“أجنة مشوهة”.. حين يتحول الحلم بطفل إلى معاناة إنسانية
✨ AI Summary
🔊 جاري الاستماع
أقرت الإمارات وقطر وعمان والكويت ضوابط واضحة لإجازة إنهاء الحمل في نطاق ضيق خصوصا في الحالات التي تهدد حياة الأم
أو تثبت فيها تشوهات جسيمة لا تتأتّى معها الحياة للجنين
د. هيثم آل رحمة: التأكد من التشخيص عبر إعادة الفحوصات باستخدام السونار المتقدم للتأكد من دقة المعلومات قبل اتخاذ أي قرار
الشيخ جاسم السعيدي: يجوز الإجهاض شرعا شريطة أن يكون هناك مبرر طبي واضح وموثق
الشيخ عبدالهادي خمدن: المباشر للإجهاض سواء كان الطبيب أو الأم أو الأب يكون ملزما بدفع الدية
الشيخ علي مطر: يجب التروي وعدم الاستعجال بالاجهاض لأنه ربما يكون هناك خطأ في التشخيص
د. فضيلة النجار: مع تقدم الطب الجنيني بإمكان الأطباء التدخل مبكرًا لإنقاذ حياة الأجنة المصابين بتشوهات يمكن علاجها قبل الولادة
المحامية زينب عيسى: الإجهاض محظور ولا يُسمح به إلا إذا كان استمرار الحمل يشكّل خطرًا جسيمًا على حياة الأم أو صحتها
ندى نسيم: ضرورة مراعاة صحة الأم الجسدية والنفسية وإتاحة القرار ضمن إطار إنساني وطبي يحترم جميع الأطراف
في لحظةٍ يُفترض أن تكون مليئة بالفرح والترقّب، قد تجد بعض العائلات نفسها أمام اختبار قاسٍ لا يشبه أي تجربة أخرى، اختبار تتداخل فيه المشاعر الإنسانية العميقة مع قرارات طبية معقدة، وأسئلة دينية وأخلاقية لا تحتمل الإجابات السريعة، حين يتحول خبر الحمل من بشارة حياة إلى قلقٍ من معاناة محتملة، يصبح الطريق أمام الأسرة مليئًا بالحيرة: هل يُمنح الجنين فرصة للحياة مهما كانت التحديات، أم تُتخذ قرارات صعبة بدافع الرحمة وتجنّب الألم؟
هذه الأسئلة لم تكن نظرية يومًا بالنسبة لنجلاء أم ترف من منطقة القصيم بالمملكة العربية السعودية، بل كانت واقعًا عاشته بكل تفاصيله المؤلمة، فقد كانت تترقب بفرحة قدوم طفلها الثاني، على أمل أن يكون سليمًا معافى، يعوّض ما عايشته الأسرة من معاناة سابقة مع طفلتها الأولى المصابة بمتلازمة سنجد–سقطي. لكن مشيئة الله جاءت بما لم تتوقعه.
بعد الفحوصات، تأكدت إصابة الجنين بالمتلازمة ذاتها، لتجد العائلة نفسها أمام صدمة جديدة تعيد إلى الأذهان ذكريات من التعب والألم، لم يكن قرار الإجهاض سهلًا، خصوصًا في بيئة كانت تتسم بالتشدد تجاه تلك المسألة، ما جعل الإجراءات معقدة وطويلة، بدءًا من الحصول على رأي عدة استشاريين، وصولًا إلى الاستناد إلى فتوى شرعية تجيز الإجراء في مثل هذه الحالات.
تقول نجلاء إنها عاشت حالة من الصدمة لأسبوعين بعد تأكيد حالة إصابة جنينها بذات المرض، بين الخوف من تكرار المعاناة والشعور بثقل القرار، ورغم الألم، اختارت الإجهاض، لا باعتباره خيارًا سهلًا، بل بدافع الرحمة، كما صفه، لتجنيب الجنين معاناة مشابهة لما عاشته طفلتها الأولى، ولو لم تُجرِ الفحص لأصبح لديها طفلان مصابان.
ورغم أنها لا تشجّع الإجهاض، إلا أنها ترفض تكرار التجربة لما فيها من تعبٍ نفسي وجسدي، وتحثّ من يستطيع على اللجوء إلى طفل الأنابيب، لتجنّب الوقوع في تجربة الإجهاض وما يرافقها من معاناة.
تجربة نجلاء تفتح الباب أمام نقاش أوسع، يتجاوز قصتها الشخصية، ليطرح تساؤلات جوهرية حول موقف الفقه الإسلامي، وحدود الطب، ودور القانون، وموقع الاعتبارات الإنسانية في واحدة من أكثر القضايا حساسية: الإجهاض في حالات التشوهات الخِلقية.
مراحل الوجود
تبدأ حياة الإنسان منذ اللحظة الأولى لتكوّن الجنين، ككائنٍ حيٍّ ينمو بهدوء داخل رحم أمه، غير مكتمل، وغير مستقل، لكنه مرتبط بها ارتباطًا لا ينفصل، يستمد منها وجوده ورعايته حتى تكتمل رحلته نحو الحياة، ورغم هشاشته في هذه المرحلة، تُحفظ له حقوقه؛ كحقه في الميراث إذا وُلد حيًا، وحقه في الدية عن كل أذى يصيبه، يمسّ سلامته أو ينقص منها أو ينهي حياته. ويمر الجنين بمراحل متعددة داخل الرحم؛ تبدأ بما يُعرف بالحياة النباتية، حيث يكون كائنًا حيًا منذ لحظة التخصيب، يحمل صفات الحياة من نمو وتنفس، دون حركة، ثم، وبعد مرور 120 يومًا، تبدأ مرحلة تُوصف بالحياة الحيوانية، حيث تظهر الحركة، ويُعبَّر عنها اصطلاحًا بـ“ولوج الروح”، رغم أن الروح – في المفهوم – تكون حاضرة منذ لحظة انعقاد النطفة. وفي هذه الرحلة الدقيقة، قد يكون الجنين سليمًا، أو مصابًا بإعاقة خفيفة أو شديدة، أو بأمراض أخرى قد تبلغ حدّ تهديد حياة الأم نفسها، لتجد الأسرة نفسها أمام أصعب المفاضلات: بين حياةٍ تُحمل في الأحشاء، وحياةٍ تُهدد بالخطر.
زلزال نفسي
لا يمرّ اكتشاف تشوّه خطير في الجنين كخبرٍ عابر، بل كزلزالٍ نفسي يضرب الأم والأسرة في عمقهم، نظرًا لحساسية الموضوع وثقله الإنساني، ففي لحظةٍ واحدة، تتحوّل مشاعر الفرح إلى دوّامة من التساؤلات والخوف، وفي هذا الصدد تشير الأخصائية النفسية والأسرية ندى نسيم إلى أن الأم والأسرة غالبًا ما تعيشان صدمة نفسية حادّة، تختلط فيها مشاعر الحزن والقلق والخوف، وقد يصل الأمر إلى الإنكار أو الشعور بالذنب، وكأنهم يبحثون عن تفسير لما لا يُفسَّر، وتضيف أن هذه المرحلة تكون مربكة إلى حدٍّ كبير، وتحتاج إلى احتواء حقيقي ودعم متخصص، إلى جانب دور محوري للزوج في التفهّم والمساندة، لتخفيف وطأة هذا الحمل النفسي الثقيل. ويمكن أن تجد الأسرة شيئًا من التماسك وسط هذا الاضطراب، من خلال دعمٍ نفسي حقيقي يهيّئها لمواجهة القرار الطبي الصعب، ويبدأ ذلك بتوفير استشارات نفسية متخصصة، تُساعدهم على فهم ما يمرّون به، إلى جانب تقديم معلومات طبية واضحة تزيل الغموض وتخفف من وطأة الخوف، كما تُعدّ المساندة العاطفية الهادئة، البعيدة عن أي ضغط، عنصرًا أساسيًا، مع احترام مشاعرهم بكل تعقيداتها، ومرافقتهم خطوة بخطوة نحو اتخاذ قرارٍ واعٍ، ينسجم مع ظروفهم وقيمهم.
بين نارين
يختلف العبء النفسي الذي تتحمله الحامل في مثل هذه الحالات بين قرار إنهاء الحمل أو الاستمرار فيه، إذ لا يخلو أيٌّ منهما من الألم، وفي هذا السياق، تؤكد نسيم أن كلا الخيارين يحتاجان إلى دعم نفسي حقيقي، مشيرة إلى أن حجم التأثير يختلف تبعًا للحالة وظروفها، وكذلك لمستوى الدعم المتوافر حول الأم. وتوضح أن إنهاء الحمل قد يترك خلفه شعورًا بالحزن والفقد، بينما قد يحمل الاستمرار في الحمل قلقًا وضغطًا ممتدَّين مع كل يوم، وفي كلتا الحالتين، يبقى الدعم النفسي عنصرًا أساسيًا، يخفف من ثقل التجربة، ويساعد الأم على تجاوز آثارها والتعامل مع تبعاتها بأقل قدر ممكن من المعاناة.
أرقام قاتلة
وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، يموت كل عام نحو 240,000 مولود حديثًا خلال أول 28 يومًا من حياتهم بسبب اضطرابات خلقية، ويُسجّل 170,000 وفاة إضافية للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين شهر وخمس سنوات، والأمر الأكثر مأساوية هو أن تسعة من كل عشرة أطفال يولدون بهذه الاضطرابات الخطيرة يعيشون في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث أصبحت هذه الحالات المأساوية السبب الأكبر لوفيات حديثي الولادة والأطفال دون سن الخامسة، تاركة وراءها أسرًا حزينة ومجتمعات مثقلة بالمعاناة.
الضمير المقدس
في قلب هذا الجدل، يقف الدين كمرجعية أساسية تُشكّل وعي المجتمع وحدود قراراته، خاصة حين يتعلق الأمر بالحياة قبل أن ترى النور، فمسألة الإجهاض لا تُقاس فقط بالطب أو القانون، بل تُلامس جانبًا عميقًا من الضمير الإنساني المرتبط بالقيم الدينية، حيث تُمنح الحياة حرمتها منذ بدايتها، ويُنظر إلى كل قرار يمسّها بعينٍ من التروي والحذر الشديد.
وفي هذا السياق، يبين قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية رقم 140 وتاريخ 20/6/1407هـ إطارًا دقيقًا لهذه المسألة، مؤكدًا أن الأصل هو عدم جواز إسقاط الحمل في جميع مراحله، إلا لوجود مبرر شرعي وفي أضيق الحدود.
وأجاز القرار الإجهاض في مراحل مبكرة جدًا من الحمل (الأربعين يومًا الأولى) إذا وُجدت مصلحة شرعية أو ضرر متوقع، لكنه شدد على عدم جوازه لأسباب تتعلق بالظروف المعيشية أو الخوف من أعباء التربية.
أما بعد مرور أربعة أشهر، فيُحظر الإجهاض تمامًا إلا في حالة واحدة استثنائية، وتكون بقرار من لجنة طبية موثوقة، وهي إذا كان بقاء الجنين يؤدي إلى وفاة الأم، وبعد استنفاد جميع الوسائل لإنقاذها، فيُصار إلى ذلك دفعًا لأعظم الضررين.
ويبين الدكتور هيثم آل رحمة، طبيب أمراض وجراحة النساء والولادة، بأنه يستند إلى الحديث النبوي الشريف في بيان مراحل تكوّن الجنين وتحديد وقت “نفخ الروح”، وهو ما يُعد أساسًا في الأحكام المتعلقة بالإجهاض، وقد ورد هذا الحديث عن النبي محمد ﷺ، رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وجاء في صحيح البخاري وصحيح مسلم: إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطفةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ، ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ.
الفقه السني
يقصد بالتشوهات الخلقية في الفقه السني وفقا لما أفاد فضيلة الشيخ الدكتور جاسم أحمد السعيدي، بأنها التغير من الأصل الأحسن إلى حال أسوأ في جسم الجنين أو وظائفه الحيوية، ويؤكد بأنه إذا كان الحمل قبل نفخ الروح في الجنين يسبب ضررًا جسديًا أو نفسيًا شديدًا للأم، يجوز الإجهاض شرعًا، شريطة أن يكون هناك مبرر طبي واضح وموثق، بما يحقق التوازن بين حماية حياة الجنين وحق الأم في صحتها وسلامتها النفسية والجسدية.
الفقه الجعفري
وفي الفقه الجعفري، يوضح المستشار الشيخ عبدالهادي خمدن أنه من بين الفتاوى المستحدثة لكل من سماحة المرجع السيد أبي القاسم الخوئي، والمرجع الأعلى السيد علي السيستاني، يتضح بأنهما يتفقان أن جواز الإجهاض قبل ولوج الروح يقتصر على ظروف الأم فقط، دون الأب والعائلة، ويكون في حالتين استثنائيتين: إذا كان استمرار الحمل يشكل ضررًا جسديًا أو نفسيًا لا يُحتمل عليها، أو إذا كان الحمل حرجًا استثنائيًا عليها، ولا يجوز الإجهاض بعد ولوج الروح مهما كانت الأسباب.
ويضيف خمدن أن المباشر للإجهاض – سواء كان الطبيب أو الأم أو الأب – يكون ملزمًا بدفع الدية، إلا إذا تنازل الوالدان عنها صراحة، ويجب أن يشمل إقرار الأبوين كامل الموافقة والتنازل عن الدية.
الحق والرحمة
تُعد مسألة الإجهاض الناتج عن التشوهات الخِلقية من أكثر القضايا حساسية، وتتطلب التعامل معها بحذر بالغ، إذ تمس أعماق الضمير الإنساني وتستدعي موازنة دقيقة بين الحق في الحياة والرحمة بالأم والجنين معًا.
في هذا الإطار، يؤكد فضيلة الشيخ علي مطر أن هناك فروقًا جوهرية بين الشك في إصابة الجنين وبين التأكد من التشوه، وبين التشوه البسيط والتشوه الخطير الذي يجعل الحياة صعبة أو مستحيلة، ليس على الجنين فحسب، بل على من يعتني به، مبينًا أن بعض تلك التشوهات تكون قابلة للعلاج، وبعضها غير قابل، مؤكدًا في السياق ذاته أهمية مراعاة مرحلة الجنين، سواء قبل نفخ الروح أو بعده، ومدى الخطر الذي قد يشكله استمرار الحمل على الأم.
وأكد مطر في قوله بأن التحريم الشرعي للإجهاض يتدرج مع مراحل الحمل؛ ففي الأربعين يومًا الأولى يكون التحريم أخف من المرحلة التي بعدها، ولهذا يُستثنى منه حالة الضرورة الواقعة أو المتوقعة، إلا أنه يجب التروي والتأكد والتثبت وعدم الاستعجال، لأن ربما يكون هناك خطأ في التشخيص، مؤكدًا على ضرورة الاستشارة الدقيقة من الأطباء والمتخصصين تجنبًا لقتل النفس التي حرم الله، لافتًا بقوله إن الشرع الإسلامي لا يمانع من دفع الضرر الكبير وإزالته، إن كان فيه ارتكاب لضرر آخر، لكنه أخف ضررًا إعمالًا للقاعدة الشرعية: الضرر الأشد يزال بارتكاب الضرر الأخف، وإجهاض الجنين المشوه تشويهًا خطيرًا ضرر، لكن في إبقائه لتمام الحمل وخروجه حيًا يترتب عليه ضرر أكبر عليه.
أمل جديد
في كل حمل جديد، يترقب الأهل حياة كاملة ونموًا طبيعيًا لأطفالهم، لكن أحيانًا يواجهون صدمة الكشف عن تشوهات خلقية قد تغيّر مسار حياتهم بالكامل، هنا يأتي دور الأطباء، الذين يسعون بكل خبرتهم وحرصهم لاكتشاف هذه التشوهات مبكرًا، وفهم طبيعتها، والتدخل الطبي لحماية حياة الجنين والأم معًا، وتخفيف المعاناة قبل أن تبدأ.
ويقصد بالتشوهات الخِلقية من الناحية الطبية بأنها اضطرابات بنيوية أو وظيفية (في الأعضاء أو التمثيل الغذائي) تحدث أثناء التطور الجنيني وتظهر عند الولادة، وتؤثر على شكل الجسم أو وظيفته، وفي هذا الصدد تشير الدكتورة فضيلة النجار، استشارية أمراض النساء والتوليد والجراحة البولية النسائية، إلى أن أبرز التشوهات الخِلقية التي يمكن اكتشافها أثناء الحمل، والتي تُكتشف غالبًا عبر الأشعة الصوتية (السونار) والفحوصات الجينية، هي عيوب الأنبوب العصبي مثل السنسنة المشقوقة، وعيوب القلب الخِلقية مثل ثقوب القلب أو اختلال الصمامات، وتشوهات الجهاز الهيكلي مثل القدم الحنفاء أو غياب الأطراف، وتشوهات الوجه مثل الشفة الأرنبية والحنك المشقوق، والتشوهات الجينية مثل متلازمة داون، ومتلازمة إدوارد، أو متلازمة باتو، والتشوهات الكلوية مثل كبر حجم الكلى أو انسداد مجرى البول.
ومع تقدم الطب الجنيني، أصبح بإمكان الأطباء التدخل مبكرًا لإنقاذ حياة الأجنة المصابين بتشوهات يمكن علاجها قبل الولادة، لتقليل المخاطر وتحسين جودة حياتهم بعد الولادة، إذ يمكن على سبيل المثال علاج السنسنة المشقوقة عبر إغلاق فتحة الظهر للجنين داخل الرحم لتقليل الضرر، ومعالجة انسداد مجرى البول من خلال تركيب دعامات تصرف البول في السائل الأمنيوسي، والتدخل في أورام الرئة أو المشيمة عبر إزالة الأورام أو فصل الأوعية الدموية في حالات التوأم المصاب بمتلازمة نقل الدم، كما يمكن علاج بعض عيوب القلب الخِلقية عن طريق توسيع الصمامات بالبالون، ليُمنح الجنين فرصة لحياة أفضل حتى قبل أن يرى النور.
حياة مهددة
يصل الأطباء في بعض الحالات إلى قناعة مؤلمة بأن التشوهات لا يمكن علاجها، وأن فرص بقاء الجنين على قيد الحياة بعد الولادة تكاد تكون معدومة، استنادًا إلى معايير دقيقة وواضحة، منها حسب ما بينته الدكتورة النجار: انعدام الدماغ من خلال غياب جزء كبير من الدماغ والجمجمة، والتشوهات الصبغية القاتلة مثل متلازمة باتو أو إدوارد الشديدة، وفشل نمو الأعضاء الحيوية مثل الكلى (غياب كامل) أو الرئتين (نقص تنسج شديد)، والتشوهات القلبية المعقدة التي لا يمكن إصلاحها جراحيًا ولا تسمح بضخ الدم، بالإضافة إلى متلازمة الشريط السلوي التي تسبب بتر أطراف حيوية، أو أي تشوهات أخرى غير متوافقة مع الحياة.
قرار مصيري
عندما يكتشف الأطباء تشوّهًا خلقيًا في الجنين، تبدأ رحلة دقيقة وحساسة مع الأم وأسرتها، ليست مجرد فحوصات طبية، بل لحظة تتداخل فيها المشاعر الإنسانية مع قرارات مصيرية، وفي هذا الصدد يوضح الدكتور هيثم آل رحمة، طبيب أمراض وجراحة النساء والولادة، أن التعامل مع هذه الحالات يتم على مراحل دقيقة، تبدأ بالتأكد من التشخيص عبر إعادة الفحوصات باستخدام السونار المتقدم، وأحيانًا الفحوصات الجينية، للتأكد من دقة المعلومات قبل اتخاذ أي قرار.
ثم تأتي مرحلة تقييم الحالة، لتحديد مدى خطورة التشوه، وإمكانية علاجه قبل الولادة، مع الاستعانة باستشارات طبية متعددة تشمل أطباء طب الأجنة، والوراثة، وأحيانًا جراحة الأطفال، لضمان رؤية شاملة ودقيقة، وفي هذه الرحلة الصعبة، لا يُهمل البعد النفسي، إذ يُقدم للأهل الدعم والمساندة، ويتم شرح الحالة لهم بصراحة ووضوح، مع توضيح جميع الخيارات المتاحة بكل شفافية.
وفي النهاية، يُتخذ القرار بشكل مشترك مع الأسرة، بعد تزويدهم بكل المعلومات الطبية، مع الالتزام بالقوانين والضوابط المعمول بها، ليكون القرار متوازنًا بين العلم والرحمة، وبين حماية حياة الجنين وحق الأم في صحتها النفسية والجسدية، وسط وعي كامل بمسؤولية هذا الخيار وتأثيره العميق على الأسرة كلها.
هروب اضطراري
لوحظ لجوء عدد من الأسر إلى الخارج لإجراء الإجهاض بعد اكتشافهم وجود تشوه خلقي في الجنين، خصوصًا عندما كانت الخيارات المحلية أمامهم محدودة أو غير واضحة من الناحية القانونية، وعليه يؤكد الدكتور آل رحمة بأن هذا الأمر يعكس حاجة حقيقية لدى بعض الأسر لإيجاد حلول في حالات طبية معقدة وصعبة نفسيًا، لذا فإن وجود إطار قانوني واضح داخل البلد يُعد أمرًا مهمًا، كونه يقلل من هذا التوجه، ويضمن أن تتم الرعاية داخل نظام صحي آمن وتحت إشراف طبي متكامل، بدلًا من تعريض المريضة لمخاطر السفر أو الإجراءات غير المنظمة.
قضاء حازم
جاء القضاء حازمًا بشأن مسألة الإجهاض للحفاظ على الحقوق القانونية والطبية للأطراف جميعًا، ومنع أي تجاوزات قد تعرض الأسرة أو المريض لمخاطر غير محسوبة، إذ يقتصر تنظيم مسألة الإجهاض في مملكة البحرين على بعض النصوص الواردة في قانون العقوبات والمرسوم بقانون رقم 7 لسنة 1989 بشأن مزاولة مهنة الطب البشري وطب الأسنان، وفي هذا الصدد تشير المحامية زينب عيسى إلى أنه بموجب الإطار القانوني الحالي، يُعد الإجهاض محظورًا في الأصل، ولا يُسمح به إلا إذا كان استمرار الحمل يشكّل خطرًا جسيمًا على حياة الأم أو صحتها.
تقييد قانوني
رأت لجنة شؤون المرأة والطفل بمجلس الشورى أن تعديل بعض أحكام المرسوم بقانون رقم (7) لسنة 1989م بشأن مزاولة مهنة الطب البشري وطب الأسنان بخصوص تحديث الإطار القانوني لحالات الإجهاض لا يخرج عن القاعدة العامة التي تجرّم الإجهاض، بل يقصر إباحته في أضيق نطاق، بحالتين محددتين هما: خطر استمرار الحمل على حياة الأم، أو ثبوت تشوه جسيم في الجنين يمنع حياته بعد الولادة، مع إخضاع ذلك لضوابط طبية وإجرائية صارمة، وسقف زمني لا يتجاوز 120 يومًا.
وأكدت اللجنة أن التعديل لا يمنح حقًا مطلقًا في الإجهاض، بل يحقق توازنًا بين حماية الجنين وضمان حق المرأة في الرعاية الصحية الآمنة، دون تعارض مع قوانين حماية الطفل، كما يأتي لمعالجة قصور تشريعي ومواكبة التطورات الطبية، وتخفيف المعاناة في الحالات التي يثبت فيها عدم جدوى استمرار الحمل، ضمن إطار يجمع بين الاعتبارات القانونية والإنسانية والطبية.
وفي خطوة تعكس التزام التشريع بمواكبة المستجدات الطبية، وافق مجلس الشورى في جلسته المنعقدة بتاريخ 8 مارس 2026 على دراسة الاقتراح بقانون بما يتوافق مع التطورات الطبية الحديثة، مع الحفاظ على التوازن بين حماية حياة الجنين وصحة الأم، ورفع الحرج في الحالات الطبية الضرورية.
إطار خليجي
في خضم هذا الجدل الحساس، لا تبدو البحرين بعيدة عن محيطها التشريعي، بل تسير ضمن سياق إقليمي يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين صون الحياة ومراعاة المعاناة الإنسانية، إذ يتسق الاقتراح بقانون مع النهج التشريعي السائد في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي نظمت حالات إنهاء الحمل في نطاقٍ استثنائي مقيد بضوابط طبية صارمة، ولا سيما عند ثبوت إصابة الجنين بتشوّه جسيم لا تتأتّى معه الحياة، حيث أقرت كل من دولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة قطر، وسلطنة عمان، ودولة الكويت ضوابط واضحة لإجازة إنهاء الحمل في نطاق ضيق، خصوصًا في الحالات التي تهدد حياة الأم أو تثبت فيها تشوهات جسيمة لا تتأتّى معها الحياة للجنين، عبر اشتراط تقارير طبية دقيقة وإجراءات رسمية محكمة، في محاولة لاحتواء الألم دون التفريط في القيم، ولإيجاد مساحة إنسانية داخل إطار قانوني منضبط، يوازن بين حق الحياة وواقع المعاناة، إلا أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد أجازت في تشريعاتها أيضًا حالات استثنائية إضافية للإجهاض، من بينها الحمل الناتج عن مواقعة الأنثى كرهًا أو بغير رضاها، أو إذا كان المتسبب في الحمل من أصولها أو من محارمها.
صوت الحياة
وفيما يتعلق بالبعد النفسي والإنساني للاقتراح بقانون، تشير الأخصائية النفسية والأسرية ندى نسيم إلى أن المقترح يمكنه أن يوازن بين حماية حياة الجنين وحق الأم في الصحة والسلامة النفسية والجسدية، من خلال وضع ضوابط طبية دقيقة، والتأكد من وجود تشخيص واضح لحالة الجنين، مع مراعاة صحة الأم الجسدية والنفسية، وإتاحة القرار ضمن إطار إنساني وطبي يحترم جميع الأطراف، إلى جانب أهمية التعريف بالمقترح ونشره لتعزيز الوعي المجتمعي حول الفكرة.
استثناء محصور
ويؤكد المستشار الشيخ عبد الهادي خمدن أن الاستثناء يجب أن يُطبق في أضيق نطاق ممكن، وأن أي توسع فيه غير جائز، باعتبار أن الإجهاض في الفقه الجعفري محصور في حالتين استثنائيتين فقط، ويجب الالتزام بهما في حدود ما يُتيقن دخوله ضمن هذا الاستثناء دون تجاوز.
ويشير إلى أن عبارة مسودة مشروع القانون المتعلقة بالإجهاض في حالات التشوهات التي تجعل الحياة مستحيلة بعد الولادة تحتاج إلى توضيح، إذ إن وفاة الجنين بعد الولادة دون أن يكون استمرار الحمل ضارًا جدًا بالأم لا يدخل ضمن الحالات المجيزة للإجهاض وفق الفقه الجعفري، لافتًا إلى أن ما تجيزه بعض القوانين من الإجهاض في حالات مثل الحمل الناتج عن الاغتصاب أو الإكراه لا يندرج ضمن هذه الاستثناءات.
كما ينبه إلى ضرورة التأني والتحقق الطبي الدقيق قبل الإقدام على الإجهاض، مستندًا إلى تجربته الشخصية مع حالة تشخيص خاطئ أدى إلى توتر نفسي شديد للأم، بينما وُلد الطفل لاحقًا سليمًا دون تشوهات.
مسؤولية واضحة
الاقتراح بقانون لا يتعارض مع التشريعات القائمة في القانون البحريني بقدر ما يُمثّل توسيعًا للحالات الاستثنائية المسموح فيها بالإجهاض، وفي هذا الصدد توضح المحامية زينب عيسى بأن القانون الحالي يجيز الإجهاض لاعتبارات تتعلق بحماية حياة الأم، بينما يقترح التعديل السماح به أيضًا في حال ثبوت إصابة الجنين بتشوه جسيم لا يمكن معه استمرار الحياة بعد الولادة، وذلك وفق ضوابط طبية وقانونية محددة، لافتة أنه في حال إقرار التعديل، سيتم تطبيقه باعتباره استثناءً مشروعًا ضمن الإطار القانوني المنظم للممارسة الطبية.
وأكدت أن المسؤولية الجنائية والتأديبية تترتب في حال إجراء الإجهاض خارج هذه الضوابط، سواء على الطبيب أو على أي شخص يشارك في الفعل.
لفتة ختامية
في ختام هذا المشهد الإنساني الثقيل، لا تبدو مسألة الإجهاض في حالات التشوهات الخِلقية مجرد قرار طبي، بل لحظة فاصلة تُختبر فيها القلوب قبل العقول، حيث تقف الأسرة بين ألمٍ لا يُحتمل، ورجاءٍ في رحمةٍ أوسع، إنها قرارات تُتخذ بصمتٍ مثقل، وتبقى آثارها عالقة في الذاكرة والوجدان طويلًا.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى أن يُستكمل هذا التوجه التشريعي بدعمٍ حقيقي، يبدأ بتوعية المجتمع، ويمتد إلى احتواء الأسر نفسيًا، وضمان أعلى درجات الدقة الطبية، مع فتح حوارٍ مسؤول بين أهل الاختصاص، حتى لا تُترك العائلات وحدها في مواجهة قرارات بهذا الحجم.
ويأتي الاقتراح بقانون كخطوة متزنة تنحاز للإنسان دون أن تفرّط في القيم، فهو لا يفتح بابًا بقدر ما يضع له حدودًا، ولا يخفف الألم بقدر ما ينظّمه بعدل، وبين النصوص والقلوب، يبقى الأمل أن تُصاغ القرارات دومًا برحمةٍ تُشبه الإنسان في ضعفه، وعدالةٍ تحفظ له كرامته في أصعب لحظاته.




