إغلاق مضيق هرمز يكشف حساسية وهشاشة الدول ذات الاقتصاد الريعي
انتشر مفهوم الدولة الريعية على نطاق واسع في سبعينيات القرن الماضي، عقب ثورة أسعار النفط، حيث ارتبط هذا المفهوم، على نحو حصري، بالدول المصدرة للنفط ذات عدد السكان الضئيل والطاقة الامتصاصية المحدودة للاستثمارات، وذلك بالمقارنة مع العوائد المالية الضخمة التي تحققت لها. وهنا، ينصبّ التركيز بشكل خاص على التبعيات الاقتصادية والسياسية السلبية لتدفق الريع إلى تلك الدول، وتتمثل هذه التبعات فيما بات يُعرف في علم السياسة بـ"لعنة الموارد" كونه يركز على تأثير الموارد في الحكم، وكذلك في علم الاقتصاد عند الإشارة إلى الدول الغنية بالموارد الطبيعية، مثل النفط، هذه الدول قد تعاني من ضعف في النمو الاقتصادي، أو سوء إدارة الموارد، أو الاعتماد الزائد عليها بدل تنويع الاقتصاد.، وهي صورة تحاكي ما يُصطلح عليه بـ"المرض الهولندي"، وهو مصطلح يُطلق على انكماش القطاعات الإنتاجية في الاقتصاد نتيجة ارتفاع سعر صرف العملة المحلية بسبب انتعاش تصدير الموارد الطبيعية وتدفق العملات الأجنبية إلى البلاد.
وفي سياق متصل، تشكل الدول النفطية ذات الاقتصاد الريعي حالةً فريدةً في الدراسات الاقتصادية والسياسية، إذ يتسم هذا النمط الاقتصادي بالاعتماد المفرط على مصدر دخل واحد، غالبًا ما يكون النفط ومشتقاته، الأمر الذي يجعل هذه الدول عرضة للتقلبات والتذبذبات العالمية، فضلًا عن تأثرها بالصدمات السياسية والجيوستراتيجية. ومن هذا المنطلق، تُعد حساسية هذه الاقتصاديات لهبوط أو ارتفاع أسعار النفط، إلى جانب هشاشتها الناتجة عن ضعف التنوع الاقتصادي، من السمات البنيوية الأساسية التي تحدد قدرتها على الصمود في مواجهة الأزمات. وفي هذا الإطار التحليلي، تكشف الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران عن مدى حساسية وهشاشة هذه الدول، وخاصة في ظل إغلاق مضيق هرمز، إذ يُقصد بالحساسية تأثر الاقتصاد بسرعة بأي تغيير، مثل انخفاض أسعار النفط، في حين تُعبّر الهشاشة عن بنية اقتصادية ضعيفة غير متنوع، الأمر الذي يجعل هذين البعدين عاملين حاسمين في تفسير تراجع وضعف، وربما انهيار هذا النمط الاقتصادي بسهولة.
ومن الناحية الجيوستراتيجية، يمثل مضيق هرمز شريانًا حيويًا لنقل النفط العالمي، إذ يقع بين عُمان وإيران، ويربط الخليج شمالًا بخليج عُمان وبحر العرب جنوبًا، ويبلغ اتساعه 33 كيلومترًا عند أضيق نقطة، بينما لا يتجاوز عرض ممرات الدخول والخروج ثلاثة كيلومترات في الاتجاهين. ويمر عبره ما بين 18 و19 مليون برميل من النفط والمكثفات والوقود يوميًا، وهو ما يجعله أحد أكثر النقاط حساسية في العالم. وعليه، فإن أي تهديد لهذا الممر، سواء عبر تصعيد عسكري أو تصريحات سياسية متوترة، يفضي إلى تذبذبات حادة في أسواق الطاقة العالمية، تنعكس بصورة مباشرة على الإيرادات الوطنية للدول الريعية. ويُبرز ذلك الطبيعة المركبة للتعرض للصدمات؛ إذ إن ارتفاع الأسعار قد يحقق مكاسب مالية مؤقتة، غير أنه يسهم في تأجيل الإصلاحات الهيكلية الضرورية، في حين يؤدي الانخفاض المفاجئ إلى خلق أزمات مالية حادة تشمل عجز الموازنات وتآكل الاحتياطيات.
وتتسم الدول الريعية، كذلك، بدرجة من الاستقلال المالي النسبي عن المجتمع، نتيجة اعتمادها على الإيرادات النفطية، وهو ما يفضي إلى إضعاف العلاقة التقليدية بين الدولة والمواطن. غير أن هذا الاستقلال الظاهري لا يعكس قدرة فعلية على التحكم في الاقتصاد، بل يكشف عن درجة عالية من الارتهان لتقلبات السوق العالمية والسياسات الدولية. بمعنى آخر، تصبح الدولة رهينة لأسعار النفط وللسياسات الدولية، الأمر الذي يجعل أي أزمة جيوسياسية خارجية تهدد استقرارها الداخلي.
بتصوري، ثمة بعد جغرافي يضيف المزيد من التعقيد، إذ تقع معظم الدول النفطية في مناطق متوترة جيوسياسيًا، ما يجعل بنيتها التحتية عرضة لخطر الاستهداف أو التعطيل- كما هو الحال في دول الخليم العربي-، وحتى في حال عدم وقوع ضرر فعلي فإن هذه المخاطر تؤدي إلى رفع تكاليف النقل والتأمين، والتأثير سلبًا على الاستثمار الأجنبي، فضلًا عن إدخال عامل المخاطرة السياسية في حسابات الفاعلين الاقتصاديين، بما يزيد من صعوبة التخطيط طويل الأمد.
ومن منظور الاقتصاد السياسي، يمكن تفسير هشاشة الدول الريعية بوصفها نتاجًا لتوزيع غير متكافئ للقوة؛ فبينما تمتلك هذه الدول موارد طبيعية استراتيجية، فإن قدرتها على التحكم في شروط السوق تظل محدودة، لا سيما في ظل هيمنة قوى كبرى على النظام المالي والتجاري العالمي مثل الولايات المتحدة الأمريكية. وفي المقابل، تسعى بعض الدول، مثل إيران، إلى توظيف موقعها الجغرافي وأدواتها غير المتكافئة للتأثير في موازين القوى الإقليمية، الأمر الذي يجعل العلاقة بين القوى الكبرى والدول النفطية مصدرًا دائمًا لعدم الاستقرار.
ويمثل هذا الواقع تحديًا جوهريًا فيما يتعلق بالزمن الاقتصادي، الذي يرتبط بحاجة هذه الدول إلى فترة زمنية طويلة لتنويع اقتصادها وتقليل الاعتماد على النفط، وهو مسار تدريجي يتطلب تخطيطًا واستثمارات طويلة الأمد. في المقابل، يرتبط الزمن السياسي برغبة الحكومات في تحقيق استقرار سريع وتلبية مطالب المواطنين بشكل فوري، مثل توفير الوظائف والدعم. وهنا يتجلى جوهر الإشكالية؛ لان التحول الاقتصادي يتطلب صبرًا واستمرارية، في حين يفرض الواقع السياسي نتائج سريعة، وهو ما يفسر، إلى حد كبير، تعثر العديد من الدول النفطية في الخروج من دائرة الاعتماد على النفط، رغم إدراكها العميق للمخاطر البنيوية.
إن استمرار إيران في إغلاق مضيق هرمز ستزيد من شدة الأضرار الاقتصادية للدول الريعية، مثل الكويت وقطر والبحرين والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، لأن معظم طاقتها الانتاجية تُصدر عبر المضيق، لذلك ستتضرر اقتصاديًا. وعلاوة على ذلك، فإن التعرض المركب للصدمات الاقتصادية والجيوسياسية يجعل هذه الدول أكثر حساسيةً هشاشةً مقارنة بالاقتصادات المتنوعة، حيث يمكن للأخيرة امتصاص الصدمات من خلال القطاعات غير المرتبطة مباشرة بمصدر دخل واحد. في المقابل، يظل الاقتصاد الريعي معرضًا بشكل مباشر لتقلبات الأسعار، ومثل هذا التعرض الأحادي المصدر يضاعف أثر أي أزمة ويزيد من احتمالية حدوث أزمات مالية واجتماعية حادة.
وباعتقادي، أن هشاشة الدول النفطية ذات الاقتصاد الريعي ليست حالة طارئة، بل هي تمثل نمطاً بنيويًا لطبيعة نموذجها الاقتصادي وموقعها ضمن بنية النظام الدولي. ومن ثم، فإن الحد من هذه الهشاشة لا يمكن أن يتحقق عبر سياسات مؤقتة أو إجراءات سريعة، بل يستدعي إعادة هيكلة اقتصادية عميقة تشمل تنويع القاعدة الإنتاجية، وتعزيز الحوكمة الاقتصادية، وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس أكثر استدامة. وبدون إحداث هذه التحولات الجوهرية، ستظل هذه الدول رهينة لتقلبات الأسواق العالمية والأزمات الجيوسياسية، مهما بلغت وفرة مواردها الطبيعية.





