتماسك (رصيص)، تستند مباشرة على صخور قديمة وضعيفة. وفوق هذا الحصى، توجد طبقة من طين وبقايا كائنات بحرية غنية بـأصداف المحار. وتتميز القمة الصلبة لهذه الطبقة بقدرتها العالية على الصمود أمام عوامل التعرية والرياح.

علاوة على ذلك، يتميزُ هذا المشهد شبه الجاف للهضبة الوسطى المغربية “الميسيتا” بوجود كتل صخرية كلسية ضخمة يصل حجمها إلى عدة أمتار ، وهي شواهد على قوة عمليات التعرية المرتبطة بالبنية الجيولوجية الخاصة لهذا الموقع (صخور كلسية صلبة تعلو سحنات أكثر عرضة للتعرية). وينتج عن ذلك انهيار كُتل ضخمة من الكلس المتكون في العصور الجيولوجية الحديثة، تبدو مائلة على المنحدرات المتآكلة للتكوينات الصخرية العتيقة.

وبحكم سكنه القريب من الموقع، عثر الجلالي الساجعي خلال جولات متعددة على أصداف وقواقع، سواء كانت كاملة أو مهشّمة، ضمن التربة المختلطة. وتُصنف هذه الأحافير ضمن نوعين رئيسيين: الأوستريا (Ostrea) والبكتين (Pecten). فصدفة “الأوستريا” تشبه المحار البري، ببروزاتها المتعددة وسطحها الخشن، إذ كانت تقضي حياتها ملتصقة بالصخور. بينما، يشبه البكتين محار “سان جاك” في شكله المروحي، مع خطوط منتظمة تنطلق من قاعدته. وعلى عكس المحار العادي، كان بإمكان البكتين التنقل بحرية في الماء. إن وجود هذه الأصناف هنا، على هذا البعد الشاسع من السواحل الحالية، يُذكرنا بأن المحيط الأطلسي كان يُغطي هذه المنطقة بأكملها قبل ملايين السنين، قبل أن تؤدي التحركات الأرضية وانخفاض مستوى المياه إلى تحويل هذه القيعان البحرية القديمة إلى هضاب برية.

إن اكتشاف هذه الرخويات ثنائية الصدفة المتحجرة بمنطقة أولاد سي عمارة تحديدا، والتي ظلت مجهولة رغم الأهمية التاريخية الكبرى لمنطقة بولعوان، يطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا ظل مثل هذا المكمن غائبا في الأدبيات العلمية؟ يبدو أن هذا التغافل ناتج عن اعتياد السكان المحليين على هذه الوفرة، حيث أضحت الوفرة من الأصداف والمستحاثات جزءاً من المشهد اليومي المألوف في نظر الساكنة، مما جعل قيمتها العلمية تذوب في رتابة الحياة القروية. يُضاف إلى ذلك عزلة الموقع، فبالرغم من سهولة الولوج إليه عبر الطريق المارة في اتجاه العونات، إلا أنّ موقعه المنعزَل فوق تلك المنحدرات المطلة على وادي أم الربيع جعل هذه الكنوز الطبيعية بعيدة عن الأعين وبمنأى عن الاهتمام العلمي والبحثي المباشر. إن هذه اللقية الجيولوجية تتطلع اليوم إلى التفاتة أكاديمية وتأكيد من ذوي الاختصاص، للكشف عن أسرارها الدفينة وتدوين صفحة علمية غير مسبوقة تُثري السجل الطبيعي لحوض أم الربيع بمنطقة دكالة.

ويُعرب الكاتب المصطفى اجْماهْري عن خالص امتنانه وتقديره للأستاذ الجلالي الساجعي الذي أطلعه على هذا الاكتشاف، كما يشكر الأستاذ تاج الدين الشرقاوي، عالم الجيوفيزياء، وكذا الأستاذ الفخري هيرفي ديو، المختص في علوم الأرض، على إضاءاتهما العلمية؛ حيث مكنتُ تفسيراتهما التقنية من تحديد طبيعة التكوينات الجيولوجية وتصنيف الأحافير المعروضة في هذا المقال.

-كاتب وناشر “دفاتر الجديدة”

The post أحافير بُولعوان appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاركة:

مقالات ذات صلة

AI
يا هلا! اسألني أي شي 🎤